- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية مصر والصين .. شراكة تتجاوز الاقتصاد

اخبار عربية
جريده المساء قبل 2 ساعة و 21 دقيقة

اليكم الان مصر والصين .. شراكة تتجاوز الاقتصاد والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء:

بقلم: محمد غزال (كاتب، وباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)

»» من الاستثمار إلى الجغرافيا السياسية .. كيف تتحول القاهرة إلى نقطة ارتكاز في الحسابات الصينية؟

لم تعد العلاقات المصرية الصينية تُقرأ باعتبارها مجرد علاقات اقتصادية بين دولة عربية كبرى وقوة آسيوية صاعدة، كما لم تعد الاستثمارات الصينية في مصر مجرد مشروعات تبحث عن أسواق جديدة أو مواقع منخفضة التكلفة للإنتاج. فخلال السنوات الأخيرة، أخذت هذه العلاقة تتشكل داخل سياق دولي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه التجارة مع الأمن، والاستثمار مع الجغرافيا السياسية، والموانئ وسلاسل الإمداد مع حسابات النفوذ وموازين القوى.

وفي هذا السياق، تكتسب أي زيارة رفيعة المستوى بين القاهرة وبكين أهمية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي؛ لأنها تأتي في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي، وتتسع فيها المنافسة بين القوى الكبرى على الممرات التجارية ومصادر الطاقة والأسواق ومواقع الإنتاج ومناطق النفوذ.

وتطرح التطورات المتلاحقة سؤالًا أكبر من مجرد حجم الاستثمارات أو قيمة الصفقات: هل تتحول مصر تدريجيًا إلى إحدى أهم نقاط الارتكاز الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا، أم أن القاهرة تستخدم الانفتاح على الصين ضمن استراتيجية أوسع للحفاظ على استقلالية قرارها وتوازن علاقاتها مع مختلف القوى الدولية؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع أن المسألة ليست اختيارًا بين الصين والولايات المتحدة أو بين الشرق والغرب، وإنما محاولة مصر بناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة تجعلها قادرة على المناورة داخل نظام دولي متعدد الأقطاب.

_شراكة تتجاوز منطق “الصديق والحليف”_

على مدار عقود، أثبتت السياسة الدولية أن العلاقات بين الدول لا تقوم فقط على العواطف أو الشعارات، وإنما على المصالح المتبادلة وقدرة كل طرف على تقديم قيمة استراتيجية للآخر.

وهنا تحديدًا تبرز أهمية مصر بالنسبة للصين.

فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا عند نقطة التقاء آسيا بأفريقيا وأوروبا، وتشرف على قناة السويس والبحرين الأحمر والمتوسط، وتمتلك سوقًا محلية ضخمة، وقوة بشرية واسعة، وبنية أساسية شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، فضلًا عن موقعها السياسي والعسكري داخل الإقليم.

وفي المقابل، تمثل الصين واحدة من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية والتجارية في العالم، وتمتلك قدرات ضخمة في التمويل والتصنيع ونقل التكنولوجيا والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

ومن ثم، فإن العلاقة بين الطرفين تحمل عناصر تكامل واضحة: موقع جغرافي واستقرار سياسي وسوق إقليمية من جانب، وقدرة صناعية وتمويلية وتكنولوجية من الجانب الآخر.

وهذه المعادلة هي التي تفسر جانبًا مهمًا من الحضور الصيني المتزايد في مصر.

_المنطقة الاقتصادية لقناة السويس .. قلب المعادلة_

ربما يكون الاستثمار الصناعي الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدًا من أهم المؤشرات على طبيعة التحول في العلاقات بين البلدين.

فالشركات الصينية لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية فقط، وإنما باعتبارها منصة إنتاج وتصدير يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وهنا تتغير الحسابات الاقتصادية جذريًا.

فبدلًا من تصنيع المنتج في الصين ثم شحنه آلاف الكيلومترات إلى الأسواق المستهدفة، يصبح من الممكن إقامة جزء من سلسلة الإنتاج داخل مصر، والاستفادة من الموقع الجغرافي وقرب الموانئ وممرات التجارة واتفاقيات التجارة التي تتيح الوصول إلى عدد من الأسواق.

