اخبار عربية كابلات الإنترنت البحرية… الجغرافيا الخفية للصراع على البيانات
اليكم الان كابلات الإنترنت البحرية… الجغرافيا الخفية للصراع على البيانات والان إلى التفاصيل من المصدر بتوقيت بيروت_ beiruttime:
لا تنشأ مراكز القوة في التاريخ مصادفة، ولا تتحدد فقط بحجم الجيوش أو الثروات، بل تتشكل أيضًا وفق العلاقة بين المجال الذي تتحرك خلاله الموارد، والتراكم الذي ينتج عن السيطرة على تلك الحركة. فكل تحول في أنماط التراكم يخلق مجالًا استراتيجيًا جديدًا، وتسعى القوى الصاعدة إلى السيطرة على عقده وممراته، لأنها تدرك أن التحكم في تدفقات الثروة لا يقل أهمية عن امتلاكها.
لهذا، ارتبطت القوة على مر العصور بالسيطرة على الطرق البرية والأنهار، ثم أصبحت الموانئ والمضائق البحرية شرايين التجارة العالمية في العصر الحديث، قبل أن يحتل النفط وخطوط الأنابيب موقعًا محوريًا في صراعات القرن العشرين. ومع كل تحول اقتصادي وتقني، لم تتراجع أهمية الجغرافيا، بل أعادت إنتاج نفسها في صورة جديدة.
لكن اليوم، ومع انتقال الاقتصاد العالمي إلى مرحلة تتزايد فيها أهمية البيانات والاقتصاد الرقمي، برزت بنية تحتية جديدة لا تقل أهمية عن الموانئ أو خطوط الطاقة، تتمثل في كابلات الإنترنت البحرية. ورغم الاعتقاد الشائع بأن الإنترنت يعتمد أساسًا على الأقمار الصناعية، فالواقع أن الغالبية العظمى من البيانات العالمية تنتقل عبر شبكة هائلة من كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع البحار، والتي تربط القارات والأسواق ومراكز البيانات في منظومة واحدة. لذلك، سيكون من الخطأ اعتبار هذه الكابلات مجرد وسيلة لنقل المعلومات، لأنها، في الواقع، تعد ممرات استراتيجية لتدفقات البيانات.
إذاً، يمكننا الآن طرح السؤال الأساسي الذي يسعى هذا المقال إلى الإجابة عنه: هل أصبحت كابلات الإنترنت البحرية تمثل الجغرافيا الخفية للصراع على البيانات، وأحد أهم مجالات التنافس في النظام الدولي المعاصر؟
البنية الجغرافية للإنترنت العالمي
على الرغم من أن الإنترنت يوصف غالبًا بأنه “فضاء افتراضي”، فإن بنيته الأساسية تقوم على شبكة مادية معقدة تمتد عبر اليابسة وقاع البحار. وتشكل كابلات الألياف الضوئية البحرية العمود الفقري لهذه الشبكة، إذ تربط القارات عبر مئات المسارات التي تنتهي عند محطات الإنزال، حيث تنتقل البيانات إلى الشبكات البرية ومنها إلى مراكز البيانات التي تستضيف المنصات الرقمية والخدمات السحابية. كما تتولى نقاط تبادل الإنترنت ربط مزودي الخدمة والشبكات المختلفة، بما يسمح بتبادل البيانات بكفاءة وسرعة.
إن أهمية هذه العناصر تكمن في تكاملها ضمن منظومة واحدة؛ فتعطل محطة إنزال رئيسية أو مركز بيانات كبير قد يؤثر في تدفق البيانات عبر مساحات واسعة، حتى وإن ظلت الكابلات نفسها سليمة. لذلك، أصبحت هذه المرافق جزءًا من البنية التحتية الحرجة التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة. ومن ثم، يمكن التأكيد أن الإنترنت ليس فضاءً افتراضيًا منفصلًا عن الجغرافيا، بل هو بنية مادية تعيد إنتاج أهمية الموقع الجغرافي، وتجعل من بعض السواحل والمدن عقدًا استراتيجية في شبكة البيانات العالمية.
