اخبار عربية اقتصاد التخمة..!!
اليكم الان اقتصاد التخمة..!! والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء:
بقلم : د. لمياء محسن ( باحثة، دكتوراه الإذاعة والتلفزيون ـ كلية الإعلام ـ جامعة القاهرة)
لا أعرف متى بدأت أفضل الصمت.
لم يكن الأمر قرارًا اتخذته في لحظة محددة، ولا رغبة في الابتعاد عن الناس، بقدر ما كان شيئًا يحدث داخلي كلما ارتفع صوت العالم من حولي. كلما كثرت النقاشات، وتسابق الجميع إلى التعليق والحكم والرد، وجدتني أميل أكثر إلى الجلوس بعيدًا.
أحتاج أحيانًا ألا أسمع أحدًا.
ليس لأنني لا أملك ما أقوله، وإنما لأنني أريد أن أرى بنفسي، وأن أشعر بنفسي، وأن أمنح رأيي الوقت الكافي حتى يصبح رأيي أنا، لا صدى لرأي سبقني إليه الجميع.
أخاف من سرعة الأشياء أكثر مما أخاف من كثرتها. أن يحدث شيء، فأجد تفسيراته جاهزة قبل أن أفهمه. أن يتحول الخبر إلى موقف، والموقف إلى معركة، والمعركة إلى أحكام نهائية، بينما ما زلت أحاول ترتيب ما رأيته في رأسي.
ربما لهذا أصبحت أحتاج إلى تلك المسافة الصغيرة بين أن أرى الشيء وأن أحكم عليه، بين أن أشعر وأن أفسر، بين أن أسمع وأن أصدق.
لكن متى أصبح الصمت نفسه بحاجة إلى تفسير؟
متى أصبح الإنسان مطالبًا بأن يقول شيئًا عن كل شيء، أن يعلق، ويختار جانبًا، ويعلن موقفه، ويثبت أنه حاضر؟
ربما حين لم يعد الكلام مجرد وسيلة للتعبير.
لقد أصبح الانتباه قيمة.
ومن يحصل عليه لا يحصل على لحظة عابرة فقط، بل على تفاعل وانتشار وحضور وجمهور، وقد يحصل في النهاية على المال. لذلك لم يعد السؤال: ماذا لديك لتقول؟ بقدر ما أصبح: كيف ستجعل الآخرين يتوقفون عند ما تقوله؟
ومن هنا صار للصوت اقتصاد.
ما يجذبنا ينتج منه المزيد. وما ينجح في انتزاع انتباهنا يكتسب قيمة أكبر، ثم يعود إلينا في صورة أكثر كثافة وقدرة على المنافسة.
المزيد من الكلام.
المزيد من الصور.
المزيد من الآراء.
المزيد مما يريد أن يوقفك الآن.
ومن هذه الدائرة لا ينتج فائض عابر، بل حالة كاملة من الامتلاء.
التخمة.
ليس لأنها نتيجة وجود أشياء كثيرة فحسب، بل لأن المزيد أصبح شرطًا لاستمرار الدورة نفسها.
وهذا هو، في رأيي، اقتصاد التخمة: عالم لا يكتفي بأن يملأ انتباهنا، بل يجعل الامتلاء نفسه جزءًا من طريقة عمله.
انظر.
علق.
اختر.
اغضب.
دافع.
هاجم.
شارك.
ثم انتقل إلى الشيء التالي قبل أن تنتهي من استيعاب الأول.
ومع الوقت، لا تبقى هذه السرعة خارجنا. تدخل إلى طريقة تفكيرنا نفسها. يصبح الانتظار أثقل، ويصبح التفسير الجاهز أكثر إغراءً من مشقة تكوين رأي خاص.
وهنا لا نخسر هدوءنا فقط.
نخسر المساحة التي يتكون فيها ما نفكر فيه فعلًا.
ربما لهذا صرت أفهم رغبتي في العزلة بطريقة مختلفة. أنا لا أبحث عن غياب الناس، وإنما عن حضور نفسي بينهم، عن صوت داخلي لا يصلني بسهولة حين تتزاحم الأصوات من حولي.
والغريب أننا، في الوقت نفسه، نشتكي جميعًا من هذا الزحام.
نتحدث بحنين شديد عن أيام زمان: عن الهدوء، والعلاقات الأكثر دفئًا، والجلسات التي لم تكن تحتاج إلى شاشة، والوقت الذي كان يمر ببطء يسمح للإنسان أن يعيش اللحظة قبل أن يوثقها.
بل إننا نستخدم أحدث ما أنتجته التكنولوجيا لنصنع لأنفسنا صورًا متخيلة في الثمانينيات والتسعينيات، كأننا نستعير من الماضي حياة نعتقد أنها كانت أقل ازدحامًا.
يا لها من مفارقة.
نستخدم أكثر الأدوات حداثة لنشتاق إلى زمن أقل حداثة.
نشارك في صناعة عالم شديد السرعة، ثم نتمنى لو كان أبطأ.
نملأ يومنا بالكلام، ثم نبحث عن مكان هادئ.
نلاحق كل جديد، ثم نشتاق إلى البساطة.
وربما لا نشتاق إلى الماضي بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا قبل أن نعتاد هذه الحياة.
إلى الإنسان الذي كان يستطيع أن يجلس دون أن يشعر بأنه يفوت شيئًا.
إلى رأي كان يحتاج وقتًا حتى ينضج.
إلى علاقة لا تحتاج إلى إثبات وجودها طوال الوقت.
إلى لحظة لا تنافسها عشرات اللحظات الأخرى.
لهذا لم يعد الصمت بالنسبة لي فراغًا.
أحيانًا يكون محاولة لاسترداد حق بسيط: أن أترك ما يحدث يمر أمامي دون أن أتحول فورًا إلى جزء منه. أن أحتفظ بحقي في ألا أعرف الآن، وألا أحكم الآن، وألا أتكلم لمجرد أن الجميع يتكلم.
ففي عالم يتنافس فيه الجميع على أن يُسمَعوا، قد يصبح الصمت أحيانًا الطريقة الوحيدة لأتأكد أن ما سأقوله خرج مني أنا.
وربما تكون هذه هي الخسارة الأكثر خفاءً في اقتصاد التخمة: أنه لا يكتفي بإغراقنا بالأشياء، بل يجعلنا نعتاد الامتلاء حتى ننسى كيف تبدو الحياة حين يكون فيها متسع.
متسع للتفكير.
وللشعور.
وللصمت.
وأنا، كلما شعرت بأنني أريد الابتعاد قليلًا عن كل هذا، لا أعتقد أنني أهرب من العالم.
ربما أحاول فقط ألا تبتلعني التخمة قبل أن أعرف: ما الذي أريده أنا فعلًا؟
وأنت صديقي العزيز، هل تشعر بالتخمة مثلي؟.
ظهرت المقالة اقتصاد التخمة..!! أولاً على جريدة المساء.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل اقتصاد التخمة..!! نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.