- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية بنكيران انتصر.. علينا!

اخبار عربية
صوت المغرب قبل ساعة و 35 دقيقة

اليكم الان بنكيران انتصر.. علينا! والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب:

هذا السبت، 12 شتنبر 2026، كان عبد الإله بنكيران يتقدم نحو منصة الخطابة فوق خشبة المسرح الوطني محمد الخامس. رجل بلحية بيضاء، في جلباب أسود، يتكئ على عصا، ويمشي بالمقدار الذي تسمح به السن وما راكمه الجسد من أعطاب. ليقول لنا جميعا: “لقد انتصرت”.

قبل أقل من عشر سنوات، كان الرجل نفسه محاصرا سياسيا داخل صالون بيته، بعد أن خرج من رئاسة الحكومة مكسورا من “البلوكاج”، يتابع ما يجري عبر نافذة مطلة على شارع جان جوريس بحي الليمون، ويقاتل خصومه أحيانا بقصاصات صغيرة من “ورق الزبدة”.

ثم جاء انهيار حزبه في 2021، من 125 مقعدا إلى 13، لا كهزيمة انتخابية فقط، بل كزلزال نفسي وتنظيمي ورمزي كاد يجعل الحديث عن نهاية العدالة والتنمية أقرب إلى الخبر منه إلى التوقع. وحين عاد بنكيران إلى قيادته، عاد، كما كتبنا سابقا، “زعيم جريح في حزب أكثر جراحا”، وأعاد تشغيله من بوابة الوجدان قبل التنظيم، حتى صار السؤال المطروح هذه السنة ليس هل اختفى الحزب، بل إلى أي حد يستطيع أن يعود.

ها هو اليوم يخطب من جديد، ويتنقل من مدينة إلى أخرى، ويملأ القاعات والساحات، ويجرّ خصومه ومؤيديه والإعلام وراء كل كلمة يتفوه بها.

فهل هذا مجرد رهان انتخابي آخر؟ هذا هو السؤال الذي أحرجني وأنا أنظر إلى الشاشة. لأن أسهل ما يمكن أن نفعله، نحن أهل الصحافة والسياسة، أن نعامل المشهد كما نتعامل مع باقي صور الحملة: زعيم، وجمهور، ومنصة، وشعارات، وتصفيق، ثم ننتقل إلى الخبر الموالي.

الصحافي، كما يقال، مؤرخ اللحظة. ومشكلتنا أننا قد نكون، ونحن نعيش اللحظة من الداخل، أقل الناس قدرة على إدراك حقيقتها.

سيأتي مؤرخ بعد أعوام، وربما بعد عقود، فيفتح أرشيف هذا الزمن، ويجد رجلا ظل منذ نهاية العقد الأول من هذا القرن في قلب معظم الانعطافات السياسية الكبرى: واجه مشروع حزب الدولة قبل 2011، ودخل رئاسة الحكومة من بوابة دستور جديد، وفي قلب ارتدادات الربيع العربي، وصنع قاموس “التحكم” و”التماسيح والعفاريت”، واصطدم بمراكز القوة من كل الأنواع، وقاد الحكومة خمس سنوات، وتصدر انتخابات 2016، وخرج من السلطة إثر أشهر من الانسداد، وعاش العزلة، وانهار حزبه وهو خارج قيادته، ثم استدعاه الحزب نفسه بعد الكارثة لكي يلمّ شتاته.

لن يستطيع ذلك المؤرخ، مهما كان حكمه عليه، أن يكتب تاريخ هذه المرحلة ويضع بنكيران في الهامش. فحتى أكثر خصومه اضطروا طوال سنوات إلى تعريف مواقعهم، ولو جزئيا، بالاقتراب منه أو الابتعاد عنه أو بمواجهته. وهذه، في نظري، أول علامات انتصاره علينا.

لا أقصد أنه انتصر على خصومه في الانتخابات، ولا أن أفكاره صارت صحيحة لأنها صمدت، ولا أن سجله في الحكم ينبغي أن يُغسل مما فيه من أخطاء وتنازلات وفشل. لكن الاعتراف بعيوبه شيء، وإنكار ما يمثله شيء آخر.

