اخبار عربية رؤية عربية لأخلاقيات تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي
اليكم الان رؤية عربية لأخلاقيات تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء:
قلم : د.أسماء نوير (دكتوراه في فلسفة العلوم وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي)
لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا في حدود الكفاءة التقنية أو القدرة على إنجاز المهام المعقدة، بل غدا سؤالًا فلسفيًا يتصل بطبيعة الإنسان، وحدود السلطة التي يجوز إسنادها إلى الأنظمة الذكية، والمعايير التي ينبغي أن تحكم علاقتها بالمجتمع. فكل إنجاز تقني يفتح، في الوقت ذاته، أفقًا جديدًا للمساءلة الأخلاقية، لأن الخوارزميات Algorithms لا تُنتج في فراغ، وإنما تُصاغ داخل سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية تحمل تصورات معينة عن العدالة والحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية. ومن ثم لم تعد الأخلاق عنصرًا مكمِّلًا في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت الإطار المرجعي الذي يمنح هذه التكنولوجيا مشروعيتها، ويحدد غاياتها وحدود استخدامها.
قد استأثرت هذه الإشكالية باهتمام واسع لدى عدد من الفلاسفة المعاصرين، كلٌّ من زاويته الخاصة، فقد دعا الفيلسوف الألماني هانز يوناس Hans Jonas إلى تأسيس أخلاق جديدة تقوم على مبدأ المسؤولية Principle of Responsibility، انطلاقًا من أن القوة التقنية التي بلغها الإنسان تجاوزت كل ما عرفته الحضارة الإنسانية في المراحل السابقة، الأمر الذي يجعل المسؤولية الأخلاقية ممتدة إلى الأجيال القادمة، لا مقصورة على الحاضر وحده. وتغدو هذه الرؤية أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للقرارات الخوارزمية أن تُحدث آثارًا بعيدة المدى تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية والإعلام، بل وإلى أنماط التفاعل الاجتماعي ذاتها.
يتقاطع هذا التصور مع رؤية الفيلسوف الإيطالي لوتشيانو فلوريدي Luciano Floridi الذي ينظر إلى العالم الرقمي بوصفه فضاءً أخلاقيًا جديدًا تتحول فيه المعلومات إلى قيمة أخلاقية تستحق الحماية، ويصبح الإنسان مسؤولًا عن جودة البيئة المعلوماتية التي يشارك في تشكيلها. ومن هذا المنطلق لا يكفي أن تتسم الأنظمة الذكية بالدقة والسرعة، وإنما ينبغي أن تكون قابلة للتفسير Explainable، وشفافة Transparent، وخاضعة للمساءلة Accountable، مع التزامها بصون الكرامة الإنسانية Human Dignity.
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي اكتسبتها الأطر الأخلاقية الدولية، فإن معظمها نشأ في سياقات ثقافية غربية، وهو ما يجعلها تعكس، بدرجات متفاوتة، أولويات تلك المجتمعات ومنظوماتها القيمية. ويثير ذلك تساؤلًا مشروعًا حول مدى قدرتها على استيعاب التنوع الحضاري والثقافي. فالأخلاق ليست معادلات معيارية ثابتة، بل منظومات قيمية تتشكل عبر التاريخ والثقافة والدين والخبرة الاجتماعية. ومن ثم فإن الدعوة إلى بناء إطار أخلاقي عربي للذكاء الاصطناعي لا تمثل نزعة انعزالية، بقدر ما تعبر عن ضرورة معرفية وحضارية تضمن مشاركة المنطقة العربية في إنتاج المرجعية الأخلاقية للتكنولوجيا، لا الاكتفاء باستهلاكها.
لا يعني هذا الإطار رفض المبادئ الكونية أو القطيعة معها، وإنما إعادة تأويلها في ضوء المرجعية الثقافية العربية والإسلامية، بما يحقق التكامل بين القيم الإنسانية المشتركة والخصوصية الحضارية. فالعدالة، على سبيل المثال، لا تُختزل في مفهوم العدالة الخوارزمية Algorithmic Fairness، وإنما تمتد إلى منع إعادة إنتاج أنماط جديدة من الإقصاء أو التهميش أو التمييز. كما أن الحرية لا تعني إطلاق قدرات الأنظمة الذكية بلا ضوابط، وإنما تستلزم حماية الإنسان من الهيمنة الخوارزمية Algorithmic Domination التي قد تتحول إلى سلطة غير مرئية تؤثر في السلوك والاختيارات.
وفي السياق نفسه، يؤكد الفيلسوف البلجيكي مارك كوكلبيرج Mark Coeckelbergh أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد منظومة تقنية أو مجموعة أدوات محايدة، لأن العلاقة بين الإنسان والآلة هي، في جوهرها، علاقة اجتماعية وثقافية وأخلاقية. فالقيمة الأخلاقية للتكنولوجيا لا تنبع من بنيتها التقنية ذاتها، وإنما من طبيعة العلاقات الإنسانية التي تعيد تشكيلها، ومن أثرها في أنماط العيش والتفاعل داخل المجتمع. ومن ثم فإن تقييم الأنظمة الذكية ينبغي أن يستند إلى أثرها في الإنسان والمجتمع، لا إلى مستوى كفاءتها التقنية فحسب.
من هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز الرؤية الأداتية Instrumentalism التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة محايدة. فالخوارزمية التي تحدد أهلية الأفراد للحصول على قرض، أو التي ترتب المتقدمين إلى وظيفة، أو التي تدير أنظمة المراقبة الأمنية، لا تصدر أحكامًا محايدة بصورة مطلقة، وإنما تعتمد على بيانات ومعايير صاغها البشر، وقد تعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تحيزاتهم المسبقة. ولذلك فإن الادعاء بحياد التكنولوجيا يستدعي مراجعة فلسفية ونقدية عميقة.
ويضيف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas بعدًا آخر لهذه القضية، إذ يرى أن الشرعية الأخلاقية لا تُستمد من الكفاءة التقنية وحدها، وإنما تُبنى عبر الحوار العمومي والتوافق المجتمعي Deliberative Consensus. وانطلاقًا من هذا التصور، لا ينبغي أن تنفرد الشركات التقنية أو المؤسسات الحكومية بصياغة قواعد الذكاء الاصطناعي، بل يتعين إشراك الفلاسفة، وعلماء الاجتماع، وخبراء القانون، والتربويين، ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن أن تعكس السياسات الأخلاقية الإرادة المجتمعية والمصلحة العامة، لا الاعتبارات الاقتصادية وحدها.
كما يقوم الإطار الأخلاقي العربي المقترح على منظومة مترابطة من المبادئ. ويأتي في مقدمتها مبدأ الكرامة الإنسانية، الذي يجعل الإنسان غاية في ذاته لا وسيلة لتحقيق أغراض الآخرين، وهو المبدأ الذي رسخه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Immanuel Kant. وتزداد أهمية هذا المبدأ في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث قد يؤدي التوسع في جمع البيانات الشخصية وتحليلها والتنبؤ بالسلوك إلى اختزال الإنسان في موضوع دائم للرصد والتصنيف إذا غابت الضوابط الأخلاقية.
ويتمثل المبدأ الثاني في العدالة الخوارزمية، بما يقتضي إخضاع النماذج الذكية لاختبارات دورية تكشف عن صور الانحياز، مع ضمان تمثيل عادل لمختلف الفئات الاجتماعية في البيانات المستخدمة في التدريب. فالعدالة لا تتعلق بالمخرجات النهائية وحدها، وإنما تشمل تصميم النموذج، وجودة البيانات، وآليات التقييم والمراجعة المستمرة.
أما الشفافية، فتعد شرطًا أساسيًا لاكتساب الأنظمة الذكية الثقة المجتمعية، إذ لا يمكن القبول بأن تؤثر الخوارزميات في مصائر الأفراد بينما تظل آليات عملها غامضة أو غير مفهومة. ولا تعني الشفافية الإفصاح عن الأسرار التجارية، وإنما توفير مستوى مناسب من قابلية التفسير Explainability يسمح بفهم منطق القرارات، وإمكان مراجعتها والطعن فيها عند الاقتضاء.
ويتكامل مع ذلك مبدأ المساءلة، الذي يقتضي بقاء المسؤولية القانونية والأخلاقية مرتبطة بالإنسان، حتى وإن استندت عملية اتخاذ القرار إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي. فلا يجوز أن تتحول الخوارزمية إلى بديل عن المسؤول الأخلاقي أو القانوني، لأن نقل المسؤولية إلى الآلة لا يمثل تطورًا تشريعيًا، بقدر ما يعكس تنصلًا من الالتزام الأخلاقي.
