اليكم الان كيف ينبغي لتركيا أن تبني هندستها الأمنية الجديدة؟ والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس
ترك برس
تواجه تركيا مرحلة جديدة في صياغة سياستها الأمنية، في ظل تحولات متسارعة تشهدها المنطقة ومحيطها الأوروبي والشرق أوسطي. ويرى الكاتب سلجوق ساري يار أن ثلاثة تطورات متزامنة خلال الأسابيع الأخيرة تكشف عن اتجاه استراتيجي جديد لأنقرة: قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التي عقدت في أنقرة، واتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة المكرمة، إلى جانب الإطار القانوني المتعلق بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني «PKK» وتفكيكه.
وبحسب مقال للكاتب في موقع إندبندنت تركية، فإن هذه التطورات، رغم اختلاف الملفات التي تتناولها، ينبغي قراءتها ضمن إطار واحد؛ إذ تسعى تركيا من جهة إلى تخفيف عبء أمني داخلي استمر أكثر من أربعة عقود، ومن جهة أخرى إلى تعزيز قدرتها على الردع في محيطها الإقليمي، وترسيخ موقعها داخل منظومة الأمن الأوروبية عبر الناتو.
ويرى ساري يار أن التحدي الأساسي أمام أنقرة خلال المرحلة المقبلة لن يكون مجرد زيادة حضورها في مناطق مختلفة، وإنما استخدام قدراتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بصورة أكثر كفاءة، بحيث تحقق نتائج أكبر بتكاليف أقل.
اتفاق مكة.. حلقة جديدة في الأمن الإقليمي
يضع الكاتب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة ضمن هذا التصور الأوسع للهندسة الأمنية التركية الجديدة. ويشير إلى أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في التقارب بين الدول الموقعة عليه، وإنما في انتقال هذا التقارب إلى مستوى الالتزام الدفاعي الجماعي.
ويعتبر ساري يار أن التطورات الأمنية الأخيرة في الخليج والبحر الأحمر دفعت السعودية إلى إعادة النظر في حساباتها الأمنية، خصوصاً في ظل استهداف دول الخليج خلال الحرب مع إيران، وهجمات الحوثيين، والتهديدات التي طالت مضيقي هرمز وباب المندب. ومن هذا المنطلق، يرى أن انضمام تركيا، عقب اتفاق مكة، إلى آلية أمنية دولية لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر يحمل أهمية خاصة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب الكاتب، على البعد العسكري. فاستقرار باب المندب يرتبط مباشرة بالتجارة التي تمر عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط، بينما تؤثر أي أزمة في مضيق هرمز بصورة مباشرة في أسعار الطاقة واقتصادات الخليج. لذلك فإن مساهمة تركيا في أمن البحر الأحمر لا تعني فقط تقديم خدمة أمنية لدولة أخرى، وإنما حماية مصالحها التجارية والطاقة وتكاليفها الاقتصادية.
لكن الكاتب يحذر في المقابل من توسيع الالتزامات التركية بصورة غير محسوبة. فالمشاركة في حماية الملاحة البحرية أو الدفاع عن المجال الجوي السعودي تختلف جذرياً عن الانخراط في حرب مفتوحة وطويلة في اليمن. كما أن أي صراع محتمل بين باكستان والهند لا ينبغي، من وجهة نظره، أن يؤدي تلقائياً إلى اعتبار تركيا ملزمة بالتدخل العسكري.
ويرى ساري يار أن قوة اتفاق مكة ستتوقف إلى حد كبير على وضوح الحدود الجغرافية والسياسية للالتزامات الدفاعية. فالتحديد الدقيق للظروف التي يستوجب فيها تفعيل الدفاع الجماعي لن يضعف الردع، بل سيمنع الأطراف من الدخول في تعهدات لا تستطيع تنفيذها.
ويقترح الكاتب إمكانية توسيع المنظومة تدريجياً لتشمل مصر، ولكن بصورة مرنة، عبر التعاون في أمن الملاحة والصناعات الدفاعية، بدلاً من مطالبتها منذ البداية بالانضمام إلى التزامات دفاع جماعي واسعة. وبذلك، فإن قيمة هذه المنظومة الإقليمية لا تكمن في عدد الدول الموقعة عليها، وإنما في قدرتها على إنتاج آليات عملية للتعاون في مواجهة التهديدات المشتركة.