وبذلك تصبح مصر جزءًا من استراتيجية إعادة توزيع سلاسل الإمداد العالمية.

وهذا الأمر اكتسب أهمية أكبر بعد الأزمات التي ضربت حركة التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.

لقد أدركت الشركات العالمية أن الاعتماد المفرط على مركز إنتاج واحد أو طريق تجاري واحد يمثل مخاطرة استراتيجية، ولذلك بدأت عملية واسعة لإعادة توزيع الإنتاج وسلاسل الإمداد.

وفي هذا السياق، تملك مصر ميزة لا يمكن تجاهلها.

_”الصين الصناعية” في مصر_

الحضور الصيني في مصر لا يقتصر على مصنع أو مشروع منفرد، وإنما يتوزع على قطاعات مختلفة، من الصناعات الهندسية ومواد البناء والطاقة إلى الاتصالات والمنسوجات والأجهزة والمركبات والتكنولوجيا.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة.

فالاستثمار الصناعي طويل الأجل يختلف تمامًا عن تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل. المصنع الذي يعمل لعشرات السنوات، والميناء الذي يخدم حركة التجارة، ومركز الخدمات اللوجستية، وشبكة الموردين المحليين، كلها تخلق مصالح متشابكة يصعب فصلها بقرار سياسي عابر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم فكرة أن الاستثمار قد يتحول إلى أحد أدوات الأمن الاقتصادي والسياسي في آن واحد.

فكلما اتسعت المصالح الاقتصادية الصينية في مصر، أصبح استقرار البيئة التي تحتضن تلك المصالح أكثر أهمية بالنسبة إلى بكين.

لكن ينبغي هنا التمييز بين “ارتباط المصالح” وبين القول إن الصين أصبحت مسؤولة عن حماية الاستقرار المصري أو أن أمن مصر أصبح رسميًا جزءًا من الأمن القومي الصيني؛ فهذه استنتاجات سياسية تحتاج إلى أدلة وتصريحات رسمية محددة، وليست حقائق يمكن إطلاقها دون تحفظ.

الأدق أن نقول إن اتساع المصالح الصينية في مصر يرفع القيمة الاستراتيجية للاستقرار المصري بالنسبة إلى الصين.

_الطاقة .. الوجه الآخر للشراكة_

الصناعة لا تعمل دون طاقة، ولذلك فإن التوسع الصناعي الصيني في مصر يرتبط بالضرورة بملف الطاقة.

وهنا تظهر الاستثمارات الصينية في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، ومكونات الطاقة الشمسية، وحلول التخزين، وغيرها من المجالات التي تتسق مع التحول العالمي نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر تقليدية بعينها.

كما أن التوسع الصناعي يحتاج إلى المياه، وهو ما يفسر أهمية مشروعات تحلية المياه وإدارة الموارد المائية في المناطق الصناعية والساحلية.

وهذا يعني أن العلاقة الاقتصادية لم تعد محصورة في “شركة تبني مصنعًا”، وإنما أصبحت أقرب إلى منظومة متكاملة تشمل الطاقة والمياه والنقل والتكنولوجيا والتصنيع والخدمات اللوجستية.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية مفهوم سلاسل القيمة.

فالدولة التي تستضيف المصنع لا تستفيد فقط من قيمة المصنع ذاته، بل يمكنها أن تستفيد من الصناعات المغذية، وفرص العمل، والتدريب، والخدمات اللوجستية، ونقل المعرفة، وزيادة الصادرات.

لكن تحقيق هذه الفوائد ليس تلقائيًا؛ إذ يحتاج إلى سياسات واضحة لزيادة المكون المحلي، وربط الشركات الأجنبية بالموردين المصريين، ونقل التكنولوجيا، وتطوير العمالة، وضمان ألا تتحول مصر إلى مجرد موقع للتجميع منخفض القيمة.

_مصر لا تريد استبدال واشنطن ببكين_

أحد أهم المفاتيح لفهم السياسة الخارجية المصرية هو أن القاهرة، تاريخيًا، حاولت تجنب وضع نفسها داخل محور دولي مغلق.

وهذا المنطق يبدو أكثر وضوحًا في عالم اليوم.