بنكيران انتصر علينا لأننا استعجلنا دفنه أكثر من مرة. انتصر على ضيق نَفَسنا السياسي، وعلى ولعنا بإعلان النهايات، وعلى اعتقادنا أن من أُبعد من الحكومة قد انتهى، وأن من “نهره” المخزن مات، وأن من خسر حزبه الانتخابات خرج من التاريخ، وأن السياسة لا تعرف سوى القوي بالمال والسلطة.

في مقابل ذلك، أثبت الرجل أن السياسة أيضا قدرة على البقاء، وعلى الاحتفاظ بصوت يسمعه الناس، وعلى تحويل الهزيمة إلى رواية، والعزلة إلى انتظار، والعودة إلى فرصة جديدة. وانتصر علينا، أكثر من ذلك، في معركة أخرى أشد إحراجا.

لطالما صُوّر بنكيران، خصوصا في أوساط تقدم نفسها باعتبارها أكثر حداثة منه، باعتباره المحافظ، والرجعي، ورجل الطاعة والمداهنة. لا أنفي عنه محافظته، ولا أنكر أن علاقته بالملكية مؤطرة بتصور تقليدي واضح، يصل عنده إلى “الطاعة في المعروف” وإلى اعتبار البيعة أصلا سابقا على الدستور.

لكن المفارقة أن الرجل الذي يحمل هذا التصور هو نفسه الذي ظل، منذ 2008 على الأقل، يصر على التمييز بين الملك ومحيطه، وينتقد علنا فاعلين غير منتخبين، ويسميهم بأسمائهم، وسبق له عشية الربيع العربي أن خاطب الملك مباشرة مطالبا بإبعاد فؤاد عالي الهمة ومنير الماجدي. ثم أعاد، وهو رئيس للحكومة، صياغة الخلاف نفسه بمفردات “التحكم” و”التماسيح والعفاريت”.

وفي الأيام الأخيرة عاد الرجل إلى المربع نفسه. وقال، في ما معناه وبعباراته وأسلوبه، إن الملك إنسان وليس إلها، وإن له التقدير والتوقير، لكن من حوله رجال مثل باقي الرجال ينبغي أن يُكلموا ويُناقشوا. أي احترام المؤسسة الملكية، مع رفض تحويل القرب منها إلى حصانة سياسية لفاعلين غير منتخبين. وهنا تصبح المفارقة جارحة.

من هو المحافظ الحقيقي؟ الرجل الذي ينطلق من مرجعية محافظة لكنه يجرؤ على مخاطبة السلطة وعلى تسمية مناطق النفوذ التي يراها مختلة؟ أم “الحداثي” الذي تتلخّص حداثته في إباحة العلاقات الرضائية بينما يرتعد من مجرد سؤال يُوجَّه إلى الملك، ويعتبر مخاطبته خروجا عن الأدب، ثم يطلب من الجميع أن يكتفوا بالحديث إلى وزراء وموظفين يعرف هو قبل غيره أن كثيرا من الأسئلة الكبرى لا تُحسم عندهم؟

لقد انتصر الرجل لأن بعض الذين يسمّونه رجعيا أشد رجعية منه؛ وبعض الذين يتهمونه بالمداهنة يمارسون من المداهنة ما لم يعد الرجل نفسه يقبله؛ وبعض الذين يشككون في ولائه للدولة والملكية يعلمون، أكثر من غيرهم، أن خلافهم معه ليس في مقدار الولاء، بل في الطريق التي يفهم بها ذلك الولاء وحدوده.

بنكيران ليس ثوريا. وهذا ما يجعل قصته أكثر دلالة. فهو (منذ قام بالمراجعات الشهيرة بعد تجربة الشبيبة الإسلامية) لم يخرج على النظام، ولم يدع إلى إسقاطه، ولم يضع نفسه خارجه. بل قضى مساره كله تقريبا وهو يحاول أن يوسّع مساحة السياسة من داخله، وأن يقنع الدولة بأن قوة المؤسسات لا تأتي من إسكات السياسي، بل من تركه يتكلم ويتحمّل تبعات كلامه.