وإذا كانت البيانات قد برزت مؤخراً بوصفها موردًا استراتيجيًا مؤثراً جداً في الاقتصاد العالمي. وبالتالي، فقد ظهرت ممرات جديدة تقوم بنقل تدفقات المعلومات التي تنهض عليها الأسواق المالية، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات العالمية. فقد اعتبرت كابلات الإنترنت البحرية ممثلة لمرحلة جديدة في تطور الممرات الاستراتيجية، إذ أصبحت ترتبط بالقدرة على تأمين ممرات البيانات والتحكم في عقدها، باعتبارها أحد الأسس المتزايدة الأهمية للقوة في النظام الدولي المعاصر.
الشرق العربي… عقدة البيانات بين الشرق والغرب
يعكس تمركز كابلات الإنترنت البحرية في الشرق العربي استمرار الدور التاريخي للمنطقة بوصفها نقطة التقاء بين قارات العالم القديم. فالمسارات القادمة من جنوب آسيا وشرقها تعبر المحيط الهندي إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، ثم تتجه عبر قناة السويس وشرق البحر المتوسط نحو أوروبا، وهو ما يجعل الشرق العربي أحد أكثر أقاليم العالم كثافة في حركة البيانات الدولية.
إن أهمية موقع الشرق العربي بين القارات الثلاث تبرز بوضوح في السباق الصيني-الأميركي حول مشروع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحكومي المصري، وهو صراع لا يمكن فهمه بعيدًا عن جغرافية مصر وقدراتها المتنامية في البنية الرقمية. فالمشروع المطروح يطمح لإنشاء بنية حوسبة متكاملة للذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها في الخدمات الحكومية، والتطبيقات العسكرية، والمراقبة وغيرها من الاستخدامات العامة.
وبالفعل، تقدمت شركة Huawei الصينية بعرض يتضمن 1,408 من شرائح Ascend 950 المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى 600 شريحة أخرى لإنشاء مجموعتي استدلال، مع خطة لبناء البنية التحتية خلال عام واحد. وفي المقابل، تحاول واشنطن إعداد عرض مضاد تشارك فيه شركات NVIDIA وAMD وMicrosoft.
إن أهمية المشروع تتمثل بالأساس في الموقع الذي يمكن أن تحتله مصر داخل منظومة الذكاء الاصطناعي الإقليمية؛ فمصر تقع عند نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتعبر أراضيها ومياهها شبكة مهمة من كابلات البيانات، كما تمتلك سوقًا سكانية ضخمة وبنية اتصالات متنامية، بما يؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا لمعالجة البيانات والخدمات الرقمية. ولذلك، فإن الصراع على المشروع هو في جوهره صراع على المجال التكنولوجي الذي ستنتمي إليه مصر، ما بين الصين وأميركا. وبديهي أن الأميركيين يعتبرون خروج مصر من مجالهم التكنولوجي إلى المجال الصيني يمثل هزيمة تاريخية لهم وانتصاراً للصين، كما يمثل تهديداً لبقاء الكيان الصهيوني.
لماذا تتنافس القوى الكبرى على الكابلات؟
نظراً لأهميتها، فإن كابلات الإنترنت البحرية تعد جزءًا من منظومة الأمن القومي والقدرة الاقتصادية للدول. فمع توسع الاقتصاد الرقمي، باتت الأسواق المالية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية، ومنصات الذكاء الاصطناعي تعتمد على تدفق البيانات بسرعة وأمان. ما دفع القوى الكبرى إلى اعتبار شبكات الكابلات كأصول استراتيجية ينبغي حمايتها وتأمينها. فتعطل أحد المسارات الرئيسة، أو تعرضه للتخريب أو الهجمات السيبرانية، قد ينعكس على قطاعات اقتصادية ومالية واسعة، كما أن امتلاك مسارات بديلة يقلل من مخاطر الانقطاع ويزيد من قدرة الدول على الصمود في أوقات الأزمات.
في الوقت نفسه، ترتبط هذه الشبكات بقضايا مراقبة الاتصالات، وأمن البيانات، والسيادة الرقمية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تنويع مسارات الكابلات، وإنشاء شبكات جديدة، والاستثمار في مراكز البيانات والخدمات السحابية، بهدف تقليل الاعتماد على البنى التحتية التي قد تخضع لنفوذ منافسين أو خصوم. لذلك، فإن التنافس على الكابلات يدور بالأساس حول ضمان استمرار تدفقات البيانات التي أصبحت تمثل أحد أهم مقومات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.