فمصر تربطها علاقات استراتيجية بالولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها مع الصين وروسيا وكوريا ودول آسيوية وأفريقية وعربية مختلفة.

هذه السياسة لا تعني بالضرورة غياب الخلافات أو التنافس، وإنما تعني أن القاهرة تحاول توسيع مساحة الحركة أمامها.

ومن هنا يصبح من الخطأ تفسير التقارب المصري الصيني باعتباره إعلانًا عن انتقال مصر من المعسكر الغربي إلى المعسكر الشرقي.

الأقرب إلى الواقع أن مصر تسعى إلى تنويع الشراكات دون التخلي عن الشراكات القائمة.

وهذا الفارق بالغ الأهمية.

فالدولة التي تستبدل تبعية بتبعية لا تكون قد حققت استقلالًا استراتيجيًا، بينما الدولة التي تمتلك علاقات متعددة مع قوى متنافسة تستطيع، نظريًا، زيادة قدرتها على المناورة والتفاوض.

_من قناة السويس إلى البحر الأحمر .. الاقتصاد يلتقي بالأمن_

الموقع المصري لا يكتسب أهميته من قناة السويس وحدها.

فالبحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما يشكل شرق المتوسط نقطة التقاء لمصالح الطاقة والتجارة والأمن الأوروبي والمتوسطي.

ولهذا فإن أي تطور في العلاقة المصرية الصينية لا يمكن فصله عن الجغرافيا البحرية التي تحيط بمصر.

لكن التعامل مع التعاون العسكري بين البلدين يحتاج إلى قدر كبير من الدقة.

فالتعاون العسكري والتدريبات المشتركة والتواصل الدفاعي لا يعنيان بالضرورة وجود تحالف عسكري كامل، كما أن أي مناورة مشتركة لا تعني تلقائيًا تأسيس منظومة ردع ثنائية ضد طرف ثالث.

ومع ذلك، فإن ارتفاع مستوى التعاون الدفاعي يظل مؤشرًا مهمًا على اتساع الثقة الاستراتيجية بين الدولتين.

والأهم بالنسبة إلى القاهرة أن هذا التعاون يمكن أن يتم ضمن سياسة تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا العسكرية، بدل الاعتماد على مصدر واحد.

_الصين والقوة العسكرية الجديدة_

الصين اليوم ليست الصين التي عرفها العالم في العقود الأولى بعد تأسيس الجمهورية الشعبية.

فقد تحولت خلال العقود الماضية إلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، واستثمرت بكثافة في تحديث قواتها المسلحة، وفي الصناعات البحرية والجوية والصاروخية والإلكترونية والفضائية.

لكن من الضروري التعامل بحذر مع بعض التوصيفات التي تذهب إلى أن السلاح الصيني “هزم السلاح الأمريكي” في حروب بعينها؛ لأن مثل هذه الأحكام تحتاج إلى تحليل عسكري تفصيلي، ولا يمكن اختزال نتائج الحروب المعاصرة في جنسية السلاح وحدها.

فالحروب الحديثة تحسمها منظومات متكاملة تشمل التدريب والاستخبارات والاستطلاع والقيادة والسيطرة واللوجستيات والحرب الإلكترونية والقدرات الصناعية.

ومع ذلك، فإن الصعود العسكري الصيني حقيقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

وهو صعود يغير الحسابات الأمريكية في آسيا، ويؤثر بصورة غير مباشرة في الشرق الأوسط وأفريقيا، لأن المنافسة بين القوى الكبرى لم تعد محصورة في حدود جغرافية محددة.

_لماذا تحتاج الصين إلى الشرق الأوسط؟_

الصين تدرك أن مستقبلها الاقتصادي مرتبط بدرجة كبيرة باستمرار تدفق التجارة والطاقة عبر طرق دولية مفتوحة.

ومن ثم فإن الشرق الأوسط بالنسبة إلى بكين ليس مجرد منطقة نفط، وإنما عقدة جغرافية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

كما أن استقرار المنطقة يمثل مصلحة اقتصادية مباشرة للصين.

لكن الصين، في المقابل، لا تتحرك بالطريقة نفسها التي تحركت بها القوى الاستعمارية التقليدية؛ فهي تميل إلى توسيع حضورها الاقتصادي والتجاري والاستثماري، مع محاولة الحفاظ على مساحة سياسية تسمح لها بالتعامل مع أطراف متعارضة.

