اليكم الان د. محمد العزة يكتب ... ادب فكر السلطة العربي السياسي... هوسة المناصب والكراسي. والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24
كتب - د. محمد العزة
قراءة فكرة الوصول إلى الكرسي والمنصب وممارسة السلطة في الوطن العربي في العصر الحديث لم تعد، في كثير من الأحيان، مجرد مسألة تتصل بالكفاءة أو الخبرة أو القدرة على إدارة الشأن العام، و إنما أصبحت نتاجا لثقافة فكر اجتماعي سياسي تراكمت عبر عقود، رسخت في الوعي الجمعي صورة خاصة عن رمزية الكرسي ومفهوم ممارسة صلاحيات السلطة.
ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته "أدب المناصب والسلطة" ، أدب وضع بروتوكول غير منصوص ، لكن متعارف عليه، حيث المنصب يمنح النفوذ والامتيازات و المكاسب ، مما يجعل السعي خلف الكرسي في حد ذاته هدفا سياسيا واجتماعيا لخدمة المصالح الخاصة ، لا غاية لخدمة الدولة والمجتمع.
الباحث في ابجديات قاموس هذا الأدب يستطيع أن يجد فصلا كاملا تحت عنوان افتراضي: "الصمود والتصدي في الخطاب السياسي السلطوي العربي " شعار تفسيره : الصمود على الكرسي، والتصدي لكل محاولة الاقتراب منه، أو مجرد التفكير في المنافسة عليه، وكأن شرف المنصب يكمن في البقاء فيه، لا في حجم الإنجاز الذي يتحقق من خلاله.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمنصب العام، في الأصل، تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا امتياز، مرحلة زمنية يقضيها المكلف في خدمة الدولة ليس ملكية شخصية خاصة للموقع.
ولذلك فإن أي حديث عن تحديث الإدارة العامة لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الثقافة السياسية والاجتماعية المحيطة بالمنصب أسيرة مفهوم "الكرسي" باعتباره مصدرا للنفوذ، بدل أن يكون موقعًا للمسؤولية والمساءلة.
أردنيا ظهرت ابجديات أدب المناصب والسلطة في التعيينات الحكومية والخيارات الأخيرة التي وغيرها من مؤسسات الدولة، وما رافقها من نقاش عام ، فتحت بطبيعتها باب مشروعا للتساؤل حول فلسفة اختيار شاغلي المواقع العامة ومعايير المفاضلة بينهم.
والقضية هنا ليست في الأشخاص، ولا في أعمارهم، ولا في حق أي مواطن في الوصول إلى موقع المسؤولية.
القضية في نظام الاختيار .
فإذا ترسخ لدى المواطن انطباع بأن مجموع نقاط المنافسة لا تحسمه الكفاءة وحدها و الشخصية القيادية ، بينما درجة القرب من دوائر النفوذ أو العلاقات الشخصية أو شبكة المعارف ، هي من ترجح كفة الخيار ، فإن المشكلة تصبح أكبر من قرار تعيين بعينه ، لأنها تمس صورة الدولة في ذهن المواطن، وتؤثر في ثقته بمبدأ تكافؤ الفرص.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة:
الخلاف ليس على العمر، و إنما على هندسة الاختيار.
فالذي تحتاجه الدولة هو هندسة إدارية تقوم على الكفاءة والتنافسية والشفافية وتكافؤ الفرص، لا هندسة شبكية تقوم على النسب و المصاهرة والصداقة و القربى.
وإذا تحول تداول المواقع إلى نوع من إعادة تدوير الأشخاص تحت عناوين حق التوريث داخل الدوائر نفسها، فإننا نكون أمام مشكلة في بناء الكوادر، و في مواجهة أزمة إعداد أجيال جديدة قادرة على تحمل مسؤولية إدارة الدولة مستقبلا .
الدولة الحديثة لا تحتاج إلى احتكار الخبرة داخل مجموعة محدودة، بل تحتاج إلى توسيع قاعدة الكفاءة الوطنية.
الملكية ليست توريثا للمناصب
وهنا تبرز مسألة دستورية وسياسية في غاية الأهمية.
الأردن دولة ملكية دستورية، وقد حصر الدستور صفة وراثة العرش في المؤسسة الملكية، ولم يجعل وراثة المواقع العامة أو المناصب حقا ينتقل بين العائلات أو شبكات المصالح.
وبالتالي فإن تحويل الوظيفة العامة إلى امتداد اجتماعي للعلاقات العائلية أو الشخصية يمثل، من حيث المبدأ، خروجا عن النص لفلسفة ادارة الدولة المؤسسية واحد مصادر أضعاف أركانها .
استحضار كتاب الباحثة والكاتبة الأمريكية سارة تشايس -جامعة جورج تاون الذي صدر حديثا Sarah Chayes، Thieves of State: Why Corruption Threatens Global Security، "لصوص الدولة ، لماذا يشكل الفساد تهديدا على الأمن القومي " يعد مفيدا لفهم أداء إدارة الدولة الحديثة بوصفه أداة لفهم الظاهرة.
الفكرة الأساسية التي تطرحها تشايس تتجاوز صورة الموظف الذي يرتشي أو المسؤول الذي يختلس المال العام.