الجانب العسكري
إن التنافس على كابلات الإنترنت البحرية امتد إلى أبعاد أكبر ربما تهدد لاحقاً هيمنة الشركات الأميركية الحالية عليها. فقد أصبحت البنية الرقمية جزءًا مباشرًا من سلسلة إنتاج القوة العسكرية. وظهر ذلك في مشروع Maven الأميركي، الذي يعد منظومة تجمع بين عدة عناصر مترابطة: أجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة التي تجمع البيانات، وشبكات الاتصالات التي تنقلها، ومراكز الحوسبة والمنصات الرقمية التي تخزنها وتعالجها، ثم خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تقوم بفرز الصور والإشارات وتحديد الأجسام والأنماط ذات الأهمية، قبل دمج هذه النتائج في صورة عملياتية واحدة تساعد مراكز القيادة على اتخاذ القرار بسرعة.
في نسخته الأحدث، أصبح Maven Smart System منصة لدمج بيانات أجهزة الاستشعار المختلفة في واجهة موحدة، بما يربط الاستطلاع والتحليل والقيادة والتنفيذ داخل دورة عسكرية واحدة. ويذكر CSIS (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) أنه استُخدم للمساعدة في استهداف أكثر من ألف هدف في إيران خلال أول 24 ساعة، ما قد يجبر العديد من الدول على بناء شبكات بياناتها الخاصة بهدف تقليل الاعتماد على البنية الغربية سواء في الكابلات، مراكز البيانات، الشبكات البرية، الأقمار الصناعية، وحتى الخدمات السحابية، الأمر الذي حققته الصين بالفعل وروسيا وإيران وإن بدرجات متفاوتة. وربما لهذا السبب أصبحت شركات مثل Amazon وGoogle وMicrosoft ضمن قائمة التهديدات الإيرانية أثناء الحرب.
الصراع الصيني-الأميركي
إذاً، تبدو أهمية كابلات الإنترنت كجزء من البنية التي تسمح بانتقال كميات هائلة من البيانات بين مصادر الرصد ومراكز المعالجة والقيادة، وهذا قد يفسر أسباب الصراع الصيني-الأميركي حولها. فأميركا تنظر إلى مشاركة الشركات الصينية في بناء الكابلات باعتبارها قضية أمن قومي واحتمالًا للتجسس أو النفوذ داخل البنية التحتية الرقمية العالمية.
وقد أدى ذلك إلى تدخلات مباشرة لإبعاد الشركات الصينية عن بعض المشروعات، وإلى تشديد واشنطن قواعد الترخيص والمعدات المستخدمة في شبكات الكابلات، بما يدفع المشغلين عمليًا نحو الموردين الذين تعتبرهم أميركا “موثوقين”. وفي المقابل، تسعى الصين إلى بناء شبكات ومسارات مرتبطة بمشروعاتها الرقمية العالمية، مستفيدة من شركاتها المتخصصة وشركات الاتصالات الحكومية.
تكشف قضية كابل Pacific Light Cable Network طبيعة هذا الصراع؛ فقد كان من المقرر أن يصل المشروع، الذي شاركت فيه شركات أميركية كبرى، إلى هونغ كونغ، لكن التدخل الأميركي أدى إلى منع تشغيل الجزء المرتبط بها وتحويل التركيز إلى مسارات أخرى مثل تايوان والفلبين. وبالمثل، تحول مشروع Sea-Me-We 6 إلى ساحة صراع بين الموردين الأميركيين والصينيين، وانتهى انتقال عقد بنائه من الشركة الصينية HMN Tech إلى الشركة الأميركية SubCom في سياق ضغوط ومخاوف جيوسياسية.