تركيا والناتو.. من الدور الأمني إلى المكاسب الصناعية
ويرى الكاتب أن التحرك التركي في الخليج والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن موقع أنقرة داخل المنظومة الأمنية الغربية. فقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تقارب أكبر بين الحسابات الأمنية الأوروبية والتركية، بينما أظهرت الحرب مع إيران أن التهديدات في الشرق الأوسط يمكن أن تتحول بسرعة إلى قضية تخص أمن الناتو.
ويشير ساري يار إلى أن اعتراض الدفاعات الجوية التابعة للناتو لصواريخ باليستية قادمة من إيران باتجاه تركيا يمثل مثالاً واضحاً على هذا الترابط. كما أن تناول قمة أنقرة لقضية حرية الملاحة في مضيق هرمز يعكس، في رأيه، اتساع نطاق المصالح الأمنية للحلف إلى ما هو أبعد من حدوده التقليدية.
ويفسر الكاتب أيضاً التغير النسبي في نظرة العواصم الأوروبية إلى تركيا باعتبارات أمنية واقتصادية. فعلى الرغم من استمرار الانتقادات الأوروبية المتعلقة بالديمقراطية وسيادة القانون، أصبحت قضايا الدفاع والأمن أكثر حضوراً في العلاقات مع أنقرة، بالتزامن مع تنامي القدرات الدفاعية التركية وارتفاع صادراتها العسكرية.
غير أن ساري يار يرى أن الفرصة الحقيقية أمام تركيا تتجاوز مجرد بيع الأسلحة إلى أوروبا. فأوروبا تتجه خلال السنوات المقبلة إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، ولذلك ينبغي لأنقرة، بحسب رؤيته، أن تسعى إلى الاندماج بصورة دائمة في سلاسل الإنتاج الدفاعية الأوروبية، والحصول على شراكات في التقنيات التي لا تزال تركيا تعتمد فيها على الخارج.
ويبرز الكاتب هنا قضية الدفاع الجوي والصاروخي باعتبارها مثالاً واضحاً على التحديات التي تواجه تركيا. فإعادة نشر أنظمة باتريوت الأميركية في تركيا خلال الحرب مع إيران كشفت، بحسبه، استمرار الحاجة التركية إلى بعض القدرات الدفاعية الحيوية.
ومن ثم فإن تحويل الثقل السياسي التركي داخل الناتو إلى مكاسب صناعية وتكنولوجية سيكون، في رأيه، أكثر أهمية من تحقيق زيادة مؤقتة في صادرات السلاح. فالمطلوب ليس فقط تصدير المنتجات الدفاعية، وإنما الحصول على التكنولوجيا، والمشاركة في الإنتاج المشترك، وتقليل الاعتماد على الخارج.
الانفتاح على آسيا يعزز الخيارات التركية
يمتد التصور الذي يطرحه الكاتب إلى آسيا أيضاً. فإلى جانب العلاقات العسكرية المتطورة مع باكستان، يشير إلى اتفاقية مقاتلات «KAAN» مع إندونيسيا، فضلاً عن التعاون الدفاعي والتكنولوجي المستمر مع كوريا الجنوبية.
ويرى أن الميزة الاستراتيجية لتركيا تتمثل في قدرتها على التعامل في الوقت نفسه مع منظومات دفاعية مختلفة في أوروبا والخليج وآسيا. لكن الاستفادة الحقيقية من هذا الموقع تتطلب تحويل العلاقات العسكرية إلى إنتاج مشترك ونقل للتكنولوجيا.
وبحسب الكاتب، فإن اتساع شبكة العلاقات الخارجية لا يتحول إلى قوة استراتيجية حقيقية إلا عندما يساعد تركيا على تقليص نقاط ضعفها الصناعية والتكنولوجية. وبالتالي، فإن السياسة الخارجية والصناعة الدفاعية يجب أن تعملا ضمن هدف استراتيجي واحد.
الأمن والاقتصاد.. وجهان لاستراتيجية واحدة
يشدد ساري يار على أن أهمية تركيا الجيوسياسية تنبع من وجودها في نقطة التقاء خطوط الأمن والطاقة والتجارة بين أوروبا وآسيا. فمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والعراق، والبحر الأسود ليست ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من شبكة واحدة من طرق الطاقة والتجارة.
ومن هذا المنظور، يرى الكاتب أن مشروع طريق التنمية يمثل أحد أهم الأمثلة على إمكانية دمج الأمن بالاقتصاد. فربط الخليج بتركيا ثم بأوروبا يمكن أن يوفر مساراً تجارياً جديداً، بينما يمكن لإعادة تشغيل البنية التحتية القائمة، ومنها خطوط النفط بين العراق وتركيا، أن تمنح أنقرة نفوذاً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد.
ويؤكد أن تركيا لا ينبغي أن تدير سياستها الأمنية بمعزل عن مشاريع النقل والطاقة. فالطريق الذي يكون آمناً من الناحية العسكرية، ومستقراً من الناحية السياسية والقانونية، وقابلاً للعمل تجارياً، يمكن أن ينتج نفوذاً أكثر استدامة من عشرات البيانات السياسية.
الوساطة.. أداة قوة تركية يجب الحفاظ عليها
ولا يحصر الكاتب القوة التركية في الأدوات العسكرية والاقتصادية، بل يولي أهمية كبيرة لقدرة أنقرة على الوساطة والتواصل مع أطراف متعارضة.
ويشير في هذا السياق إلى استضافة تركيا للمفاوضات الروسية الأوكرانية، ودورها في ملف وقف إطلاق النار في غزة، واتصالاتها بين واشنطن وطهران خلال الحرب مع إيران، فضلاً عن دورها في التوصل إلى «إعلان أنقرة» بين الصومال وإثيوبيا.
ويرى أن قدرة تركيا على التحدث مع أطراف مختلفة في الوقت نفسه تمثل أصلاً استراتيجياً ينبغي الحفاظ عليه. ولهذا يحذر من أن تتحول اتفاقية مكة أو أي شراكة إقليمية جديدة إلى إطار يُنظر إليه باعتباره موجهاً ضد إيران على أساس طائفي، أو أن تؤدي الالتزامات الجديدة إلى ربط تركيا تلقائياً بكل صراع يخوضه شركاؤها.
إنهاء عبء PKK شرط لاستكمال المنظومة الأمنية
يصل الكاتب في تحليله إلى أن نجاح الانفتاح الخارجي سيبقى محدوداً ما لم تتمكن تركيا من تخفيف عبئها الأمني الداخلي. فملف حزب العمال الكردستاني، بحسب رؤيته، لا يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة داخل الحدود التركية فقط، نظراً لامتداده إلى العراق وسوريا وتأثره بالتطورات في إيران.
ويرى أن إنهاء الوجود المسلح لـPKK داخل تركيا يجب أن يترافق مع سياسة إقليمية أوسع تمنع إعادة إنتاج المشكلة في دول الجوار. وفي العراق، ينبغي لتركيا، وفق هذا التصور، أن تعمل على منع تحول إقليم كردستان إلى مساحة لنشاط التنظيمات المسلحة، مع تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع أربيل والسليمانية.
ويعتبر الكاتب أن تطبيع العلاقات مع الاتحاد الوطني الكردستاني واستئناف الرحلات الجوية إلى السليمانية يندرجان ضمن سياسة أوسع تقوم على نقل العلاقة مع الأطراف الكردية من المجال الأمني والعسكري إلى المجال السياسي والاقتصادي.
سوريا.. معادلة الأمن والحقوق السياسية
أما في سوريا، فيرى ساري يار أن التحدي يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين المصالح الأمنية التركية وحقوق الأكراد السوريين.
فمن جهة، يجب ألا يبقى في الأراضي السورية تنظيم مسلح قادر على تهديد تركيا، ومن جهة أخرى ينبغي ضمان أمن الأكراد السوريين ومشاركتهم السياسية ضمن الدولة السورية. ويرى الكاتب أن تحقيق هذا التوازن يمكن أن يخرج العلاقات التركية مع الأكراد في المنطقة من احتكار الجماعات المسلحة لها.
ويعتبر أن التسوية بين دمشق و«قسد» تمثل خطوة في هذا الاتجاه، لكنها لا تحسم بعد قضايا مهمة، مثل مصير السلاح، وآلية دمج المقاتلين، والسيطرة على المعابر الحدودية مع العراق.
وبحسب رؤية الكاتب، فإن الهدف الاستراتيجي يجب ألا يكون نقل المشكلة المسلحة من دولة إلى أخرى، وإنما تضييق المجال الذي تتحرك فيه التنظيمات المسلحة العابرة للحدود في تركيا والعراق وسوريا وإيران في الوقت نفسه.
من الأمن العسكري إلى الاستقرار الاقتصادي
ويرى ساري يار أن المكسب الاستراتيجي الأكبر لتركيا سيظهر عندما تحل التجارة والتنمية والعلاقات السياسية محل التنظيمات المسلحة كمصدر رئيسي للأمن والنفوذ في المنطقة.
فمشاريع مثل طريق التنمية، وتوسيع التجارة الحدودية، وإنشاء روابط اقتصادية جديدة مع العراق وسوريا، يمكن أن تجعل الاستقرار مع تركيا مصلحة مباشرة للدول والمجتمعات المجاورة. وكلما ارتفعت المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الاستقرار، تراجعت جاذبية التنظيمات المسلحة التي تقوم على توفير الأمن والانتماء خارج مؤسسات الدولة.
وبهذا المعنى، لا يرى الكاتب أن القوة العسكرية وحدها هي التي ستضمن النفوذ التركي على المدى الطويل، بل إن إنشاء بيئة إقليمية تستفيد اقتصادياً وسياسياً من الاستقرار قد يكون أكثر تأثيراً واستدامة.
الخلاصة: هندسة أمنية أقل كلفة وأكثر فاعلية
يخلص الكاتب إلى أن تركيا تدخل مرحلة تتسع فيها مساحة الحركة أمامها، لكن مواردها ليست بلا حدود. ولذلك فإن التحدي ليس في الانخراط في كل تحالف أو صراع أو مبادرة، وإنما في اختيار الالتزامات التي تحقق أكبر فائدة استراتيجية بأقل تكلفة.
وفي تصوره، ينبغي للهندسة الأمنية التركية الجديدة أن تقوم على عدة ركائز مترابطة: تخفيف العبء الأمني الداخلي، وتعزيز الردع في الخليج والبحر الأحمر، وترسيخ موقع تركيا داخل الناتو، وتحويل التعاون الدفاعي إلى مكاسب تكنولوجية وصناعية، وربط الأمن بمشاريع الطاقة والنقل والتجارة، مع الحفاظ على قدرة أنقرة على الوساطة بين الأطراف المتصارعة.
وفي نهاية المطاف، يرى ساري يار أن الحلقة الأخيرة في هذه الهندسة الأمنية تقع داخل تركيا نفسها. فتركيا التي تنجح في إنهاء أكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح وتعزيز روابطها مع مواطنيها ستكون، بحسب رؤيته، أكثر قدرة على التعامل مع العراق وسوريا وإيران من خلال أدوات السياسة والاقتصاد، بدلاً من أن تحدد التنظيمات المسلحة طبيعة هذه العلاقات.
وبذلك، فإن الرؤية التي يطرحها الكاتب تقوم على الانتقال من أمن قائم على مواجهة التهديدات بعد ظهورها إلى منظومة استباقية تجمع الردع والدبلوماسية والاقتصاد والصناعة والتكامل الإقليمي؛ بحيث تصبح تركيا في آن واحد قوة عسكرية أكثر كفاءة، ومركزاً تجارياً واقتصادياً، ووسيطاً قادراً على التواصل مع مختلف الأطراف.
كيف ينبغي لتركيا أن تبني هندستها الأمنية الجديدة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
ترك برس كيف ينبغي لتركيا أن تبني هندستها الأمنية الجديدة
كانت هذه تفاصيل كيف ينبغي لتركيا أن تبني هندستها الأمنية الجديدة؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