وهنا تظهر مصر بوصفها شريكًا مختلفًا.

فالقاهرة تمتلك علاقات مع قوى متنافسة، وتاريخًا طويلًا من التعامل مع الملفات الإقليمية، وقوة عسكرية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يجعلها مركزًا لا يمكن تجاوزه بسهولة.

_لماذا تمثل مصر حالة مختلفة للصين؟_

هناك دول عربية تمتلك فوائض مالية هائلة، ودول أخرى تمتلك موارد طبيعية ضخمة، ودول ثالثة تمتلك مواقع استراتيجية.

لكن مصر تجمع عدة عناصر في وقت واحد: السوق، والقوة البشرية، والموقع، والقناة، والموانئ، والجيش، والثقل السياسي، والامتداد الأفريقي والعربي.

وهذه التركيبة تمنح القاهرة وزنًا خاصًا.

كما أن مصر تمثل للصين بوابة إلى أفريقيا، وهي قارة يتوقع أن تشهد نموًا كبيرًا في الطلب على البنية التحتية والطاقة والتصنيع خلال العقود المقبلة.

وبالنسبة إلى الشركات الصينية، فإن وجودها في مصر يمكن أن يوفر منصة أقرب إلى الأسواق الأفريقية مقارنة بالتصنيع المباشر من شرق آسيا.

وهنا تلتقي “مبادرة الحزام والطريق” مع الموقع المصري بصورة واضحة.

_الاستقرار السياسي كجزء من المعادلة الاقتصادية_

من أبرز التحولات التي شهدتها السياسة الاقتصادية المصرية خلال السنوات الماضية السعي إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وربطها بمشروعات طويلة الأجل في البنية الأساسية والصناعة والطاقة والنقل.

والفكرة الاستراتيجية وراء ذلك واضحة:

كلما زادت الاستثمارات طويلة الأجل، أصبح المستثمر نفسه صاحب مصلحة في استقرار البيئة التي يعمل فيها.

وهذا لا يعني أن المستثمر الأجنبي سيقف تلقائيًا إلى جانب الدولة في كل أزمة سياسية، لكنه يعني أن مصالحه الاقتصادية تصبح مرتبطة باستمرارية الدولة ومؤسساتها والبنية التحتية التي استثمر فيها.

ومن هنا يمكن فهم التحول من الاعتماد على تدفقات مالية سريعة إلى محاولة بناء أصول إنتاجية مستقرة.

فالاستثمار الصناعي لا ينسحب بضغطة زر مثل بعض الأموال الساخنة.

لكن المعادلة لها وجه آخر، ورغم كل هذه المزايا، فإن التوسع في الشراكة الصينية لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر جديد للاعتماد المفرط.

فالاستقلال الاستراتيجي الحقيقي لا يتحقق باستبدال اعتماد بدولة باعتماد على دولة أخرى.

كما أن الاستثمار الأجنبي، مهما كان حجمه، لا يصبح مكسبًا كاملًا إلا إذا أدى إلى رفع الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير العمالة، وتحسين القدرة التنافسية للشركات الوطنية.

ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس: كم استثمرت الصين في مصر؟

بل:كم قيمة مضافة بقيت داخل الاقتصاد المصري؟ وكم فرصة عمل نوعية نتجت عن هذه الاستثمارات؟ وكم تكنولوجيا انتقلت إلى الشركات المصرية؟ وكم منتجًا مصريًا أصبح قادرًا على المنافسة عالميًا؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم تقييم الشراكة.

_اتفاقات ضخمة أم شراكة طويلة الأجل؟_

الحديث عن صفقات أو استثمارات تصل إلى عشرات أو مئات المليارات من الدولارات يثير اهتمامًا واسعًا، لكنه يحتاج إلى التفريق بين الاتفاقيات المبدئية، ومذكرات التفاهم، والعقود الموقعة، والاستثمارات التي دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ.

فالأرقام الكبيرة لا تصبح حقيقة اقتصادية كاملة إلا عندما تتحول إلى مصانع وموانئ وشبكات نقل وطاقة وإنتاج وصادرات.

