اليكم الان ما يبقى بعد المعادلات والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24
يهدأ صخب الرحلة، وتخف وطأة العلامة، وحين تخفت ضوضاء المحاضرات ويقف الأستاذ أمام طلبته للمرة الأخيرة بوصفه إنساناً لا معلماً، يعيد النظر في حصيلة العمر ويتأمل دروب الحياة. هناك تسقط المسافات وتلين صرامة المعادلات، وتظهر الأسئلة التي ظلت طويلاً مختبئة خلف السنين. كان يسافر مع الموجة على مدى أربعين عاماً وينحني صوب المجال، ويرقب الإشارة تعبر الأميال بسرعة الضوء. ويبقى العلم جميلًا ما دام يفتح في الإنسان نافذة لا مرآة؛ ما دام يجعله يرى العالم أوسع من نفسه، وتظل المعرفة ناقصة إذا لم تلد رحمة، وحين يتحول الذكاء إلى حيلة عندما لا ينحاز للعدل. أما القوة التي لا تحمي الضعيف فتفقد معناها، والنجاح الذي لا يترك في الطريق ظلاً يستريح تحته متعب ما، يشبه صعوداً إلى مكان موحش. واليوم، بعد كل ما عرف، يقف عاجزاً أمام كلمة تائهة من قلب إلى قلب، تصنع التكنولوجيا أجهزة ترى ما وراء الجدران، بينما يمر إنسان إلى جوار حزن مكشوف لا يراه. ولعل العلم، في أعمق معانيه، لا يعلم الإنسان مقدار ما يعرف بقدر ما يكشف له اتساع ما يجهله؛ فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها حافة المجهول، وصار التواضع أول ثمرة للحكمة.
ومع امتداد العمر، تتبدل موازين الأشياء، تقع من الذاكرة أسماء ووجوه، وتبقى يد أمسكت بإنسان يوم كاد يسقط، ويبقى وجه أم، وضحكة صديق، وموقف صغير انتصر فيه أحدهم لضعيف دون أن ينتظر شاهداً أو ثناءً. هنالك تظهر الشجاعة على حقيقتها، ليس في ارتفاع الصوت وإنما في الوقوف حيث ينبغي. ويظهر الكرم بعيداً عن المال، في العطاء والبذل، وفي القلب الذي يفسح مكاناً للآخر، وفي الراحة التي تقتطع كي يخف حمل متعب. أما الطيبة، التي يسخر منها زمن مفتون بالقوة، فهي من أندر أشكال المقاومة؛ أن يظل القلب ليناً بعد كل ما مر عليه من أسباب القسوة. والوطن، حين تهدأ الشعارات، يبقى في رائحة البيوت الأولى، وذاكرة الطفولة حين كان العالم صغيراً بما فيه من محبة، وفي لهجة الأب، وأزقة الحارة، ومراقد الذين سبقوا، وكلما ابتعد الإنسان، اكتشف أن بعض الجذور لا ترى، لكنها وحدها تمنع الروح من السقوط.
ثم، بعد أن تهدأ ضوضاء الحياة، يبقى السؤال الذي لا تستطيع المعادلات أن تحيط به، ولماذا كان الإنسان، ولمن كان السعي. عندها تبدو أسماء الله الحسنى وكأنها المعنى الذي كان ينتظر وراء التفاصيل كلها، الرحمة كيلا يصير العلم قسوة، والعدل كي لا تتحول القوة بطشاً، والكرم لئلا يكون النجاح عزلة، والعفو حتى لا يمضي الإنسان مثقلًا بالأوجاع والندم، وكأن القرب من الله لا يقاس بكثرة العبادة وحدها، بل بما تتركه العبادة في الإنسان من أثر، وبمقدار ما يمر عبر حياته إلى الآخرين من رحمة وعدل وكرم وعفو.
وحين تنتهي الساعة وتغلق القاعة أبوابها، قد لا يبقى من المحاضرة حرف، ولا من المعادلات إلا أثر بعيد، تتلاشى الأصوات، وتخفت الرموز، ويأخذ كل طالب طريقه، لكن أثراً صغيراً قد يبقى في قلب أحدهم؛ فكرة جعلته أرحم، أو موقفًا دفعه إلى أن يكون أشجع، أو سؤالاً أعاده إلى نفسه بعد طول غياب، ولعل هذا هو ما يبقى بعد المعادلات، ليس ما عرفه الإنسان عن العالم، بل ما أصبحه وهو يحاول أن يفهمه؛ وليس ما جمعه من أجوبة، بل ذلك السؤال الأخير الذي يقوده، بعد كل الطرق، إلى الله.
.
ما يبقى بعد المعادلات
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جو 24 ما يبقى بعد المعادلات
كانت هذه تفاصيل ما يبقى بعد المعادلات نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

