- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية قصة قصيرة: عند سقاية بير راجح

اخبار محلية
سما نيوز قبل ساعة و 44 دقيقة

اليكم الان قصة قصيرة: عند سقاية بير راجح والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز:

كتب: د. مسعود عمشوش

كان ذلك يوم جمعة، الثاني عشر من سبتمبر عام 1963. كنت في التاسعة من عمري، ولا أذكر من ذلك اليوم كل شيء؛ فالسنوات ماكرة، تسرق التفاصيل الصغيرة خِلسة، ولا تُبقي في الذاكرة إلا شظايا متناثرة من مرآة قديمة انكسرت منذ زمن بعيد. غير أن بعض المشاهد ظلّت — بطريقة غامضة عصيّة على الفهم — أشدّ وضوحًا من كل ما جاء بعدها: يد أمي وهي تطبق على يدي، رائحة سعف النخيل اليابس، وطأة الشمس وهي تنسكب فوق سوق سيئون، نداءات الباعة، وقع الأقدام المتلاحق، وقصر السلطان القائم في طرف المشهد كعينٍ كبيرة تراقب السوق ولا تنام.

وهناك، في قلب ذلك كله، كانت سقاية بير راجح.

خرجنا من البيت بعد أن ارتفعت الشمس قليلًا. كانت أمي تحمل فوق رأسها حزمة من المحامل التي نسجتها بأصابعها هي وأختي زليخة من سعف النخيل. لم تكن تلك المحامل وليدة يوم أو يومين؛ فقد سرقتْ منهما أيامًا طوالًا. تقصّان السعف، وتنشرانه للشمس حتى يجفّ، ثم تنظّفانه، وتفتلانه بأصابع صبورة حتى يستحيل شرائط دقيقة، ثم تشرعان في نسجه بإصرار نساءٍ يعرفن أن رزق البيت كله معلّق في تلك الأصابع.

قالت أمي وهي تعدّل الحزمة فوق رأسها: “اليوم، إن شاء الله، نبيعها كلها.”

سألتها: “ولماذا اليوم بالذات؟”

قالت: “اليوم في سيئون مطلع المطالع، والمدينة ملأى بالزوّار والغرباء.”

ثم ابتسمت وأضافت: “وإذا بعناها كلها، نشتري دقيقًا.”

سكتت لحظة، ثم قالت بصوت أخفض: “وإذا بقي معنا شيء… أشتري لك حاجة تحبها.”

لم أسألها ما هي تلك الحاجة. كنت طفلًا، لكنني تعلّمت مبكرًا أن المال، حتى إذا دخل البيت، لا يمكث طويلًا؛ يمرّ بنا مرور الغريب، ثم يمضي.

*

وصلنا إلى السوق. كان سوق الشطف يموج بالناس موجًا. الصناديق والمحلات ممتدة على الجانبين — صندقات مهدمي ومصعب وبازمول وبافرج — ورجال بعمائم شتّى، ونساء في أثوابهنّ التقليدية، وأطفال يتسلّلون راكضين بين الأرجل، وباعة يصيحون بأصواتٍ تتشابك، وروائح الأرز والبهارات والحلوى تختلط برائحة سعف النخيل حتى صار الهواء نفسه مذاقًا.

جلست أمي قريبًا من السقاية، في بقعة تظلّلها نخلتان باسقتان. فرشت المحامل أمامها، وجلست إلى جوارها. أما أنا فلم تكن البضاعة تعنيني في شيء؛ كنت أراقب الناس. كان السوق، لطفل في التاسعة، عالمًا لا تُدرَك حدوده. كل رجل يمرّ أمامي كان يبدو حاملًا سرًّا، وكل غريب يطلع من جهة ويغيب في أخرى كأنه لم يكن، وكأن السوق يبتلع الغرباء ابتلاعًا.

مرّت ساعة تقريبًا قبل أن يقترب منا الرجل.

كان طويلًا نحيلًا، يعتمر عمامة بيضاء، ويلقي شالًا فوق كوتٍ، ويرتدي سارونًا من ماركة (أبو برتقالة) الأصلي. لم يكن في ملامحه ما يشي بأنه من أبناء سيئون. وقف أمام المحامل، وانحنى قليلًا يتفحّصها بعينين لا تفارقانها، ثم اختار اثنتين، وسأل:

-بكم هاتان المحملتان؟

قالت أمي: -بأربعة شنقيات.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة غامضة. -غاليات.

-من قلب سعف النخل يا حاج، ولم ننقص فيها شيئًا.

فاوضها قليلًا، ثم أخرج النقود من جيب كوته، وعدّها أمامها بهدوء الواثق. -هذه ثلاثة شلن، والرابع يتبعني له الوليد.

سألته أمي بشيء من الحذر: -يتبعك إلى أين؟

قال ببساطةٍ لم تخلُ من ثقلٍ خفي: -إلى دكان باسلامة، أبو البلاد.

ثم التفت إليّ. أنت الولد؟

هززت رأسي. قالت أمي: -تبعه يا ولدي، وارجع بسرعة.

حملت المحملتين، وسرت خلفه. لا أدري لماذا شعرت — وأنا أمشي في ظلّه — أن في الأمر شيئًا غامضًا لا يستقيم. ربما لأنني كنت طفلًا تلعب المخاوف بمخيّلته، وربما لأن الرجل كان صموتًا، مقتصدًا في الكلام كأنه يخفي أكثر مما يبوح.

عبرنا وسط سوق قسبل الضيّق، حيث تكدّست المفارش بأصناف الحلوى والحبوب، ثم اتجهنا نحو سوق الحنضل. كنت أمشي وعيناي لا تفارقان المحملتين. وفجأة التفت إليّ وقال: لا تضِع مني.

قلت: -أنا لا أضيع.

ضحك ضحكة قصيرة، ثم أسرع الخطى، فكدت ألهث خلفه.

وصلنا أخيرًا إلى دكان محمد باسلامة، أبو البلاد. دخل الرجل، ووضع المحملتين أمامه وقال: المحملتان لي، احفظهما عندك. وأعطني شلنًا وقيّده في حسابي.

ثم ناولني الشلن، وانصرف.

أشار باسلامة إلى مساعده: خذ المحملتين وضعهما في المستودع.

حملهما المساعد، واختفى بهما خلف الدكان.

خرجتُ قابضًا على الشلن كأنه كنزٌ صغير. وحين عدت إلى أمي، كانت قد باعت ما تبقّى من المحامل، وكان وجهها يشعّ فرحًا. قالت: -الحمد لله.

ثم جمعت النقود وصرّتها في طرف ثوبها. وكان أذان الجمعة قد اقترب، فعدنا إلى البيت.

*

لكن اليوم لم ينتهِ. فمنذ الصباح، والناس يتحدثون عن المطلع الشبواني —العصر المطلع — والفضول يأكلني أكلًا. سألت أمي: سنرجع العصر؟

نظرت إليّ، ثم قالت: إذا أنهينا شغلنا بسرعة، نرجع.

وفي العصر، تبدّلت سيئون تبدّلًا كاملًا. كأن المدينة التي تركناها ظُهرًا خلعت ثوب السوق وارتدت ثوب العيد. عاد الناس إلى الساحة، لكنهم لم يأتوا هذه المرة للبيع والشراء؛ جاؤوا ليسمعوا، ويروا، ويذوبوا في الجموع. أمسكت أمي يدي بقوة.

لا تفلت يدك.

-فاهم.

غصنا في الزحام الذي كان يتضاعف لحظةً بعد لحظة: رجال، وأطفال، وأصوات، وضحكات، وحركة لا تهدأ، وغبار خفيف يتصاعد تحت الأقدام، ثم… الشعر. كان بين الشعراء سالم بن ناصر، ومستور حمادي، وعبد القادر العيدروس، والحباني من الشحر، وباحارثة من مدودة. لم أفهم كل الكلمات، لكنني أدركت أن شيئًا عظيمًا يتخلّق أمامي. كان الشعر يعلو، والجماعة تردّ، ثم يتغيّر الإيقاع فتتصاعد الأصوات، وكلما ارتفع الصوت ازداد الناس التصاقًا حتى صاروا جسدًا واحدًا يتنفّس معًا. كنت أرفع رأسي لأرى من أين ينبع هذا كله.

وفي لحظة، شعرت بيد أمي تنزلق من يدي.

التفتّ فزِعًا. كانت أمامي.

مدّت يدها. تعال.

أمسكتها من جديد، فعاد إليّ الأمان.

وقُبيل أذان المغرب بقليل، قالت: يكفي. نرجع.

*

عدنا إلى البيت. دخلنا الضيقة، فوجدنا زليخة جالسة على الأرض، تبكي.

وما إن رأتنا حتى صرخت: أين محملتي؟!

توقفت أمي في مكانها. – بعناها.

رفعت زليخة رأسها كمن صُعِق. بعتِها؟!

-نعم. بشنقيّين.

ساد صمتٌ ثقيل لحظة، ثم قالت زليخة بصوت مرتجف: ومَطَلي؟!

نظرت إليها أمي في حيرة. -أي مطل؟

-أساوري! أساوري كانت في المحملة!

اقتربت منها أمي، وقد بدأ القلق يزحف إلى وجهها. -أي محملة؟

-المحملة التي كنت أُخبّئ فيها مطلي، في مستودع المطبخ.

ثم انفجرت باكية.

كان ذلك كل ما تملكه زليخة من ذهب في الدنيا. أساور قليلة، جمعتها قطعةً بعد قطعة، من مالٍ ادّخرته بشقّ الأنفس، وأخفتها بعيدًا عن كل عين. لم تكن، في نظرها، مجرد حليّ؛ كانت أمانها الوحيد، وثروتها السرّية التي لا يعلم بها أحد.

قالت أمي، وصوتها يرتعش: متأكدة أنكِ وضعتِها في المحملة؟

-متأكدة.

-ومتى؟

-قبل ثلاثة أيام.

خرست أمي.

أما أنا، فتراءى لي الرجل الغريب، والمحملتان، ودكان باسلامة. تجمّعت الصور في رأسي دفعة واحدة، فقلت: -أمي…

التفتت إليّ. -ماذا؟

-المحملتان… ما بعناهما هنا.

قالت: كيف؟

-الرجل أخذهما إلى باسلامة.

رفعت زليخة رأسها فجأة، كأن أملًا خاطفًا اخترق دموعها. -باسلامة؟!

قلت: نعم. دكان باسلامة، أبو البلاد. المحملتان عنده.

نظرت أمي إلى زليخة، ثم إلى الباب. كانت الشمس قد توارت تقريبًا، والظلام يمدّ أصابعه على المدينة.

قالت زليخة: لازم نروح له الآن.

ترددت أمي. فالليل قد بدأ ينسدل، والسوق أخذ يخلد إلى السكون. لكنها رأت وجه زليخة، فأدركت أن المسألة لم تعد مسألة محملتين من سعف النخيل. كانت المسألة ذهبًا. ذهبًا قليلًا، لكنه يساوي — في ميزاننا — عمرًا كاملًا من التعب.

قالت أمي: هيا.

*

خرجنا. كنت أمشي بينهما، وأشعر أن الطريق إلى دكان باسلامة أطول بكثير من الطريق الذي قطعته مع الرجل في الصباح. كأن الليل يمطّ المسافات مطًّا، ويثقّل الخطى.

وكان سؤال واحد يدور في رأسي، يلاحقني كظلٍّ لا يفارقني: هل ستكون الأساور في جوف المحملة؟ أم أن زليخة أخطأت؟ أم أن يدًا خفيّة سبقتنا إليها؟ وماذا لو كان الرجل الغريب يعرف؟ وماذا لو لم يكن شراؤه للمحملتين محض صدفة؟

وصلنا. كان الدكان لا يزال مفتوحًا، وضوء خافت يتسرّب من داخله.

نادت أمي: يا باسلامة!

رفع محمد باسلامة رأسه، وما إن رأى أمي وزليخة حتى قرأ في وجهيهما أن ثمة أمرًا جللًا. قال: خير؟

قالت أمي: المحملتان اللتان وُضعتا أمانةً عندك اليوم… ألا تزالان عندك؟

نظر إلى مساعده، ثم قال: أكيد.

التفت إلى زليخة. لماذا؟

لم تُجب. كانت عيناها تحفران خلفه، كأنها تريد أن تخترق جدران الدكان لتصل إلى المستودع.

نادى باسلامة: يا سالم!

جاء المساعد.

-هات المحملتين اللتين جاء بهما الدوعني قبل صلاة الجمعة اليوم.

مضى المساعد إلى المستودع.

انتظرنا. مرّت لحظات بدت لي دهرًا كاملًا. سمعت نبضي في أذني، ورأيت أنفاس زليخة تتسارع. ثم عاد المساعد يحمل المحملتين، ووضعهما أمام زليخة.

تقدّمت. كانت أصابعها ترتجف. أدخلت يدها في جوف محملتها، وأخذت تتحسّس الداخل، تبحث… تبحث… ثم توقفت فجأة. سحبت يدها ببطءٍ شديد. كان شيء ما قد علق بأصابعها. نظرت إليه. ثم فتحت كفّها. وانطلقت من صدرها شهقة قصيرة. كانت الأساور. كلها. لم يضِع منها شيء. كانت لا تزال في قاع المحملة، حيث خبّأتها قبل ثلاثة أيام، ساكنةً في مكمنها، لم تدرِ كم كانت قريبة من الضياع إلى الأبد. احتضنتها زليخة إلى صدرها وهي تبكي، لكنه بكاءٌ من طينة أخرى.

أما أمي فأغمضت عينيها، وتنهّدت من الأعماق: الحمد لله.

نظر إليّ باسلامة مبتسمًا، وقال: لو تأخرتم إلى الغد، لكانت المحملتان قد بلغتا الخريبة.

لم أفهم يومها إن كان يمزح أم يتحدث بجدّ. لكن الكلمة استقرت في صدري كحصاة ثقيلة.

لكنني فهمت شيئًا آخر: أن ذلك اليوم، الذي بدأ ببيع محملتين من سعف النخيل، كاد ينتهي بضياع أغلى ما تملكه أختي.

وفي طريق العودة، كانت زليخة تمشي وهي تضمّ أساورها إلى صدرها، كأنها تخشى أن تفرّ منها مرة أخرى. أما أنا فكنت أفكّر في الرجل الدوعني.

لم أره بعد ذلك أبدًا. ولم أعرف يومًا لماذا اشترى تلك المحملتين بالذات، دون سواهما. لكن صورته ظلّت عالقة في ذاكرتي سنوات طوالًا: عمامة بيضاء، وشال فوق كوت، وسارون أبو برتقالة، وخطوات طويلة ابتلعتني بها أسواق سيئون ثم أعادتني…

ولم أكن أعلم يومها أن تلك الساعات القليلة عند سقاية بير راجح ستظلّ، بعد أكثر من نصف قرن، من أشدّ أيام طفولتي وضوحًا في الذاكرة… كأنها وحدها نجت من ماكرة السنين.

قصة قصيرة: عند سقاية بير راجح سما نيوز.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل قصة قصيرة: عند سقاية بير راجح نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم