اليكم الان حين تتأخر العدالة… يبدأ الثأر والان إلى التفاصيل من المصدر سما عدن الإخبارية
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الحرب ليس أن تبقى بعض الجراح مفتوحة، بل أن تتحول هذه الجراح إلى نظام اجتماعي للثأر. فالدولة التي تتأخر في معالجة الجرائم والانتهاكات لا تترك فراغاً قانونياً فقط؛ إنها تترك فراغاً أمنياً وأخلاقياً يمكن أن تملأه العائلة، والعشيرة، والجماعة، والسلاح.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية بالنسبة إلى سورية: العدالة الانتقالية ليست ملفاً مؤجلاً من ملفات المرحلة الانتقالية، بل إحدى أدوات منع عودة العنف.
فحين يشعر الضحية بأن الدولة لا تستطيع الوصول إلى حقه، وحين يرى المجتمع أن الجريمة يمكن أن تمر بلا محاسبة أو أن المحاسبة تُطبق بمعايير مزدوجة، يبدأ تآكل الثقة بالقانون. ومع تآكل هذه الثقة، يصبح الانتقام أكثر قابلية للتبرير، ثم يتحول تدريجياً إلى سلوك اجتماعي.
وهنا قد تنتقل سورية من مرحلة الصراع على السلطة إلى خطر أكثر تعقيداً: الصراع على الدم والذاكرة والكرامة والثأر.
المشكلة أن الثأر لا يحتاج إلى حرب كي يبدأ؛ يكفي أن تفقد الدولة احتكارها للعدالة.
عندما يتحول الحق إلى ثأر
أسرة فقدت أحد أبنائها ولا تعرف من المسؤول. ضحية تعرضت لانتهاك ولم تجد مساراً واضحاً للإنصاف. متهم بجريمة خطيرة لا يخضع لتحقيق جدي. ومواطن يرى أن شخصاً حوسب بسبب انتمائه بينما نجا آخر بسبب نفوذه.
في مثل هذه البيئة تظهر أخطر جملة يمكن أن يسمعها مجتمع خارج من الحرب:
“إذا لم تأخذ الدولة حقي، فسآخذ حقي بنفسي.”
من هنا يبدأ التحول.
الجريمة التي كان يفترض أن تبقى قضية بين الجاني والضحية تتحول إلى قضية بين عائلتين، ثم بين جماعتين، وربما بين مناطق ومكونات.
وقد تبدأ السلسلة بعملية قتل واحدة، لكنها تنتج قتلاً مضاداً، ثم رداً على الرد، حتى يصبح الدم سبباً لدم جديد.
وعندها لا تعود الدولة أمام جريمة واحدة، وإنما أمام دورة عنف ذاتية التغذية.
سورية لا تملك رفاهية الانتظار
سورية خرجت من سنوات تركت وراءها أعداداً كبيرة من الضحايا والمفقودين والمعتقلين والمهجرين، إضافة إلى ذاكرة اجتماعية شديدة الحساسية.
هذه الملفات لا تسقط بالتقادم الاجتماعي لمجرد مرور الوقت.
بل إن التأخير قد يزيد كلفتها.
فكلما طال غياب الحقيقة، اتسعت مساحة الشائعات والروايات المتناقضة. وكلما تأخرت المحاسبة، زادت احتمالات أن تتحول المظالم إلى سرديات جماعية. وكلما أصبحت المسؤولية مرتبطة بالهوية بدلاً من الفعل، اقترب المجتمع من العقاب الجماعي.
لذلك فإن الوقت في ملف العدالة الانتقالية ليس محايداً.
إما أن تستخدمه الدولة لبناء الثقة والمؤسسات، أو يستخدمه الغضب لبناء ذاكرة ثأرية.
العدالة الانتقالية ليست انتقاماً
العدالة الانتقالية الناجحة لا تعني فتح الباب أمام تصفية الحسابات.
بل تعني العكس تماماً: إغلاق باب الانتقام من خلال فتح باب القانون.
وهي تقوم على كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤولية الفردية، وضمان المحاكمات العادلة، وجبر ضرر الضحايا، ومعالجة ملفات المفقودين والمعتقلين، ودعم المصالحات، ووضع ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.
القاعدة التي يجب ألا تتغير هي:
لا مسؤولية جماعية، ولا عقوبة بلا دليل، ولا حصانة للجريمة، ولا ثأر خارج القانون.
فالجاني يحاسب على فعله، لا على هويته؛ والضحية تُنصف لأنها ضحية، لا لأن انتماءها يمنحها حقاً إضافياً.
هذه هي القاعدة التي يمكن أن تمنع تحويل العدالة نفسها إلى وقود لصراع جديد.
المحاسبة الانتقائية وقود آخر للثأر
لا يكفي أن توجد محاكمات؛ المطلوب أن تكون المحاسبة موثوقة ومستقلة وعادلة.
فالمحاسبة الانتقائية تنتج نوعاً آخر من الظلم: تجعل طرفاً يشعر أنه مستهدف، وآخر أنه محمي.
وفي هذه الحالة تصبح العدالة نفسها موضع شك.
الدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها تحتاج إلى معيار واحد: الفعل والدليل والمسؤولية الفردية.
لا منطقة فوق القانون، ولا جماعة خارجه، ولا شخص محصن بسبب موقعه أو نفوذه.
الثأر له مؤشرات يمكن رصدها مبكراً
الثأر لا يبدأ لحظة إطلاق النار.
تسبقه عادةً مؤشرات يمكن للدولة والمجتمع رصدها: تصاعد خطاب الكراهية، التحريض على الانتقام، تداول أسماء المطلوبين للثأر، الاعتداءات ذات الطابع الانتقامي، انتشار السلاح خارج المؤسسات، وتحويل جرائم الأفراد إلى اتهامات تطال جماعات كاملة.
وهذه المؤشرات يجب ألا تُعامل باعتبارها مجرد توترات اجتماعية؛ بل باعتبارها إنذاراً مبكراً لخطر أمني وطني.
فكل عملية انتقام غير معالجة قد تصبح نموذجاً لعملية أخرى.
المطلوب: قطع السلسلة قبل أن تصبح واقعاً
المعالجة لا تكون بالخطابات وحدها.
تحتاج سورية إلى مسار مؤسساتي واضح للعدالة الانتقالية، يبدأ بالتوثيق وحفظ الأدلة، ويمر بالتحقيق والمحاسبة، ويصل إلى جبر الضرر والمصالحة وضمانات عدم التكرار.
وبالتوازي، يجب إشراك القيادات المحلية والوجهاء والمجتمع المدني والإعلام في مواجهة خطاب الثأر والتحريض، مع التأكيد على أن المصالحة لا تعني إسقاط حقوق الضحايا، وأن التسامح لا يعني إلغاء المسؤولية.
المصالحة الحقيقية لا تطلب من الضحية أن تنسى؛ بل تمنحها سبباً قانونياً وأخلاقياً كي لا تنتقم.
المعركة الحقيقية هي على شكل الدولة
في النهاية، المسألة ليست فقط كيف نعالج جرائم الماضي، بل أي دولة تريد سورية أن تبنيها.
دولة يكون فيها القانون هو المرجعية الوحيدة للعقاب، أم دولة تتوزع فيها العدالة بين العائلات والجماعات والسلاح؟
إذا نجحت الدولة في احتكار العدالة وفق القانون، يمكن تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مسار للمحاسبة والمصالحة.
أما إذا طال الانتظار، فقد تتحول الملفات المؤجلة إلى رأس مال للثأر السياسي والاجتماعي، ويصبح كل دم قديم قابلاً لأن ينتج دماً جديداً.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
العدالة ليست عائقاً أمام الاستقرار؛ غيابها هو أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار.
والمحاسبة العادلة لا تنتقم من الماضي، بل تمنع الماضي من إعادة إنتاج نفسه.
سورية لا تحتاج إلى حرب جديدة بين أبنائها، ولا إلى أن تتحول ذاكرتها إلى دفتر ثأر مفتوح.
إما أن تملأ الدولة فراغ العدالة بالقانون، أو سيحاول الثأر أن يملأه بالدم.
وهذا هو القرار الذي لا ينبغي تأجيله.
حين تتأخر العدالة يبدأ الثأر
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
سما عدن الإخبارية حين تتأخر العدالة يبدأ الثأر
كانت هذه تفاصيل حين تتأخر العدالة… يبدأ الثأر نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما عدن الإخبارية و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