ولهذا فإن تقييم أي “اتفاق القرن” أو صفقة استراتيجية يجب ألا يتوقف عند الرقم المعلن، وإنما يجب أن يبحث في طبيعة التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، ونسبة المكون المحلي، والعائد على الاقتصاد، وآليات فض المنازعات، ونقل التكنولوجيا، والتزامات الأطراف.

وهنا تتحول الصحافة الاقتصادية من مجرد نقل رقم إلى ممارسة دور رقابي وتحليلي حقيقي.

_مصر في عالم متعدد الأقطاب_

في النهاية، فإن أهمية العلاقات المصرية الصينية لا تكمن فقط في عدد المصانع أو حجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات.

الأهمية الأكبر تكمن في التحول الذي يشهده النظام الدولي نفسه.

العالم الذي كانت تهيمن عليه قوة واحدة بصورة شبه مطلقة أصبح أكثر تعقيدًا. الصين صعدت اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، وروسيا استعادت جانبًا من حضورها الجيوسياسي، والهند تتقدم اقتصاديًا واستراتيجيًا، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها القيادي.

وفي هذا العالم، تصبح الدول المتوسطة والكبيرة إقليميًا أكثر قدرة على المناورة إذا امتلكت موقعًا استراتيجيًا واقتصادًا قابلًا للتطوير وعلاقات متنوعة.

ومصر تمتلك بالفعل عناصر مهمة من هذه المعادلة.

لكن تحويل هذه العناصر إلى قوة مستدامة يتطلب الحفاظ على التوازن، وعدم تحويل الشراكة مع أي قوة كبرى إلى ارتهان سياسي أو اقتصادي.

*الخلاصة: القاهرة لا تختار معسكرًا .. بل تبني مساحة للحركة*

يمكن قراءة التقارب المصري الصيني من زاويتين متكاملتين.

الأولى اقتصادية، وتتمثل في جذب الاستثمارات والتصنيع والتكنولوجيا وتحويل مصر إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي.

والثانية استراتيجية، وتتمثل في تعزيز موقع مصر داخل نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.

لكن نجاح هذه السياسة يعتمد على قدرة القاهرة على الحفاظ على التوازن بين القوى المختلفة، وتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري، وربط المشروعات الكبرى بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا.

وفي المقابل، فإن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها أكثر من سوق.

إنها موقع جغرافي استثنائي، وبوابة إلى أفريقيا، وعقدة في شبكة التجارة العالمية، وشريك سياسي وعسكري له وزن في الشرق الأوسط.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.

فإذا تحولت الشراكة المصرية الصينية من مجرد اتفاقيات واستثمارات منفردة إلى منظومة متكاملة من الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل واللوجستيات والتجارة والدبلوماسية، فإن تأثيرها لن يتوقف عند حدود العلاقات الثنائية.

قد تصبح هذه الشراكة أحد ملامح إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية للشرق الأوسط.

وفي هذا المشهد، لا تبدو القاهرة راغبة في استبدال حليف بآخر، أو الانتقال من محور إلى محور، بقدر ما تبدو معنية بتوسيع هامش الحركة وبناء شبكة مصالح تجعل موقعها أكثر أهمية في الحسابات الدولية.

وهذه هي القاعدة الأكثر واقعية في السياسة الدولية:

الدول لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما تحميها قوة اقتصادها، وموقعها، ومؤسساتها، وشبكة مصالحها، وقدرتها على إدارة التوازنات دون أن تفقد استقلال قرارها.

ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل العلاقات المصرية الصينية لن يُقاس فقط بما سيُعلن في القمم والبيانات الرسمية، وإنما بما سيظهر على الأرض: مصانع تعمل، وتكنولوجيا تنتقل، وصادرات تنمو، وموانئ تتوسع، وسلاسل إمداد تتشكل، وفرص عمل تتولد، ومصالح مشتركة تجعل الشراكة أكثر عمقًا واستدامة.

عندها فقط يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية حقيقية، لا مجرد “اتفاق كبير”.

ظهرت المقالة مصر والصين .. شراكة تتجاوز الاقتصاد أولاً على جريدة المساء.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل مصر والصين .. شراكة تتجاوز الاقتصاد نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم