اليكم الان هيئات الأركان في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو التطوير أم الإلغاء؟ والان إلى التفاصيل من المصدر بتوقيت بيروت_ beiruttime
العقيد الركن م. ظافر مراد
مستقبل هيئات الأركان ليس أن تكون أكبر ، بل أن تكون أذكى وأسرع في إتخاذ القرار.
منذ أن طوّر نابوليون بونابرت، متأثراً بالفكر العسكري البروسي/الالماني، نموذجًا أكثر تنظيمًا وفعالية لهيئة الأركان، أصبحت هذه المؤسسة أحد أهم مكونات القيادة العسكرية الحديثة؛ فقد أتاحت للقائد توزيع المهام، وجمع المعلومات، وتحليلها، وإعداد الخطط، وإصدار الأوامر، ومتابعة تنفيذها؛ مع تطور الحرب، توسعت هيئة الأركان لتضم وظائف متخصصة في العمليات والاستخبارات واللوجستية والاتصالات والتخطيط والموارد البشرية وغيرها، إلى أن أصبحت في كثير من الجيوش مؤسسة ضخمة ترافق القائد على مختلف المستويات.
وضع الذكاء الاصطناعي هذه المؤسسة أمام سؤال يطرح إشكالية غير مسبوقة: إذا كان الذكاء الإصطناعي قادر على جمع المعلومات وتحليلها، ومحاكاة السيناريوهات، واكتشاف الأعمال المحتملة للعدو، واقتراح الأعمال الممكنة للصديق، وتقديم التوصيات بسرعة عالية جداً، فلماذا تحتاج الجيوش إلى هيئات أركان كبيرة كانت تؤدي جزءًا كبيرًا من هذه الوظائف؟
في الواقع، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ستلغي الجيوش هيئات أركانها؟ بل: ما الذي يجب أن يبقى من هيئة الأركان عندما تصبح بعض وظائفها قابلة للتنفيذ من قبل الذكاء الإصطناعي وعلى أفضل وجه؟
تطورت هيئة الأركان العسكرية تاريخيًا بالتوازي مع تطور طبيعة الحرب وتشابك وتعقيد وظائف القيادة، فبعد أن كانت وظائف الأركان تتركز في عدد محدود من المجالات الأساسية، ولا سيما الأفراد، والاستخبارات، والعمليات، واللوجستية، توسعت تدريجيًا لتستوعب وظائف جديدة فرضتها طبيعة العمليات الحديثة. مع تطور الجيوش الغربية ونظم القيادة والسيطرة، تبلور نموذج أكثر تكاملًا يقوم على ثمانية أركان رئيسية: G1/J1 للأفراد، G2/J2 للاستخبارات، G3/J3 للعمليات، G4/J4 للوجستيات، G5/J5 للتخطيط والسياسات، G6/J6 للاتصالات ونظم المعلومات، G7/J7 للتدريب والتطوير، وG8/J8 للموارد والتمويل وتقييم القدرات. ويظهر هذا النموذج بوضوح في تنظيمات الجيش الأميركي وهيئات القيادة المشتركة، مع اختلافات في التسمية والتوزيع وفق المستوى القيادي.
نشرت مؤسسة “CSIS“ في تموز 2025 دراسة بعنوان (الحرب الوكيلة ومستقبل العمليات العسكرية: إعادة التفكير في طاقم نابليون)، تناقش بصورة مباشرة مستقبل نموذج هيئة الأركان النابوليونية في عصر الذكاء الاصطناعي. وتطرح الدراسة أن ظهور أنظمة قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات وتوليد البدائل بسرعة كبيرة قد يفرض إعادة التفكير في الطريقة التي تُنظَّم بها هيئات الاركان العسكرية.
في البحث في شكل هيئات الأركان المستقبلية، قدمت هذه الدراسة ثلاثة نماذج لهياكل القيادة لمواجهة التهديدات (خاصة الصينية والروسية):
النموذج الشبكي (Networked Model): توزيع المهام عبر شبكات أفقية.
النموذج العلاقاتي (Relational Model): يركز على مرونة الروابط بين الوحدات.
النموذج التكيفي (Adaptive Staff Model): وهو النموذج الأكثر مرونة وقدرة على الصمود وفقاً للدراسة، حيث يدمج عملاء الذكاء الاصطناعي في حلقة تواصل مستمر مع البشر لإدارة سيناريوهات معقدة (مثل الحصار البحري أو حملات الجزر).
كانت هيئة الأركان التقليدية تقوم بدورة التخطيط والقرار بسياق تقليدي يشمل: جمع المعلومات، تحليلها، تقدير الموقف، وضع الخطط، إصدار الأوامر، المتابع؛. أما في البيئة المستقبلية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الدورة يمكن أن تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع بكثير من الإنسان. لذلك فإن هيئة الأركان لن تختفي، وإنما يمكن أن تنتقل من كونها جهازًا لإنتاج المعلومات وتقديم الخيارات والتوصيات، إلى كونها جهازًا لتصميم القرار والتحقق منه وإدارة العلاقة بين الإنسان والآلة، ويعتبر ذلك تحولاً جوهرياً في طبيعة العمل العسكري وفي أدوار ومهام هيئات الأركان، فالضابط الذي كان يقضي ساعات في دمج التقارير قد يجد نفسه في المستقبل أمام نظام يقدّم له صورة عملياتية موحدة خلال ثوانٍ؛
والضابط الذي كان يحتاج إلى وقت طويل لإعداد عدة خيارات عملياتية يمكن أن يحصل على عشرات البدائل التي أنتجتها الخوارزميات، ليصبح دوره الأساسي تقييمها واختيار الأنسب منها، معتمداً على ما لا يمكن للذكاء الإصطناعي أن يوفِّره في دورة القرار، أي الخبرة والحدس.
في الحديث عن الخبرة، فالقرار العسكري يأخذ بعين الإعتبار مسائل هامة مثل: الإستراتيجية الكبرى، الشرعية، المخاطر، التضليل والخداع، المعنويات، الخسائر الجانبية المحتملة، فهم نوايا الخصم، وأخيراً والأهم المسائل الإنسانية؛ وهذه عوامل في معظمها توجه القرار العسكري في سياق الخبرة والتقدير السليم، وليس فقط في سياق الإرشادات والتوجيهات والتقييدات والتحديدات في صناعة القرار، وهي أيضاً عوامل وإعتبارات لا يمكن اختزالها بسهولة في بيانات يمكن تقديمها للآلة.
أما في الحديث عن الحدس، فهو يكتسب أهميته في القرار العسكري عندما يواجه القائد معطيات غامضة، أو متناقضة، أو ناقصة، لا تسمح ببناء صورة عملياتية كاملة وواضحة، وفي ظل ضيق الوقت وتسارع الأحداث، يصبح انتظار المعلومات الكاملة مخاطرة بحد ذاته، فيلجأ القائد إلى خبرته وحدسه في ترجيح الإحتمال الأكثر خطورة ومواجهته بالقرار الأنسب، لذلك فالحدس يمثل أداة حاسمة لسد فجوة المعلومات والزمن، شرط أن يستند إلى خبرة ميدانية وفهم عميق للموقف.
ذهبت الروسية في دراستها حول فريق الإنسان والآلة إلى مفهوم أكثر تعقيدًا هو “الإدراك المشترك ” Shared Cognition، حيث يصبح التفكير في المشكلة العسكرية ناتجًا عن معضلة التعاون بين الإنسان والآلة، وليس عن استخدام الإنسان للآلة كأداة، وهنا تظهر وظيفة جديدة لهيئة الأركان، تتمثَّل بالتحقق من الآلة وليس فقط استخدامها،في هذا المجال، تصبح مهمة ضابط الاركان التأكد من عدة أمور حساسة مثل: صحة البيانات، فهم نموذج الذكاء الإصطناعي للبيئة الخاصة بالعملية، التأكد من عدم وجود إنحياز ما بسبب عوامل غير مرئية، التأكد من عدم كشف الخصم للنموذج المعتمد وعدم وجود ثغرات أمنية في البرنامج….، وهنا تصبح الخبرة والمعرفة التقنية والقدرة على فهم طريقة عمل الخوارزميات جزءًا مطلوباً من الكفاءة العسكرية لضابط الاركان، إلى جانب الخبرة العملياتية التقليدية.
أطلق الجيش الأميركي أولى المؤشرات العملية على إعادة تشكيل هيئة الأركان، وترجمة هذه الأفكار إلى تعديلات تنظيمية، وفي أيار 2025 بدأ بمرحلة ما سماه تحول الجيش مبادرة، وهي مبادرة دمج الذكاء الاصطناعي في صلب منظومات القيادة والسيطرة لتسريع عملية اتخاذ القرار، إلى جانب تقليص حجم البيروقراطية العسكرية، ونتج عن ذلك إلغاء نحو ألف وظيفة في البنتاغون، مع إعادة تنظيم عدد من القيادات ودمج Army Futures Command مع Training and Doctrine Command ، وفي الوقت نفسه، حدد الجيش الأميركي هدفه باستكمال تمكين القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على مستويات مسرح العمليات والفيلق والفرقة بحلول عام 2027.
لا تعني هذه الخطوة أن الولايات المتحدة قررت إلغاء هيئة الأركان، بل تقليل المهام والمستويات التي لم تعد مطلوبة، وزيادة الاعتماد على شبكات البيانات والذكاء الاصطناعي، وإعادة توجيه الموارد البشرية نحو الوحدات القتالية والوظائف ذات القيمة الأعلى. وفي كانون الأول 2025 أعاد الجيش الأميركي ترتيب منظومة Command, Control, Communications and Network، بحيث أصبحت أكثر ارتباطًا بمنظومة Next Generation Command and Control – NGC2، مع الانتقال من مكاتب وبرامج منفصلة إلى مستوى قدرات أكثر تكاملًا؛ كما أنشأمركز تكامل الذكاء الاصطناعي لتسريع إدخال حلول الذكاء الاصطناعي إلى العمليات وتطوير اختصاصات مثل علم وهندسة البيانات وتكنولوجيا السحابة، ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد وظيفة تقنية هامشية، بل أصبح جزءًا من البنية التنظيمية للقيادة العسكرية.
من المتوقع أن تكون هيئة الأركان المستقبلية أصغر حجمًا، ولكن أكثر تخصصاً، فالوظائف التقليدية القابلة للإستبدال بالذكاء الإصطناعي، مثل إدارة الموارد البشرية (الركن الأول) واللوجستية (الركن الرابع)، قد تتراجع الحاجة إلى بعض وظائفهما التقليدية أو يعاد دمجها، ولكن سيظهر مكانها إختصاصات أخرى أكثر اهمية، ومن المتوقع أن تضم هيئة الأركان المستقبلية مزيجًا من ضباط عمليات وتخطيط، أي تقليدياً الركن الثالث، ضباط استخبارات أي تقليدياً الركن الثاني، ضباط خبراء في البيانات والذكاء الإصطناعي، ضباط خبراء في الشبكات والحرب السيبرانية، متخصصين في الأنظمة الذاتية والروبوتية، خبراء حرب إلكترونية، خبراء قانونيين، …ألخ. بشكلٍ عام، سيحتاج ضابط الأركان إلى مزيج من الثقافة العسكرية والتكنولوجية والقدرة على إدخال وتحليل البيانات، وهذا يتوافق مع استراتيجية حلف الناتو للذكاء الاصطناعي، التي تشير إلى الحاجة إلى إعادة تدريب العاملين، وتغيير الأدوار الوظيفية، وإدخال الخبراء التقنيين بصورة أعمق في العمليات العسكرية.
تَطرح عملية تطوير هيئات الأركان والتعديل على تنظيمها إشكالية متعلقة بالعلاقة بين الإنسان والذكاء الإصطناعي، والفوارق الكبيرة في قدرات العمل والإنتاج، حينها يصبح الإنسان هو العامل الأبطأ والأضعف والثغرة الأكثر حراجة، ولكن مع ذلك لا يمكن الإستغناء عن دوره في دورة القرار العسكري في المستويات العليا وحتى المستويات الدنيا؛ وإذا أصبح الذكاء الإصطناعيقادرًا على إنتاج عشرات البدائل خلال ثوانٍ، بينما يحتاج القائد إلى دقائق أو ساعات لاستيعابها، فقد يصبح الإنسان هو أبطأ عنصر في دورة القرار، وإذا حاول الجيش حل هذه المشكلة بإعطاء الآلة استقلالية أكبر، فقد تظهر مشكلة معاكسة بأن يتحول القائد من صانع قرار إلى مجرد مصادق على توصيات الذكاء الإصطناعي، وحل هذه الإشكالية يستوجب إدخال خبراء ومهندسين تقنيين عاليي الكفاءة في هيئات الاركان، وإعطاء أهمية قصوى للتعليم والتدريب على فريق الإنسان والآلة ، حيث تشير الأدبيات العسكرية الأميركية الحديثة إلى ما يسمى “فجوة السرعة” بين سرعة جمع المعلومات والقدرة على تحويلها إلى فعل، مع الحاجة إلى إعادة تصميم العقيدة والتنظيم والتدريب للتعامل مع الأنظمة الذاتية مع الحفاظ على الإشراف البشري المناسب.
ماذا بالنسبة لهيئات أركان الجيوش العربية؟ تختلف طبيعة التنظيم والقدرات عند الجيوش العربية وفقاً لمدارسها العسكرية، وعقيداتها القتالية، وقدراتها وخبراتها العسكرية والمادية، لذلك قد نرى هناك إختلافاً كبيراً في التوجهات التطويرية للتنظيم في الوحدات وهيئات الأركان القيادية، وعلى الرغم من قدرات بعض الجيوش العربية الهائلة، إلا أن إتخاذ المبادرة في أي تطوير أو تعديل جذري في هيئات الأركان لا زال متأخراً، على الرغم من إدخال بعض التعديلات الهامة لا سيما في مجال التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي على مستوى أجهزة القيادة.
تواجه الجيوش العربية عدة تحديات في تطوير هيئات الأركان، أبرزها أولاً تغيير الثقافة القيادية وصعوبة الانتقال من الهيكل الهرمي التقليدي إلى هيكل أكثر مرونة وسرعة في اتخاذ القرار، قادر على العمل في بيئة عمليات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي؛ ثانياً نقص الخبرات والضباط المتخصصين في الذكاء الإصطناعي وتحليل البيانات؛ وثالثاً والأهم، صعوبة الحصول على البرامج والقدرات التقنية والذكاء الإصطناعي العسكري الذي يخدم هيئات الأركان الحديثة، حيث أن دمج هذه القدرات بهيئات الأركان وأجهزة القيادة، يتم عن طريق إستيرادها من شركات أجنبية، وذلك يخلق ثغرات في سرية العمل وإتخاذ القرارات، إضافةً إلى أن هذه البرامج والتقنيات قد تكون مرتبطة بقيادات عسكرية أجنبية، وأجهزة مخابرات تستوجب التنسيق معها ضمن بروتوكولات محددة، وذلك يخلق تقييدات وتحديدات وفرض شروط معينة، مثل إلزامية نقل المعلومات وتبادلها مع هذه الجهات، وهذا يتنافى مع الخصوصية العسكرية ومبدأ سيادة الدولة على أدواتها وقدراتها العسكرية.
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0);
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
المصدر الأصلي:
defensearabia.com
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-30 15:09:00
كاتب المصدر:
Sami Orfali
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.
هيئات الأركان في عصر الذكاء الاصطناعي نحو التطوير أم الإلغاء
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
بتوقيت بيروت_ beiruttime هيئات الأركان في عصر الذكاء الاصطناعي نحو التطوير أم
كانت هذه تفاصيل هيئات الأركان في عصر الذكاء الاصطناعي: نحو التطوير أم الإلغاء؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

