اخبار محلية التسطيح والسطحية في الجامعات: حين يتحول همُّ الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين

التسطيح والسطحية في الجامعات حين يتحول هم الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين


اليكم الان التسطيح والسطحية في الجامعات: حين يتحول همُّ الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز

كتب: د. مسعود عمشوش

قبل عام 1990، كانت في الجنوب جامعة واحدة هي جامعة عدن. أما اليوم، فقد اتسعت خريطة التعليم العالي بصورة كبيرة، وظهرت جامعات حكومية وأهلية وخاصة في محافظات الجنوب.

ولا شك أن التوسع في التعليم العالي حقٌّ مجتمعي مهم، وأن إتاحة فرص الدراسة الجامعية لعدد أكبر من الشباب تمثل هدفًا إيجابيًا في حد ذاتها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوسع الكمي إلى بديل عن التطور النوعي، وعندما يصبح عدد الجامعات والطلاب والخريجين مؤشرًا على النجاح، من دون أن نسأل بالقدر نفسه: ماذا تعلم هؤلاء الطلاب؟ وما مستوى المهارات التي اكتسبوها؟ وما مدى قدرتهم على المنافسة في سوق العمل؟

وهنا تبرز، بصورة مؤلمة، المقارنة بين مخرجات جامعة عدن في مراحل سابقة ومخرجات بعض مؤسسات التعليم العالي اليوم. وليس المقصود بهذه المقارنة إصدار حكم شامل على كل الجامعات أو جميع الخريجين، وإنما الإشارة إلى ظاهرة تستحق الدراسة الجادة: اتساع الفجوة بين الشهادة الجامعية والكفاءة الفعلية لدى بعض الخريجين.

حين تصبح الشهادة أهم من المعرفة

الشهادة الجامعية يفترض أن تكون دليلًا على أن صاحبها امتلك خلال سنوات الدراسة حدًا معينًا من المعرفة والمهارات والقدرة على التفكير والتحليل والبحث والتواصل.

لكن قيمة الشهادة تتراجع عندما يصبح الحصول عليها أسهل من امتلاك الكفاءة التي يفترض أن تمثلها.

وهنا لا يتعلق الأمر بالجامعات الخاصة وحدها، بل بالتعليم العالي عمومًا. فبعض مؤسسات التعليم قد تنشغل بكثرة أعداد المقبولين، وانتظام الإجراءات، وتخريج دفعات متتالية، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال الجوهري: هل تحقق التعلم فعلًا؟

والمشكلة لا تكمن في تخريج أعداد كبيرة في حد ذاته، بل في أن يتحول عدد الخريجين إلى غاية مستقلة عن نوعية ما تلقوه من تعليم.

فالجامعة ليست مصنعًا لإنتاج الشهادات، وسوق العمل ليس مستودعًا يستطيع استيعاب خريجين لا يمتلكون الكفاءة المطلوبة.

من التعليم إلى استعراض إدارة التعليم

من الصعب إنكار أن التعليم في بلادنا تعرض خلال العقود الماضية لتراجعات عميقة، وإن اختلفت مستويات التراجع من مرحلة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى.

ومن المفارقات التي كثيرًا ما يتداولها الناس أن بعض خريجي الثانوية في مراحل سابقة كانوا يمتلكون، في بعض الحالات، قدرات لغوية ومعرفية وتحليلية تفوق ما نجده اليوم لدى بعض خريجي الجامعات.

ولا ينبغي بالطبع تحويل هذه الملاحظة الاجتماعية إلى حكم إحصائي نهائي من دون دراسات مقارنة دقيقة، لكنها تعكس إحساسًا واسعًا بوجود فجوة متزايدة بين الدرجة العلمية والكفاءة العلمية.

وهذه الفجوة هي جوهر المشكلة.

فقد يحمل الطالب شهادة جامعية، لكنه لا يستطيع كتابة فقرة سليمة، أو قراءة نص قراءة نقدية، أو تحليل معلومة، أو بناء حجة، أو استخدام مصادر علمية، أو حل مشكلة مرتبطة بتخصصه.

وعند هذه النقطة يصبح من الضروري أن نسأل: ماذا أنتجت سنوات الدراسة؟

إذا كان الطالب قد أمضى أربع سنوات أو خمسًا في الجامعة وخرج منها عاجزًا عن ممارسة المهارات الأساسية في تخصصه، فإن المؤسسة قد تكون نجحت في تخريج الطالب، لكنها لم تنجح بالضرورة في تعليمه.

حين تصبح السرعة فضيلة تعليمية

من أخطر مظاهر السطحية أن تتحول السرعة إلى معيار للنجاح.

فالتعليم الحقيقي يحتاج إلى وقت للقراءة والمناقشة والتجربة والبحث والتطبيق. وهناك موضوعات لا يمكن اختزالها في ملزمة مختصرة أو مجموعة من النقاط التي يحفظها الطالب قبل الامتحان.

لكن ثقافة السرعة قد تدفع إلى اختزال المقررات، وتكثيف المحتوى، والاعتماد المفرط على الملازم والمذكرات الجاهزة، وتحويل الأستاذ إلى ناقل للمعلومات، والطالب إلى متلقٍ يحفظ ما يحتاج إليه في الاختبار ثم ينساه بعده.

وهنا نصل إلى الفرق بين التعلم السطحي والتعلم العميق.

فالتعلم العميق يقوم على الفهم والربط والتحليل وتطبيق المعرفة، بينما يرتبط التعلم السطحي بالحفظ وإعادة إنتاج المعلومات من أجل اجتياز الامتحان.

والجامعة التي تكتفي بتعليم الطالب كيف ينجح في الاختبار، بدل أن تعلّمه كيف يفكر، إنما تؤجل المشكلة ولا تحلها.

الجامعات الخاصة: اتساع السوق لا يعني اتساع الجودة

أدى انتشار الجامعات والكليات الخاصة إلى توسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي، وهذا جانب إيجابي لا ينبغي تجاهله.

لكن التوسع في الاستثمار في التعليم العالي يفرض في المقابل رقابة أكاديمية أكثر صرامة، لأن التعليم ليس نشاطًا تجاريًا عاديًا، والخطأ فيه لا يتوقف عند خسارة مالية؛ بل قد يمتد أثره سنوات طويلة إلى الطالب والمجتمع وسوق العمل.

ولهذا ينبغي ألا يكون معيار نجاح المؤسسة الخاصة هو عدد الطلاب المسجلين، أو حجم الإيرادات، أو عدد الخريجين في كل عام، وإنما مستوى البرامج، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، وجودة المختبرات والمكتبات، ونوعية البحث العلمي، ونسب النجاح الحقيقية، والأهم من ذلك كله كفاءة الخريجين بعد التخرج.

كما أن وجود أساتذة من الجامعات الحكومية في التدريس بالجامعات الخاصة ليس في ذاته مشكلة، بل قد يكون عامل قوة إذا ارتبط بمعايير واضحة للعبء التدريسي، وجودة الأداء، والإشراف الأكاديمي، وتطوير المناهج.

المشكلة تظهر عندما يتحول الاستعانة بالأستاذ الجامعي إلى مجرد وسيلة لتغطية العبء التدريسي، من دون أن يصاحب ذلك نظام جاد لضمان الجودة وقياس نواتج التعلم.

وهل المشكلة في نقص الموارد فقط؟

من السهل أن نرد تراجع مستوى التعليم إلى نقص الكتب، وضيق المباني، وتراجع الموازنات، وضعف التجهيزات. وهذه كلها عوامل حقيقية ومؤثرة.

لكنها لا تفسر المشكلة كلها.

فالخطر الأكبر يبدأ عندما تفقد المؤسسة التعليمية قدرتها على التمييز بين النشاط التعليمي الحقيقي وبين استعراض النشاط الإداري.

يمكن للجامعة أن تقيم عشرات الفعاليات، وتنظم المؤتمرات والندوات، وتنشر الأخبار والصور، وتصدر التقارير السنوية، وتحتفل بتخرج دفعات متتالية.

لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا أصبح الطالب قادرًا على أن يفعل بعد تخرجه؟ هل يستطيع أن يكتب؟ هل يستطيع أن يبحث؟ هل يستطيع أن يحلل؟ هل يستطيع أن يستخدم المعرفة؟ هل يستطيع أن ينافس خريج جامعة أخرى داخل الجنوب أو خارجه؟ هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تقيس بها الجامعة نجاحها، لا عدد الصور المنشورة ولا عدد الفعاليات المنفذة.

أين الرقابة والمحاسبة؟

ليست بلادنا بلا مؤسسات للرقابة على جودة التعليم العالي. فهناك مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي، وقد حُددت له رسميًا مهام وضع معايير الجودة والاعتماد وتقييم المؤسسات والبرامج التعليمية.

كما أن المجلس يعلن في الوقت الراهن عن عمليات مراجعة خارجية وزيارات ميدانية لتقييم برامج في عدد من الجامعات، وهو ما يشير إلى وجود أدوات مؤسسية للمتابعة والاعتماد.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا هو: هل تكفي هذه الآليات، وهل تطبق بصورة منتظمة وشاملة وشفافة، وهل تترتب على نتائج التقييم والاعتماد إجراءات فعلية عندما لا تستوفي المؤسسة أو البرنامج معايير الجودة؟

فالرقابة الحقيقية لا تعني أن تقوم جهة ما بزيارة الجامعة وإعداد تقرير عنها فقط. الرقابة الحقيقية تعني أن تكون هناك معايير معلنة، وتقييم دوري مستقل، ونتائج واضحة، وخطط لتصحيح الاختلالات، ومتابعة لتنفيذها، وربط بين استمرار البرنامج وبين قدرته الفعلية على تحقيق معايير الجودة.

ومن دون ذلك، يمكن أن يتحول الاعتماد نفسه إلى إجراء إداري جديد يضاف إلى الملفات، بدل أن يكون أداة لتغيير الواقع.

الجامعة ليست خط إنتاج للخريجين

إن أخطر ما يمكن أن يصيب التعليم العالي هو أن يصبح النجاح محسوبًا بعدد الخريجين لا بعدد الخريجين القادرين على العمل والإنتاج والتفكير والإبداع.

فالجامعة التي تضاعف أعداد خريجيها كل عام من دون أن تضاعف معها مستوى الكفاءة، لا تحقق تقدمًا حقيقيًا؛ إنها توسع حجم المشكلة.

وحين يتخرج آلاف الطلاب سنويًا وهم يحملون شهادات متشابهة، بينما يعجز كثير منهم عن إظهار المهارات الأساسية التي يحتاج إليها سوق العمل، فإننا أمام مشكلة لا تتعلق بالطالب وحده، وإنما بالنظام التعليمي كله.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه على الجامعات ووزارة التعليم العالي ومجالس الاعتماد ليس:

كم طالبًا خرّجنا هذا العام؟

بل:

ماذا يستطيع خريجونا أن يفعلوا بعد تخرجهم؟

وهنا يبدأ الفرق بين الجامعة التي تنتج الشهادات، والجامعة التي تنتج المعرفة والمهارات والإنسان القادر على مواجهة المستقبل.

إنقاذ التعليم العالي لا يبدأ بزيادة عدد الجامعات، ولا بزيادة أعداد المقبولين، ولا بتوسيع حفلات التخرج، وإنما يبدأ بإعادة الاعتبار إلى جودة التعليم، وصرامة التقييم، ونزاهة الامتحان، وكفاءة الأستاذ، وعمق المناهج، والبحث العلمي، وربط الشهادة بالكفاءة.

فالجامعة التي ترفع أعداد الخريجين بينما تخفض مستوى المخرجات قد تبدو ناجحة في إحصاءاتها، لكنها تخسر معركتها الأساسية: معركة بناء الإنسان.

التسطيح والسطحية في الجامعات: حين يتحول همُّ الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين سما نيوز.

التسطيح والسطحية في الجامعات حين يتحول هم الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


سما نيوز التسطيح والسطحية في الجامعات حين يتحول هم الجامعة من

كانت هذه تفاصيل التسطيح والسطحية في الجامعات: حين يتحول همُّ الجامعة من جودة المخرجات إلى كثرة الخريجين نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم