اخبار عربية في رحاب الجامع الأموي بدمشق: "حديث عن مجالس العلماء ورسالة المسجد وسنن النهوض الحضاري.."
اليكم الان في رحاب الجامع الأموي بدمشق: "حديث عن مجالس العلماء ورسالة المسجد وسنن النهوض الحضاري.." والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس:
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 4 سبتمبر 2026م
كان من توفيق الله لي في زيارتي الأخيرة لدمشق أن أتجول في رحاب الجامع الأموي الكبير، وهذا المسجد الذي زرته منذ أكثر من عقدين من الزمن، وكانت أكثر معرفتي به من خلال كتب التاريخ والسير والتراجم، وكتبت عن الدولة الأموية التي شيدته، وقرأت عن العلماء وطلبة العلم الذين جلسوا في أروقته، وعن الكتب التي قُرئت في مجالسه، وعن أجيال من الفقهاء والمحدثين والمفسرين والقُرّاء الذين مروا منه، وتركوا علمهم وأثرهم بين جنباته، غير أن الوقوف في المكان نفسه أعاد إليَّ تلك المعرفة بصورة أقرب إلى النفس وأشد حضوراً في الوجدان؛ فالإنسان حين يقرأ عن عالم عاش قبل ثمانية أو تسعة قرون يتعامل مع اسم وتاريخ وكتاب وسلسلة من الأخبار، وحين يقف في الموضع الذي جلس فيه ذلك العالم، ويرى الزاوية التي ارتبطت به، والمحراب الذي عرفه، والقبة التي انعقدت تحتها مجالس الحديث، يشعر أن التاريخ اقترب منه، وأن الرجال الذين نقرأ أخبارهم كانوا في هذا المكان في يوم ما يصلون ويُعلِّمون ويكتبون ويختلفون ويجتهدون ويصبرون على مشقة العلم، ومن ثم مضوا إلى ربهم، وبقي من أعمالهم ما نفع الله به الناس جيلاً بعد جيل.
وكانت سعادتي بهذه الزيارة أكبر؛ لأن فضيلة الشيخ الدكتور علاء الدين السايق، مدير الشؤون العلمية في الجامع الأموي، جزاه الله خيراً، رافقنا في جولتنا، وقد وجدته عارفاً بتاريخ هذا المسجد، وملتصقاً بكل تفاصيله، وكثير التعلق بالحديث عن رجاله وتاريخه العريق، فكان يمشي معنا قليلاً، ثم يتوقف ويشير إلى موضع، ويقول: هنا كان العالم فلان، وهذه الزاوية ارتبطت بالخليفة فلان، وتحت هذه القبة كانت مجالس الحديث للمحدث فلان، وفي هذه الناحية تدارس طلبة العلم كتاباً من الكتب المشهورة، فكانت الجولة برفقته حديثاً متصلاً عن دمشق وعلمائها وتراجمها ومحدثيها وطلبتها، وكنت أستمع إليه وأستعيد ما قرأته عن هؤلاء الرجال، وأتأمل كيف اجتمعت أسماؤهم، على اختلاف عصورهم ومذاهبهم وعلومهم، في مكان واحد أصبح مع مرور الزمن سجلاً مفتوحاً لتاريخ العلم والفكر والحضارة في أرض الشام المباركة.
الأموي من جامع بناه الوليد بن عبد الملك إلى مدرسة حملت علم الشام قروناً
كان الجامع الأموي الكبير من الإنجازات التاريخية الكبرى في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك رحمه الله، وكان ذلك في مرحلة مثلت فيها دمشق عاصمة لدولة وحضارة واسعة الأرجاء، وكان بناء الجامع واحداً من المشروعات العمرانية الكبرى التي عبرت عن مكانة دمشق، وقوة الدولة وقدرتها على البناء والتنظيم، ومن ثم تعاقبت على دمشق دول كثيرة، وانتهت الدولة الأموية وجاء العباسيون والسلاجقة والأيوبيون والمماليك والعثمانيون، وأصاب المسجد ما أصابه من حرائق وزلازل وإصلاحات وترميمات، ومع كل هذه التحولات بقي الجامع في قلب المدينة يؤدي وظيفته الدينية والعلمية، ويضيف كل عصر إلى ذاكرته رجالاً وأحداثاً وطبقات جديدة من التاريخ حتى صار تاريخ الجامع جزءاً من تاريخ دمشق وهويتها الحضارية والإنسانية.
وكان الدكتور علاء الدين السايق يحدثني أثناء جولتنا عن الوجه العلمي للمسجد، وهذا الجانب يستحق أن يعرفه الناس كما يعرفون جمال عمارته وفسيفسائه ومآذنه، فقد امتلأت أروقته في عصور مختلفة بحلقات القرآن والحديث والفقه والتفسير، وقامت في محيطه المدارس ودور الحديث والمكتبات، وأسهمت الأوقاف في إعانة العلماء والطلاب واستمرار التدريس، حتى أصبح الجامع وما حوله مجالاً علمياً واسعاً يدخل إليه الطالب، فيجد أكثر من شيخ، وأكثر من علم، وينتقل من مجلس إلى مجلس، فيقرأ القرآن على مُقرئ، ويسمع الحديث من محدث، ويأخذ الفقه عن فقيه، ويستفيد من مجالس اللغة والتفسير، وتتشكل شخصيته العلمية من هذه الصحبة المتعددة، ومن هذا الاحتكاك المباشر برجال الدعوة والعلم.
وقد حفظت لنا المصادر أخباراً تدل على كثافة هذه الحياة العلمية، ففي القرن السابع الهجري كان في الجامع عشرات المجالس لقراءة القرآن، ومئات القراء، وعشرات المتصدرين للإقراء، إلى جانب مجالس تعليم الصبيان وحلقات الحديث والفقه، وعندما تسمع هذه الأخبار وأنت واقف في صحن الجامع تستطيع أن تتخيل شيئاً من دمشق في ذلك الزمن؛ أصوات القرآن تأتي من أكثر من ناحية، وشيخ يقرأ عليه طلابه، ومحدث يملي، وفقيه يجيب، وصبيان يتعلمون، وعابر يدخل للصلاة فيجلس بعد صلاته إلى مجلس علم، فكان المسجد جزءاً من حياة الناس اليومية، يجمع العبادة والمعرفة والتربية في مكان واحد.
وهذه الصورة تذكرنا بأن المسجد في التجربة الإسلامية كان قريباً من حياة الإنسان كلها، يبدأ فيه المسلم علاقته بالله بالصلاة والذكر والقرآن، ويجد فيه كذلك العلم والصحبة والتوجيه، ومن هذه البيئة خرج رجال جمعوا بين العبادة والمعرفة والعمل، وصدق الله سبحانه إذ يقول:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11].
معاذ بن جبل والأوزاعي.. جيل الصحابة وتشكل مدرسة الشام العلمية
وعندما وصلنا إلى الموضع المعروف بمحراب الصحابة، توقف الدكتور علاء، وحدثني عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، وكان الانتقال إلى معاذ يُعيد الحديث إلى البدايات الأولى للعلم في بلاد الشام، وذلك قبل المدارس الكبيرة، ودور الحديث والمكتبات والمصنفات التي ظهرت في القرون التالية، فقد بدأت قصة العلم برجال أخذوا القرآن والسنة عن رسول الله ﷺ وحملوهما إلى الناس حيث ذهبوا، وكانوا هم المدرسة الأولى التي تخرج منها من جاء بعدهم.
وكان معاذ واحداً من ألمع شباب الصحابة علماً وفقهاً، فهو جمع القرآن، وعرف بالحلال والحرام، واختاره رسول الله ﷺ لمهمة التعليم والقضاء في اليمن، وبعد وفاة النبي ﷺ كان له حضور في الشام وتعليم أهلها، وعرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه منزلته وقدره، وتوفي معاذ في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة على المشهور، فكان عمره قصيراً، لكن أثره بقي في الفقه والتعليم ورواية الحديث.
وأنا أستمع إلى الدكتور علاء يروي لنا دور معاذ بن جبل، قلت في نفسي: قبل أن يكون في دمشق ابن عساكر والنووي والذهبي وابن تيمية وابن كثير، كان هناك جيل من الصحابة والتابعين يضع البذور الأولى، يعلمون الناس القرآن والسنة والفقه، ويحملون العلم مشافهة من رجل إلى رجل، ومن شيخ إلى تلميذ، ومن هذه البذور الصغيرة نمت مع القرون تلك الحركة العلمية الواسعة التي امتلأت بها دمشق. وبعد ذلك، ظهرت المدارس ودور الحديث والمكتبات والمصنفات الدمشقية، فكان البناء المتأخر امتداداً لذلك الأصل الطيب (الأول) الذي حمله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم معهم إلى الأمصار.
وعند ذكر معاذ حدثني الدكتور علاء عن الحديث الجميل الذي أخذ فيه رسول الله ﷺ بيد معاذ وقال له: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، ومن ثم أوصاه أن يقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، وللحديث معنى آخر لطيف في طريق روايته، فقد أوصى معاذ الصنابحي بهذه الوصية، وأوصى بها الصنابحي أبا عبد الرحمن الحبلي، وأوصى بها أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم، فانتقلت الوصية مع الحديث، وحمل التلميذ عن شيخه الكلمات ومعناها، وهذا يكشف جانباً جميلاً من طبيعة العلم وتواتره ونقله عند المسلمين، فقد كانت بين الشيخ وتلميذه صلة علم وتربية وأمانة، وكان الإسناد طريقاً لحفظ النص وحفظ الرجال الذين حملوه.
وأوقفتني عبارة النبي ﷺ لمعاذ: "والله إني لأحبك"، لأن المحبة النبوية تحولت مباشرة إلى نصيحة تعين المحبوب على طريق الله تبارك وتعالى، وهذه من أصدق صور المحبة في الله، أن تحب أخاك فتدله على ما يُصلح قلبه وآخرته، وأن تعين أبناءك وطلابك ومن حولك على ذكر الله وشكره وحسن عبادته، فالدعوة في أصلها رحمة ونصيحة وإرادة خير للناس.
ومن هذه البدايات الأولى أخذ الدكتور علاء يحدثني عن الإمام الأوزاعي رحمه الله (توفي: 157هـ/ 774م)، والذي كان إمام أهل الشام وفقيههم، الذي انتشر مذهبه في بلاد الشام زمناً طويلاً، وكان له تلاميذ وقضاة وفقهاء، واستمر حضوره حتى أخذت المذاهب الأخرى تتسع، وذكر لي القاضي ابن حذلم، المتوفى سنة 347هـ، في حديثه عن أواخر فقهاء الأوزاعية في دمشق، ومن ثم جاءت عصور اجتمع فيها الشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي، وأصبح الجامع مكاناً لهذا التنوع الفقهي والعلمي الذي عاش داخله العلماء والطلاب، وهم يدركون أن الاختلاف في الاجتهاد لا يلغي أخوة الإسلام ولا حرمة العلم.
في جامع بني أمية درّس النووي وابن عساكر والغزالي ...
واصل الدكتور علاء جولته، ووقف عند موضع وقال: هنا كان الإمام النووي رحمه الله (ت: 676هـ / 1277م)، فتوقفنا، وعاد إلى الذهن ذلك الإمام الذي لم يعش طويلاً، ولكنه ملأ عمره بالعلم حتى بقيت كتبه حاضرة بين المسلمين بعد أكثر من سبعة قرون، مثل كتابه "رياض الصالحين"، والذي يقرأ في المساجد والبيوت، وكتابه "الأذكار"، والذي يصحب الناس في عبادتهم، و"شرح صحيح مسلم" بين أيدي طلاب الحديث، و"المجموع" حاضر في الفقه، وكأن السنوات القليلة التي عاشها اتسعت بالعلم حتى تجاوز أثرها حدود العمر.
وكان النووي شديد الصلة بدمشق وبدار الحديث الأشرفية القريبة من الجامع. وتجلت بركة العلم في تجربة الإمام النووي، والذي عاش نحو أربع وأربعين سنة، غير أن الله بارك في علمه، وهذه من الرسائل التي ينبغي أن يسمعها الشباب؛ فالسؤال الحقيقي ليس كم بقي لنا من العمر، وإنما ماذا نفعل بما بقي، وما هو الأثر النافع الذي يمكن أن نتركه.
وسِرنا قليلاً، فقال الدكتور علاء: وفي هذه الزاوية كان ابن عساكر (ت: 571هـ / 1176م) يكتب في تاريخ دمشق، وأخذ يحدثني عن آل عساكر، وعن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن ابن عساكر صاحب "تاريخ دمشق"، ذلك الكتاب الموسوعي الذي حفظ لنا تراجم العلماء والرواة وأخبار المدينة ومن دخلها أو أقام فيها، حتى أصبح الرجوع إليه ضرورة لمن يريد أن يدرس تاريخ دمشق العلمي والاجتماعي، وقد بقي الكتاب بعد صاحبه شاهداً على قيمة القلم حين يستخدم في حفظ ذاكرة الأمة.
وخلال جولتي مررنا في الزاوية الغزالية، وأشار إليها الدكتور علاء، وحدثني عن إقامة الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله (ت: 505هـ / 1111م) في الجامع الأموي في دمشق في المرحلة التي ترك فيها بغداد، ومكانته العلمية الكبيرة، وأقبل على الخلوة والعبادة ومراجعة نفسه، وهي مرحلة ارتبطت بالمشروع الروحي والتربوي الذي ظهر أثره في "إحياء علوم الدين"، فكان الغزالي يبحث عن إصلاح العلم من الداخل، ويريد أن يعود بالمعرفة إلى مقصدها الأول، وهو أن تهدي الإنسان إلى الله، وتصلح قلبه وسلوكه.
دمشق مركز علمي وحضاري وإنساني
وأخذ الدكتور علاء يقودنا إلى ناحية أخرى من الجامع، وتوقف عند الجهة الشرقية، وحدثني عن الحافظ الخطيب البغدادي، صاحب "تاريخ مدينة السلام"، المعروف بـ "تاريخ بغداد"، وكيف قرأ من كتابه في الجامع بالقرب من باب مئذنة عيسى، فقلت له وأنا أسمع الخبر: ما أجمل هذه الصورة؛ عالم يأتي من بغداد إلى دمشق حاملاً كتاباً عن مدينته، ويجلس حوله طلاب الشام يسمعون منه، وكذلك تجد عالماً من دمشق قد رحل إلى بغداد أو القاهرة أو الحجاز وأخذ عن علمائها، فكانت المعرفة تتحرك بين المدن مع العلماء والطلاب والكتب، وكانت الرحلة في طلب العلم جسراً يصل أجزاء العالم الإسلامي بعضها ببعض.
ومن هذه الرحلات تشكلت شبكة واسعة من العلم، فلم تكن المدن العلمية جزراً منفصلة، وإنما كانت تتبادل الرجال والكتب والخبرات، وتجد العالم الدمشقي قد أخذ عن عراقي ومصري وحجازي، وتجد العالم البغدادي في شيوخه رجالاً من الشام وخراسان وسمرقند، وبذلك أصبح العلم مجالاً واسعاً لا تضيق به حدود مدينة أو إقليم.
وذكر الدكتور علاء الإمام أبا شامة المقدسي، صاحب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، وتحدث عن تدريسه بالقرب من مقام سيدنا يحيى عليه السلام، وكان لذكر أبي شامة عندي معنى خاص، فقد صحبت كتابه كثيراً في دراستي لتجربة نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، ورجعت إلى أخباره وأنا أبحث في المشروع الإصلاحي الذي سبق تحرير القدس، ولذلك كان الوقوف في موضع ارتبط به يعيد الكتاب إلى صاحبه ويعيد الحوادث إلى جغرافيتها.
وإن الوقوف في موضع كان يجلس فيه رجل كتب عن تلك المرحلة يعيد التأكيد على معنى أراه مهماً في دراسة التاريخ؛ فصلاح الدين لم يظهر فجأة يوم حطين، ونور الدين لم يبن مشروعه في يوم، وإنما سبقت النصر سنوات من الإصلاح والعلم والتربية وجمع القوى وبناء المؤسسات وإعداد الإنسان، وهذه من سنن الله التي لا تتبدل، فالثمار الكبيرة تحتاج إلى جذور عميقة وصبر طويل وعمل متراكم لا يراه الناس أحياناً إلا بعد أن تظهر نتائجه.
وحدثني الدكتور علاء كذلك عن المقادسة الذين جاءت أسر منهم من نواحي بيت المقدس واستقرت في دمشق، ومنهم موفق الدين ابن قدامة صاحب "المغني"، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب "عمدة الأحكام"، وغيرهما من العلماء الذين أثروا الحياة العلمية في المدينة، وهذه صفحة أخرى من تاريخ دمشق تعلمنا أن المدينة القوية بعلمها لا تضيق بالعالم القادم إليها، وإنما تفتح له الباب وتستفيد من علمه، فتزداد به قوة إلى قوتها، وتصبح الهجرة العلمية باباً للتجدد والنمو.
تحت قبة النسر.. مجالس الحديث وسلسلة العلم التي لم تنقطع
رفع الدكتور علاء نظره إلى قبة النسر، وأخذ يحدثني عن مجالس الحديث التي عرفها هذا الموضع، وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي عقد مجالس للإملاء في الجامع سنة 836هـ، وعن استمرار التحديث تحت القبة في عصور لاحقة، وكما حدثني عن دار الحديث العروية، أو مشهد ابن عروة، في الجانب الشرقي من صحن الجامع، فكان الحديث عن هذه المواضع يعيد أمامنا صورة المسجد باعتباره مؤسسة علمية لها تقاليدها وأماكنها ورجالها.
ومع الحديث عن هذه المجالس ذكر الإمام شمس الدين الذهبي، وكيف كان له حضور في الجامع في شبابه، وكيف أفسح له شيخه الدمياطي حلقة من حلقاته، فبدأ الشاب طريقه في التعليم قبل أن يصبح الرجل الذي نعرفه من "سير أعلام النبلاء" و"تاريخ الإسلام" و"تذكرة الحفاظ"، وتأملت في هذه القصة معنى تربوياً مهماً؛ فالشيخ الذي يريد لرسالته أن تستمر لا يحتفظ بالمكان لنفسه حتى آخر العمر، وإنما يبحث في طلابه عمن يحمل الأمانة بعده، ويربيه، ويختبره، ويفتح له الطريق حين يراه أهلاً، وبهذه الطريقة يستمر العلم ولا ينقطع بموت الرجال.
وذكر الدكتور علاء الإمام ابن الجزري وما عرف به من إمامة في القراءات وعلوم القرآن، وذكر ابن كثير الدمشقي صاحب "تفسير القرآن العظيم" و"البداية والنهاية"، وصلته بدار الحديث النورية القريبة من الجامع، كما كانت للنووي صلة بدار الحديث الأشرفية، ومع تتابع هذه الأسماء بدأت أرى الجامع وما حوله بصورة واحدة؛ مسجد كبير تحيط به مدارس ودور حديث ومكتبات وأوقاف، وبين الجميع علماء وطلاب، وفي قلب هذه الحركة كلها القرآن الكريم الذي كان أصل العلم ومنطلقه ومصدر هدايته.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء: 9].
من مجلس ابن تيمية في الأموي إلى محنته في قلعة دمشق
جاء في حديث الدكتور علاء اسم شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر مجالسه في التفسير والتعليم في الجامع، وجلوسه للعلم في سن مبكرة، وقد استعدت هذا الحديث عندما زرت قلعة دمشق والمكان المرتبط بسجنه الأخير، فاجتمعت أمامي صورتان لرجل واحد؛ عالم يجلس في الجامع يفسر القرآن ويعلم الناس، وشيخ تنتهي أيامه في السجن سنة 728ه، وبين الجامع والقلعة عمر طويل من التعليم والكتابة والفتوى والاجتهاد والمناظرة والمحنة.
وهذه السيرة تعلمنا أن العالم الذي يعيش قضايا عصره قد يواجه ما لا يواجهه المنعزل عنها، وأن العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ويوافقون ويخالفون، ويبقى الإنصاف معهم واجباً، فلا يرفعهم المحب فوق منزلتهم، ولا يسلبهم المخالف فضلهم وعلمهم، وهذه أيضاً من أخلاق العلم التي نحتاج إلى إحيائها؛ أن نختلف بعدل، وأن نقرأ الرجال في سياق أزمانهم، وأن ننتفع بصوابهم ونناقش خطأهم من غير أن نحول الخلاف العلمي إلى عداوة تمزق الأمة.
من مجالس العلماء إلى دواوين الحكم والعمران
وخلال جولتي في دمشق زرت المكان المرتبط بمحل إقامة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فانتقل التفكير بصورة طبيعية من دور العلماء إلى الدولة، وذلك لأن العلم والحكم اِلتقيا كثيراً في تاريخ دمشق، والدولة تحتاج إلى العلماء والفقهاء وأهل الخبرة، والعلم يحتاج إلى عدل يحفظ حريته ومكانته، والمجتمع يحتاج إلى الاثنين معاً حتى يستقيم أمره ويطمئن الناس إلى مؤسساته. ولم تطل سنوات حكم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ومع ذلك بقي اسمه قروناً مرتبطاً بالعدل والإصلاح ورد المظالم.
وخلال الزيارة، سجلت مع وزارة الأوقاف السورية حواراً عن الدولة الأموية في مكان ارتبط بتاريخ الحكم الأموي وعهد الوليد بن عبد الملك والخلفاء الأمويين الذين تبعوه، وكان للحديث عن هذه الدولة في دمشق معنى خاص، فأنت قرب مكان كانت منه تدار دولة واسعة، وفي الجامع الذي بقي واحداً من أعظم آثار عصرها، ولهذا حرصت في حديثي على النظر إلى الدولة الأموية بميزان التاريخ والعدل، فهي تجربة بشرية كبيرة فيها فتوحات وعمران وإدارة وتعريب وإنجازات حضارية، وفيها صراعات وأخطاء وأزمات، وحدثت فيها فتن ومحن، وتشويه وافتراء وبهتان، ومن حق الأجيال علينا أن نقدم لها التاريخ كما وقع قدر استطاعتنا، وذلك بعيداً عن الخصومات المذهبية والسياسية التي جاءت بعده.
نهاية الجولة في الجامع الأموي ..
انتهت جولتنا، ولكن حديث الدكتور علاء بقي معي، وكنت أستعيد طريقته وهو يشير ببساطة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. وحين كان يشير بقوله: هنا تحدث الإمام النووي، وهذه الزاوية للغزالي، وهنا ابن عساكر، وهناك أبو شامة والخطيب البغدادي، وتحت قبة النسر جلس المحدثون، وفي هذه البيئة عاش الذهبي وابن تيمية وابن الجزري وابن كثير وغيرهم من علماء دمشق والأمة قاطبة، وكل اسم من هذه الأسماء يحمل وراءه مؤلفات وتلاميذ ومرحلة من تاريخ العلم، وآثارهم التي ظلت باقية حتى يومنا هذا.
وعندها ازداد يقيني بأن أعظم ما يمكن أن نقدمه للجامع الأموي أن نحفظ رسالته، وأن يبقى بيتاً من بيوت الله عامراً بالصلاة والقرآن والذكر والدعوة إلى الله، وأن يعود العلم إلى رحابه بقوة، وأن يجد الشاب فيه خطاباً يعرفه بالله ويعلمه دينه ويفتح عقله على الحياة، وأن تكون المساجد جسوراً للرحمة والاجتماع والإصلاح، بعيدة عن التعصب والخصومة التي تستنزف طاقة الأمة وتفرق ما أمر الله أن يجتمع.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
ودمشق وسوريا اليوم بحاجة إلى هذا الإنسان الذي يجمع بين الإيمان والعلم والعمل، لأنها خرجت من سنوات قاسية تركت جراحاً عميقة في الإنسان والعمران، وإعادة بناء الطرق والبيوت والمؤسسات ضرورة لا غنى عنها، غير أن إعادة بناء الإنسان السوري، وتعليمه، وحفظ كرامته، وإعادة ثقته بنفسه ووطنه، وفتح الطريق أمام كفاءاته، هي العمل الذي سيحدد صورة البلاد في العقود القادمة، فالمدن يمكن أن تعمر في سنوات، وأما الإنسان فيحتاج إلى تربية وصبر وعدل وتعليم حتى يستعيد قدرته على البناء.
سعدت كثيراً بصحبة فضيلة الشيخ الدكتور علاء الدين السايق، مدير الشؤون العلمية في الجامع الأموي، وأشكره على حسن استقباله وكرم صحبته هو ومن عاونه هناك، وما أفادنا به من أخبار هذا الجامع وعلمائه وخدمه وتاريخه، وكان حديثه الطيب والبسيط عن المكان سبباً في تذكرنا تاريخ طويل من العلم وحلقات القرآن والدعوة إلى الله.
خرجت من الجامع الأموي، وأنا أدعو الله أن يحفظ دمشق وأهلها، وأن يحفظ سوريا كلها والأمة الإسلامية قاطبة، وأن يبارك في علمائها ودعاتها وشبابها ونسائها ورجالها، وأن يعين أهلها على أمانة البناء، وأن يرزقهم العدل الذي يجمعهم، والعلم الذي يرفعهم، والرحمة التي تؤلف قلوبهم، والحكمة التي تعينهم على تجاوز المحن والابتلاءات والصعاب، وأن تعود مساجد سوريا ومدارسها وجامعاتها منارات للعلم والمعرفة، وأن تعود دمشق كما عرفها تاريخها، أي مدينة تستقبل العلماء، وتهتم بالعلم والمعرفة، ويجتمع في رحابها نور الإيمان مع العلم النافع والعمل الصالح.
والحمد لله رب العالمين.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل في رحاب الجامع الأموي بدمشق: "حديث عن مجالس العلماء ورسالة المسجد وسنن النهوض الحضاري.." نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.