اخبار عربية في البَدءِ كان الخَروفُ…
اليكم الان في البَدءِ كان الخَروفُ… والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
ثمة أسئلة تُولَدُ عادية، تمشي على قدمين، وتعرفُ حدودها جيِّدًا؛ وثمة أسئلة أخرى تستيقظُ ذات صباح فتكتشفُ، من فرط ما أُحيطتْ به من خُطب وتصريحات واتهامات، أنها صارت “قضية رأي عام”. ومن بين هذه الأسئلة التي كُتب لها أن ترتقي، من غير مُقدِّمات منطقية واضحة، من حظائر الماشية إلى فضاءات الجدَل السِّياسي، يبرز السُّؤال الميتافيزيقي الكبير: مَنْ أمرَ باسْتيرادِ الخِرْفان؟
الخروفُ الذي هزّ الحملة الانتخابية
سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى إداريًا، وربما تجاريًا، وربما حتى بيطريًا إذا أفْرَطنا في حُسْن النِّية. لكنه، في موسم الحَمْلة، اكتسبَ فجأة مَهابة الأسئلةِ المصيرية: من أين جئنا؟ إلى أين نمضي؟ ومن أعطى الإشارة للخِرْفان كيْ تعبرَ الحُدود؟
هكذا، بدَل أن يسألَ المرشَّح عن المدرسة والمستشفى والشُّغل والضرائب والماء والنقل والأسعار والعدالة الاجتماعية، وجدَ نفسه مدْعوًا إلى أن يحدِّد موقفه من “نظرية الخروف المستورد”: هل كان اجتهادًا إداريًا؟ هل هو قرارٌ تِقني؟ أم أن وراء القَطيع ما وراءه من أسْرار الدَّولة؟
وما إن طُرح السؤال حتى انطلقت المبارزة. مرشّحٌ يُلوِّح به كأنه عثر على الحلقة المفقودة في التاريخ السياسي الحديث، وآخر يعيده إلى خَصْمه بحَماسِ منْ يحملُ وثيقة سِرية، وثالث يلمِّح، ورابع ينفي، وخامس يطالب بالحقيقة كاملة، حتى خُيّل للمُتابع أن البلاد لم تعد أمام حملة انتخابية وإنما أمام لجنة تحقيق في أصول الكبش ومساراته الجيوسياسية.
السرّ السياسي للقطيع
والأطرف أن السُّؤال، لكثرة ما تداوله المتنافسون، لم يعد يحتاج إلى جواب؛ صار كافيًا أن يُقال بنبرة حادَّة، وأن تُرفع معه الحَواجِبُ في اللَّحظة المناسبة، وأن يُترك للصمت بعدها أن يؤدي دوره الدرامي. ففي بعض الحملات لا تكون قُوّة السؤال فيما يكشفُه، وإنما فيما يُوحي بأن وراءه سِرًا هائلًا، حتى لو كان السِّر في النهاية مُجرد فاتورة شراء وشُحنة وصلت إلى الميناء.
هنا تبلغُ المفارقة ذروتها؛ السياسةُ التي يفترض أن تناقش مستقبل الناس تنشغل فجأة بأنْساب الخِرفان، والبرامج التي كان ينبغي أن تتصارع بالأرقام والرُّؤى والمشاريع تتراجع قليلًا كي تُفسح المجال لسُؤالٍ يكادُ يحتاج إلى مَبحثٍ مُستقل في الفلسفة السياسية: منْ صاحبُ الإرادة الأولى التي حرَّكت القطيع؟
الخروف الذي ابتلع البرنامج الانتخابي
ولأن الموسمَ موسمُ انتخابات، فإنَّ كل شيء قابل لأن يصبح حُجَّة، وكل خروف قابل لأن يتحوَّل إلى شاهدٍ، وكل باخرة إلى قَرينة، وكلُّ تصريح إلى مُرافعة. هكذا لا يعود الناخب مطالبًا فقط بأن يميز بين البرامج، ربما عليه أيضًا أن يتقن شيئًا من الاقتصاد الزراعي، وقانون الاستيراد، وسلاسل التَّوْريد، وأن يعرف، قبل أن يضعَ ورقته في الصندوق، التاريخ السِّري لعُبور الأغنام من الميناء إلى السُّوق. ولا عجبَ بعد ذلك أن نسمعَ السُّؤال يتردَّد بين مرشح وعضو حزب ومتحدث وخصم ومناصر، كلُّ واحد يقذفه في وجه الآخر كما لو كان يقول له:
أجِبْني أوّلًا عن الخِرفان، وبعدَها يُمكنُ أن نتحدَّث عن الوَطن.
ربما هنا تكمن أجملُ مفارقات المشهد؛ فحين تعجز السِّياسة عن رفْع النِّقاش إلى مستوى القضايا الكُبرى، فإنها لا تتردَّد في رفع أصغر التّفاصيل إلى مستوى الأسئلة الكبرى.
من المدرسة والمستشفى… إلى الخروف
هكذا، وبينما كانَ المواطنُ ينتظرُ أن يسمعَ من سيُصلِحُ المدرسة، ومن سيخلقُ فرصَ العمل، ومن سيُحسِّن الصّحة والنّقل والمعيشة، وجدَ نفسه أمام سُؤال أكثر سُمُوقًا وأشدَّ غُموضًا وأقربَ إلى ألغاز الوُجود: من أمَر باسْتيرادِ الخِرفان؟
سؤالٌ لو طالَ تداوُله قليلًا، فقَدْ لا يعودُ بحَاجةٍ إلى لجنةٍ برلمانية، وإنَّما سيكون بحاجةٍ إلى سُقراط نَفسِه.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
في البَدءِ كان الخَروفُ… Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل في البَدءِ كان الخَروفُ… نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.