والأكثر أهمية أن الصراع لم يعد يجري بين الدول وحدها؛ فشركات التكنولوجيا العملاقة أصبحت أطرافًا رئيسية فيه. إذ باتت Google وMeta وMicrosoft وAmazon Web Services تملك أو تستأجر جزءًا كبيرًا من السعة العالمية للكابلات، بينما تتجه بعض هذه الشركات إلى بناء شبكات خاصة بها بدل الاعتماد على البنية المشتركة. لذلك، يمكن القول إن الصراع على الكابلات يحمل أبعاداً ثلاثة: بين الدول، وبين الشركات، وبين التحالفات التي تجمع الطرفين.
ماذا لو قطعت إيران كابلات الإنترنت؟
في نيسان/أبريل الماضي، نقلت وكالة “رويترز” أنباء عن احتمال قيام الجيش الإيراني بقطع كابلات الإنترنت التي تمر عبر الخليج. وبغض النظر عن مدى مصداقية هذا الخبر، فإن التهديد الإيراني، في حالة صحته، لكابلات الإنترنت يكشف عن التحول الأعمق في طبيعة هذا الممر الاستراتيجي؛ الذي أصبح أحد معابر البنية الرقمية التي تربط جنوب آسيا وشرقها بأوروبا.
وتعبر المنطقة كابلات رئيسية مثل AAE-1 وFALCON وشبكات الربط الخليجية، بما يجعل أي هجوم واسع عليها قادرًا على إحداث اضطراب كبير في الاتصالات والخدمات الرقمية الإقليمية لن يتوقف عند حدود دول الخليج. فهذه الدول تستضيف مراكز بيانات ومنصات سحابية واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وجود مراكز إقليمية وعمليات رقمية لعدد كبير من الشركات العالمية. لذلك، فإن انقطاع الكابلات أو تدهور سعتها قد ينعكس على العمليات المالية والخدمات السحابية والتجارة الإلكترونية وإدارة البيانات التي تخدم أسواقًا خارج المنطقة نفسها.
وتزداد خطورة الأزمة إذا طال أمدها وتعذر إرسال سفن الإصلاح بسبب الحرب أو التهديدات الأمنية، لأن المشكلة عندئذ لا تصبح مجرد انقطاع يمكن تجاوزه بإعادة توجيه البيانات، بل تعطيلًا طويلًا لعقدة من عقد الشبكة الدولية تمتلك نحو 17% من تدفقات النطاق العريض العالمية المرتبطة بمسار هرمز، وفق تقديرات نُشرت هذا العام. وبالتالي، يتجاوز الخطر مجرد مسألة إقليمية، خصوصًا إذا تزامن تعطل هرمز مع استمرار هشاشة مسارات البحر الأحمر. ورغم أن القيام بقطع كابلات الإنترنت، يبقى خيارًا متطرفًا، فإن التصعيد الاقتصادي الأخير ضد إيران تبقي احتمالات انتقالها إلى هذا الخيار مطروحة على الطاولة.
إذاً، لقد أصبحت كابلات الإنترنت البحرية أحد ميادين الصراع على القوة والنفوذ. فالدول تتنافس على البيانات التي تعبر هذه الكابلات، وعلى مساراتها ومحطات إنزالها والشركات التي تنشئها وتديرها، وعلى القدرة على حمايتها أو التأثير في تدفقاتها. لذلك، أصبح اختيار مسار الكابل، والدولة التي ينتهي عندها، والجهة التي تتولى بناءه، قرارًا يحمل أبعادًا اقتصادية وأمنية وجيوسياسية تتجاوز الاعتبارات التقنية.
في هذا الصراع، تبدو القوى الكبرى وكأنها تسعى إلى السيطرة على إعادة تشكيل بنية شبكات الإنترنت بما يخدم مواقعها داخل النظام الدولي. فكل مسار جديد يمكن أن يعزز مجالًا، وكل عقدة يمكن أن تمنح نفوذًا، وكل مسار بديل يمكن أن يقلل اعتماد دولة على خصمها. ومن هنا، تتحوّل شبكة الكابلات العالمية إلى خريطة أخرى للصراع الدولي، تتقاطع فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا والتجارة والأمن.
المصدر الأصلي:
lebanoneconomy.net
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-09-03 07:01:00
كاتب المصدر:
hanay shamout
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل كابلات الإنترنت البحرية… الجغرافيا الخفية للصراع على البيانات نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.