اليكم الان شاعر على الشاطئ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس
من غير العدل، ولا الإنصاف أن أمرّ عليك، بالقرب منك، وأغمض عيني وأمضي، ولا أفتحهما عليك، ولا أقف عندك، ولا أحظى بشرف التعرف إليك، والتبرك ببركة الشِّعر من معين شِعرك.
سيكون من قبيل الظلم، والإجحاف، والخيانة، وكل ما يدور في فلك ذلك، وكل ما لا يدور في فلكه، ألا أتحدث عنك، ومعك، وإليك، وبلسانك، وحتى من وراء ظهرك. أشياءٌ أبيح لنفسي أن أقولها، وأشياءٌ أترك لها مطلق الحرية في أن تقولني.
ثم إن “كاتبة على الشاطئ”، التي تحدثت عنها في مقال سابق، أنتَ تعرف من دون شك، مَن تكون. إنها ببساطة أختك في الكتابة. كان عليكَ أن تصبر وتنتظر، وانتظرت، وها قد حان دورك. يليق بالشاعر أن يجعل المرأة أمامه لا خلفه، حتى في الصف. في نظرته إليها يكمن مشروع قصيدة موعودة. ثم إن لباقته تفرض عليه ذلك. من يستطيع أن يبزّ الشاعر في لباقته؟
أول ما شدّ انتباهي إليك كانت جلستك. إنها تثير الفضول، والأسئلة التي تتولد منها الأسئلة. لماذا تنحيتَ جانبا، وجلستَ على طرفِ الكرسي، طرفه الأيمن تحديدًا، ولم تجلس في وسطه؟
يتبادر إلى الذهب، بحكم الطريقة التي باتت تجري بها الأمور في الوقت الراهن، أن السبب هو شعورك بالزهو والافتخار وحب الظهور، مثل كل الآخرين، واعتقادك أنك إنسان مشهور، يستحق أن يأتي الناس من العالم أجمع، من كل فج عميق فيه، ليجلسوا في ذلك المكان الشاغر، الذي تركته عنوة، إلى جانبك، من أجل التقاط الصور. صورٌ يعتقد أصحابها خطأ، بسبب نرجسيتهم المفرطة، والتي قد لا يعلمون عنها شيئا، أن جميع الأحباب والأصدقاء سيرونها، ويُعجبون بها، ويكتبون عليها تعليقات جميلة. أما الأعداء، وهم كُثر، فستُنشر نكاية فيهم، وتوجه لهم بها ضربة قاضية.
بيد أنني أتساءل مستغربا: أيعقل أن يكون هذا القول صحيحا؟ أليس هذا مجرد إدعاء فظ وغير واقعي؟ من يستطيع أن ينفذ إلى نوايا الشاعر؟ أسألك لأعرف منك، لكنك لا تجيب، ولا تقدم لي أي مساعدة. تصرّ على الصمت، تاركا لي حرية أن أفهم الأمر كما أشاء، وأُأَوّله كما أشاء. أليس الصمت هو كنز الشاعر؟
أنظر إلى وجهك متأملا. يخالجني على الفور شعور عميق بالخجل. أطأطئ رأسي عسى أن تسقط أسئلتي، التي يعوزها الاحترام، سريعا على الأرض، ويبتلعها إسفلت الممشى، أو تختبئ بين الرمال، أو يفتح البحر فاه ويغرقها، فلا ترى لها أثرا. أظنني رأيتك تبتسم ابتسامة مسامحة، وهادئة، وهادفة، وبريئة.
أعرف أنك سليل حضارة الكلمة ولست سليل حضارة الصورة. الصور، كل الصور، حتى أجملها وأروعها على الإطلاق، تُرسم على يديك بالكلمات وليس بكاميرات الهواتف أو ألآلات التصوير، مهما كانت براعتها ودقتها. صورك تتحرك، وليست ساكنة ولا جامدة، فيها نبض حياة، وتصاب بالعمى من غير حروف وكلمات.
أجدني أميلُ إلى التأكيد على أن في جلستك دعوة إلى مملكة الشعر. من يجلس إلى جانبك يدخل تلقائيا إلى مملكتك. لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا يحتاج بالتأكيد إلى دروس في اللغة. للشعر لغته التي تصل إلى الجميع، حتى وإن كانت اللغة أجنبية. يظل الشعر حتى في لغته الأصلية متسترا، ولا يفشي أسرار أبياته تماما. رموزه أوسع من أن تحيط بها الكلمات.
بيد أنه يكفي إلقاءه، مهما كانت اللغة، سيعرف طريقه إلى المتلقي من تلقاء ذاته. لا يحتاج إلى من يريه الطريق، لا يحتاج إلى خريطة. يكفي قوله، وهو سيدبر كل ما تبقى بنفسه، وبالاعتماد على نفسه.
لابد أنك تكون في أسعد لحظات حياتك عندما يجلس أحدهم إلى جانبك، بنفس الطريقة، رجله اليمنى على رجله اليسرى، ويضع يده في يدك، ويتخذ هيئتك، وتصير نظرته شبيهة بنظرتك. لا أكتمك سرا: لا أحد من الجالسين إلى جانبك يشبهك. جلستك جلسة شاعر، لا يمكن أن تُقلد.
أما إن كانت الجالسة أنثى، يدها الناعمة في يدك، فأنت أدرى مني بالمشاعر التي تراودك، وتعمل عملها في مادتك وروحك. أليس لكل واحدة منهن الحق عليك في أن تكتب لها قصيدة خاصة بها؟
بلى! كم من القصائد لا يزال عليك أن تكتب!
أي مشاعر تراود المرأة في حضرة رجل يحترف الشعر؟ رجل يعيش حياة شاعر؟ يتخذ الشعر بيته ومأواه؟ ولا بيت له إلا بيوت قصائده؟ لا شيء في زاده غير القصائد؟ هل يكفيه ذلك كي تتعلق به، وتقبل أن تمضي معه في طريق طويل، وهي تعرف أنه لا يملك زادا آخر؟ هل ترضى أن تتنازل عن كل شيء مقابل كنز من القصائد؟
هل يطرح الشاعر اليوم على نفسه مثل هذه الأسئلة؟ هل يجرؤ على أن يفعل ذلك؟ وهل كان الشعراء قديما يطرحونها على أنفسهم؟ لا تلمني إن وجدتَ أسئلتي تافهة، وبلهاء، وبليدة، ومعتوهة، وغير مناسبة، وفي غير سياقها، ولا معنى لها على الإطلاق.
دع عنك كل هذا، وقل لي: أي حاضر يعيشه الشعر؟ وأي مستقبل ينتظره؟ هل أنت راضٍ على وضعه الحالي؟ هل تظن أنه سيختفي يوما ما؟ هل هناك بديل يمكن أن يحل محله؟ بديل يمكن أن يؤدي دوره؟ قرأتُ أن هيمنة التقنية، والفكر الاقتصادي، والمنطق الكمي، يجعلون النثر يتقدم، ويهيمن، والشعر يتراجع، ويتقلص، وينكمش. هذا يعني أن الجمال في العالم يضمحل، ودائرة الإنسانية تضيق، والخير والسلام ينحسران، وكُوبيد يموت!
جلستكَ الغريبة تدفعني إلى أن أسألك من جديد: أليس من الغريب أن تتغنى بالبحر وتدير له ظهرك؟ لماذا يا ترى تفعل ذلك؟ أَلَيرى الناس وجهك؟ ألأنه من غير اللائق أن تدير ظهرك لزوارك؟
أنت القائل إن مدينتك على صفحة البحر كُتبت. هذا ما يقول بيت في إحدى قصائدك. هل البحر الذي وراء ظهرك هو الذي تقصده؟ ربما أنت أدرى من أي إنسان آخر من أنه تغير، ولم يعد هو ذاته. كان نعمة ويبدو أنه صار لعنة. بضع مئات من الدولارات كافية اليوم لإغراقه، وشاطئه، والمدينة برمتها، بأصوات مزعجة لطائرات الهيلكوبتر، موضة الجولات السياحة الجديدة، التي تئن من ضجيجها حتى الجبال المجاورة.
هل لا يزال للبحر صوت؟ من بمقدوره أن يسمعه وسط الصخب والضجيج؟ هل لا يزال يعزف موسيقى؟ ألم تكتب في السابق قصائدك على موسيقاه؟ ألم تُراقص اللغة كما يُراقص هو أمواجه ونوارسه؟
أنظرُ إلى المدينة، بعينين مفتوحتين على مصرعيهما، فأجدها، في هذا الجزء على الأقل، حزينة. هل تشعر بحزنها؟ هل أنت حزين لحزنها؟ نظرتك الجانبية حزينة جدا. حزنك، الذي لا تحجبه النظارات، ليس مصطنعا، ولا مفبركا، وإنما أصيلا. أجده جميلا، وطاغيا، وساميا، فأقف أمامه صامتا.
أحاول أن أستحضر مذاق الحزن الذي أراه في نظراتك الجانبية، فتفشل محاولتي، رغم تكرارها العبثي. قل لي: أي مذاق للحزن؟ حلو؟ عذب؟ مرّ؟ طيب؟ لاذع؟ مالح؟ حار؟ لا أظنه يشبه أي شيء من كل هذا. هذا كل ما أعرفه، ولا أعرف كيف أعرفه.
جلستك أنيقة، وصمتك أنيق، وحتى حزنك أنيق أيضا! لا يكون الحزن أنيقا إلا حين يرتديه شاعر.
ترى هل لا تزال المدينة في عينيكَ جميلة حقا؟ لا أستطيع أن أفك شفرات لغة العيون. ثم من أين ستواتيني الجرأة لأنظر في عينيكَ مباشرة؟ أعرف أن من ينظر في عيني شاعر فهو ينظر في وجه الصاعقة، ولابد له من أن يُصعق. في الواقع، كم أود ذلك! لكن الجبنُ يمنعني. أخاف أن تنفث عينيكَ النار المقدسة في عينيّ فتحرقهما، وتعميني.
المدينة ماثلة أمامك عارية، بكل فتنتها، وفي كامل زينتها وبهرجها، فلماذا لا تنظر إليها، في عينيها مباشرة؟ هل صرتَ تخشى أن ترفع عينيك إليها فلا تعرفها؟ قد يذهب بصرك إلى الجبال المجاورة، فتراها تصعد الجبل لاهثة، هي التي هبطت منه في عصر سابق، مجلّلة بالغار كإلهة قديمة، وتعود إليه اليوم مكرهة ومكللة بالعار. تراها كلما صعدتْ جغرافيا كلما تراجعتْ على جميع النواحي الأخرى.
الغابات بدورها تتراجع. تُهاجم، في الليل وفي النهار، والضحية هو الغموض الذي تشكّل عبر العصور بين الأشجار والنباتات والظلال، والذي يجد نفسه ملزما بالرحيل. تفقد الأرض حول المدينة غموضها، وتظهر عارية، تنتظر استغلالها في مشاريع مربحة. ومثل الأرض، الشِّعر كذلك صار يفقد غموضه، لقد صار يتعرى ويتعهر!
نظراتي قلقة، ومضطربة، ومشتتة. عينٌ على السماء وعينٌ على الأرض، عينٌ على الحجر وعينٌ على الغابة، عينٌ على الجبل وعينٌ على البحر، عينٌ على الناس وعينٌ على الأشياء… عينٌ عليكَ وعينٌ على الكاتبة الجالسة مع كلبها هناك.
في جميع الأحوال، لا يسعني إلا أن أقول وأردد: ألا بُورك شاطئ يجلس على جنباته شاعر وكاتبة!
شاعر على الشاطئ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
شاعر على الشاطئ
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
هسبريس شاعر على الشاطئ
كانت هذه تفاصيل شاعر على الشاطئ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