بل تتجاوزه إلى صوره أكثر تعقيدا، حيث يمكن أن يتحول من سلوك فردي إلى شبكة مصالح تعيد توزيع الموارد والفرص والنفوذ بطريقة تخدم مجموعة محددة.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
ليس فقط: من الفاسد؟
بل:
ما البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد؟
من يملك القرار؟
كيف يتم اختيار شاغلي الوظائف؟
كيف تمنح الامتيازات؟
كيف توزع العقود؟
من يستطيع الوصول إلى المعلومات؟
هل قواعد المنافسة واحدة للجميع؟
هل المساءلة متساوية؟
وهل يستطيع المواطن العادي الوصول إلى الفرصة نفسها التي يصل إليها صاحب شبكة العلاقات؟
هذه الأسئلة تحول النقاش من مطاردة "الفاسد" إلى إصلاح قواعد إنتاج القرار العام.
الفساد المالي و السياسي لا يسرق مال الدولة التي تعاني من البطالة وضغط الدين العام ومحدودية الموارد، والمحسوبية ، بل يسرق امال واحلام اجيال كاملة هي عماد و مستقبل الدولة و مصدر قوتها و مواردها البشرية.
فالمال العام الذي لا يذهب إلى أفضل استخدام اقتصادي واجتماعي لا يخسر المواطن قيمته المالية فقط، وإنما يخسر معه الفرصة البديلة.
كان يمكن أن يصبح مشروعا.
أو فرصة عمل ،أو مدرسة،أو مستشفى أو مصنعا،أو طريقا.
أو استثمارا إنتاجيا.
أو برنامجا لتأهيل الشباب.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الفساد ليس فقط أن يأخذ من خزينة الدولة، بل أن يحرم المجتمع من فرصة تحسين مستوى الحياة المعيشية و ظروفه الاقتصادية وبناء منظومة رفاه اجتماعي متقدمة .
ومن هنا في ظل ممارسة السلطة السياسية فلسفة هذا الأدب يمكن تطوير مفهوم الفساد الوطني ليصبح مفهوما واقعا ، معترف به ، لا مجرد شعار.
فالفساد الوطني لا يعني بالضرورة مجموع عمليات الاختلاس والرشوة، و إنما يمكن أن يشمل كل مظاهر اختلال و قصور الأداء الحكومي وتأخير القرار الذي يمنع الوصول إلى موارد الدولة إلى أفضل استخدام ممكن لخدمة الاقتصاد والمجتمع.
الدولة القوية لا تخشى السؤال ، المواطن لا يطلب دولة بلا أخطاء، فهذا غير موجود في التجارب البشرية.
لكنه يريد دولة الحداثة و العدالة و المساواة و الشراكة و التعددية الديمقراطية .
وأن الكفاءة يمكن أن تصل.
وأن الرقابة لا تتوقف عند حدود الأشخاص.
وأن المسؤولية مرتبطة بالإنجاز.
وأن من يغادر موقعه لا يفقد قيمته، كما أن من يدخل الموقع لا يصبح فوق المساءلة.
وهنا تكمن فلسفة التحديث الإداري الحقيقي.
فالإصلاح لا يبدأ من تغيير الأشخاص فقط، وإنما من تغيير قواعد إنتاج الأشخاص في مواقع المسؤولية.
لا نريد إدارة تقوم على سؤال: من تعرف؟
بل على سؤال: ماذا تستطيع أن تقدم؟
ولا نريد دولة تقيس المسؤول بقوة شبكته الاجتماعية، وإنما بحجم القيمة التي أضافها إلى مؤسسته ووطنه.
إشكالية فكر السلطة السياسي العربي التي يعيشها اليوم ، أن الكرسي أصبح رمزا أحيانا أكبر من الدولة، والمنصب أكبر من المؤسسة، والمسؤول أكبر من الوظيفة التي يشغلها.
وهذه هي "الهلوسة " ، أو " الهوسة " الحقيقية في أدب السلطة.
فالكرسي لا يمنح صاحبه وطنية إضافية، ولا يمنحه حصانة أخلاقية، ولا يجعل رأيه حقيقة مطلقة.
إنه مجرد موقع مؤقت متغير في مسيرة دولة هي ثابت باقية.
والمسؤول الذي يفهم هذه الحقيقة يغادر منصبه تاركاً وراءه مؤسسة أقوى مما كانت عليه.
أما الذي يعتقد أن المؤسسة وجدت من أجله، وأن الموقع حق شخصي له أو لشبكته الاجتماعية، فإنه لا يدير الدولة ، بل يمارس صلاحيات سلطة الدولة بمنطق الكرسي.
وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل عملية تحديث سياسي وإداري:
هل نريد تغيير الأشخاص على الكراسي، أم تغيير الثقافة التي تنظر إلى الكرسي باعتباره غاية؟
فالطريق إلى دولة المؤسسات يبدأ عندما يصبح المنصب وظيفة لخدمة الدولة، لا امتيازًا لإدارة النفوذ.
وعندها فقط يمكن أن يتحول التحديث الإداري من تغيير في الوجوه إلى تغيير في قواعد اللعبة السياسية التي تضع في حساباتها، مصلحة الدولة اولا واخيرا.
اختم بمقولة لفولتير الفيلسوف الفرنسي في توضيح الفرق بين السارق السياسي و العادي:"السارق العادي يسرق محفظتك، ساعتك، وهاتفك.. أما السارق السياسي فيسرق مستقبلك، أحلامك، وعلمك، وصحتك".
.
د محمد العزة يكتب ادب فكر السلطة العربي السياسي هوسة المناصب والكراسي
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جو 24 د محمد العزة يكتب ادب فكر السلطة العربي السياسي
كانت هذه تفاصيل د. محمد العزة يكتب ... ادب فكر السلطة العربي السياسي... هوسة المناصب والكراسي. نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