ولا يقل أهمية عن ذلك مبدأ السيادة الرقمية Digital Sovereignty، إذ أصبح امتلاك البيانات والبنية التحتية الرقمية أحد مكونات الأمن القومي للدول. فالمجتمعات التي تعتمد اعتمادًا كاملًا على المنصات والخوارزميات الأجنبية تصبح أكثر عرضة للتبعية التقنية، وقد تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية خصوصيتها الثقافية واستقلال قرارها الرقمي. ومن ثم فإن الاستثمار في البحث العلمي العربي، وتطوير النماذج اللغوية العربية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث والابتكار، يمثل ضرورة استراتيجية وأخلاقية في آن واحد.
ومع ذلك، فإن بناء إطار أخلاقي عربي لن يحقق غايته إذا ظل حبيس الوثائق النظرية أو الإعلانات المبدئية. فالقيمة الحقيقية لأي إطار أخلاقي تتجسد في قدرته على التأثير في التشريعات، والمناهج التعليمية، وسياسات الشركات، وآليات الحوكمة والرقابة، وبرامج إعداد المطورين. فالأخلاق التي تبقى أسيرة النصوص تفقد فاعليتها، بينما تتحول الأخلاقيات التطبيقية Applied Ethics إلى قوة موجهة عندما تصبح جزءًا أصيلًا من عمليات التصميم والتطوير وصنع القرار.
ولعل من أبرز الوقائع التي كشفت الحاجة الملحة إلى بناء إطار أخلاقي حاكم للذكاء الاصطناعي، تجربة روبوت المحادثة تاي Tay الذي أطلقته شركة عام 2016 على منصة إكس (تويتر سابقًا) بهدف التفاعل مع المستخدمين والتعلم من محادثاتهم بصورة مستمرة. إلا أن الروبوت، وبعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على إطلاقه، بدأ في نشر تعليقات عنصرية ومسيئة وتمييزية، نتيجة تأثره بالمحتوى الذي ضخه بعض المستخدمين عمدًا عبر المنصة، الأمر الذي اضطر الشركة إلى إيقافه بشكل عاجل. وتكشف هذه الحادثة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقتها التقنية، ليست بمنأى عن التأثر بالبيئة الرقمية التي تتعلم منها، وأن غياب الضوابط الأخلاقية وآليات الرقابة على البيانات والتعلم الذاتي قد يحولها إلى أدوات لإعادة إنتاج الكراهية والتحيز ونشر المعلومات الضارة. ومن ثم، فإن بناء إطار أخلاقي عربي لا ينبغي أن يقتصر على وضع مبادئ نظرية عامة، بل يجب أن يتضمن معايير ملزمة لجودة البيانات، والحد من التحيز الخوارزمي، وآليات للمراجعة والمساءلة والتدخل البشري المستمر، بما يضمن توافق تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية والثقافية للمجتمعات العربية ويحافظ على حقوق الأفراد وكرامتهم.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بقدرات الحوسبة وحدها، وإنما ستحدده، بالدرجة نفسها، المنظومة القيمية التي يختار الإنسان أن يدمجها في هذه التكنولوجيا. فالمجتمعات التي تكتفي باستيراد التقنيات دون إنتاج رؤيتها الأخلاقية ستظل مستهلكة لمنظومات قيمية صاغها غيرها، في حين أن المجتمعات القادرة على بناء فلسفتها الأخلاقية ستكون أكثر قدرة على الإسهام في رسم مستقبل التكنولوجيا ذاتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع عربي متكامل يجعل الإنسان محور التطور التقني، ويحول الذكاء الاصطناعي من أداة قد تعيد إنتاج صور جديدة من اللامساواة إلى قوة داعمة للعدالة، وتصون الكرامة الإنسانية، ومعززة للتنمية المستدامة، ومؤسسة لعلاقة أكثر توازنًا بين الإنسان والآلة؛ علاقة تنطلق من الحكمة بالقدر نفسه الذي تنطلق فيه من المعرفة، ومن المسؤولية بالقدر نفسه الذي تستند فيه إلى الابتكار.
ظهرت المقالة رؤية عربية لأخلاقيات تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي أولاً على جريدة المساء.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل رؤية عربية لأخلاقيات تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.