ظل ينظّر لفكرة أن الملك في مكان، ومن يتصرفون باسمه أو بقربه في مكان آخر. ويمكن أن نختلف معه في هذا التصور نفسه. كما يمكن أن نقول إنه بالغ أحيانا في إعفاء الملك من المسؤولية السياسية، أو إنه تنازل حين كان رئيسا للحكومة عما كان عليه أن يتمسك به من صلاحيات، أو إنه حوّل “التحكم” أحيانا إلى تفسير أسطوري أكثر مما ينبغي. كل ذلك مشروع، وربما مطلوب. لكن غير المشروع فكريا هو أن نحاكم الرجل بالصورة التي صنعناها له، لا بما ظل يفعله بالفعل أمامنا.

القول إن بنكيران “انتصر”، لا علاقة له بنتيجة 23 شتنبر. قد يعود العدالة والتنمية بعشرات المقاعد، وقد تأتي النتيجة أقل كثيرا مما يتخيله أنصاره. وقد يكون الرجل نفسه، بعد الانتخابات، أمام بداية انحسار جديد. السياسة لا تمنح أحدا شيكا على بياض ولا انتصارا أبديا. والاستحمام في النهر نفسه مرتين أمر مستحيل كما نعرف.

المقصود أنه انتصر في معركة الوجود السياسي. خرج من رئاسة الحكومة ولم يختف. حوصر فلم يصمت. انهار حزبه فعاد ليوقظه. رفضته قواعد دائرته مرشحا أولا، فتحول إلى مرشح تستقبله الجموع في عشرات الدوائر. كبر سنه وثقلت خطاه واتكأ على عصاه، لكن السياسيين الأصغر منه سنا والأغزر مالا والأقرب إلى السلطة ما زالوا يضطرون إلى حساب أثر ما يقوله وأين يذهب ومن يستمع إليه. وهذا وحده انتصار سياسي.

عبد الإله بنكيران ليس بالضرورة أهم رجل سياسي في عهد محمد السادس، فهذا حكم يحتاج إلى مسافة التاريخ، لكنه من دون شك أحد أكثر الشخصيات التي هيكلت السياسة المغربية خلال هذا العهد. منذ صعوده، أصبحت أسئلة العلاقة بين الملك والحكومة، وبين المنتخب وغير المنتخب، وبين الحزب والدولة، وبين الصندوق و«التحكم»، تدور مرارا في فضاء لغوي وسياسي ساهم هو نفسه في بنائه.

حتى الصراع الجاري اليوم داخل الأغلبية وحول وراثة صدارة 2021 لا يخلو من شبحه. ليس لأن أخنوش أو لقجع أو غيرهما يستيقظون كل صباح وهم يفكرون في بنكيران، هذا تبسيط سطحي، بل لأن سؤال ما إذا كان العدالة والتنمية سيعود إلى اقتطاع جزء من الخريطة الانتخابية يغيّر حسابات الجميع.

لهذا، وأنا أستعيد صورة الرجل فوق خشبة محمد الخامس، لم أرَ شيخا بعصا وجلباب فقط. بل رأيت واحدا من أكثر مشاهد السياسة المغربية سخرية منا جميعا.

نحن الذين أسرعنا إلى تصنيفه، ثم إلى دفنه، ثم إلى نسيانه، ثم فوجئنا به يعود في كل مرة ليجبرنا على الكلام عنه من جديد.

لقد انتصر بنكيران، ليس على من خالفوه، بل علينا جميعا، لأننا وفي أحيان كثيرة، لم نفهمه إلا بعد أن كان قد تجاوز الحكم الذي أصدرناه عليه.

بنكيران انتصر.. علينا! صوت المغرب.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل بنكيران انتصر.. علينا! نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم