اخبار عربية الاختيار الانتخابي
اليكم الان الاختيار الانتخابي والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
اقتراع 23 شتنبر..قراءة سوسيوتربوية في الاختيار الانتخابي
في خضم الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر 2026، يبدو السؤال الانتخابي للوهلة الأولى سؤالا سياسيا؛ من سنختار؟ غير أن النظر إليه من زاوية سوسيوتربوية يجعله أعمق من ذلك بكثير؛ إذ يصبح السؤال كيف نختار؟ وما الذي يؤثر في اختياراتنا؟ وهل نمتلك من الوعي النقدي ما يجعل اختيارنا فعلا حرا ومسؤولا؟
فالانتخاب ليس مجرد لحظة تقنية نضع فيها ورقة في صندوق، وإنما هو فعل اجتماعي تتداخل في تشكيله الذاكرة، والمصلحة، والثقة، والانتماء، والتجربة السابقة، والخطاب السياسي، والصورة الذهنية، وتأثير الأسرة والمحيط، ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي انتخابات 2026 يتنافس (27 حزبا على 395 مقعدا) بمجلس النواب، في سياق حملة انتخابية تستمر حتى منتصف ليل يوم الثلاثاء 22 شتنبر، وهو ما يجعل المواطن المغربي أمام تعدد في الخطابات والرسائل والصور والوعود.
لكن أهمية الاختيار لا تتوقف عند أسماء المنتخبين؛ فالبرلمان والحكومة والسياسات العمومية تشكل جزءا من البيئة التي سيعيش فيها المواطن وأبناؤه. فالتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والثقافة والتنمية الترابية ليست قطاعات بعيدة عن الحياة اليومية، بل هي شروط اجتماعية ومؤسساتية تتأثر بالاختيارات العمومية. ولذلك يمكن النظر إلى التصويت، بصورة سوسيولوجية، باعتباره نوعا من التوجيه الجماعي للمستقبل.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل، نحن نطلب من أبنائنا أن يحسنوا اختيار شعبهم وتخصصاتهم ومهنهم، وأن يدرسوا البدائل، ويقرأوا إمكاناتهم، وألا يخضعوا للانطباع أو ضغط الآخرين. لكن هل نمارس نحن القدر نفسه من الوعي حين نختار من نمنحهم مسؤولية المشاركة في صناعة القرار العمومي؟
إن الحملة الانتخابية نفسها تكشف أهمية هذا السؤال؛ فهي ليست فضاء للبرامج فحسب، وإنما فضاء لإنتاج الصور الذهنية والتأثير في العاطفة وبناء الثقة أو هدمها. وقد نجد، أحيانا، خطابا يقوم على الحجة والبرنامج والمعطيات، كما قد نجد خطابا انفعاليا يستثمر الخوف أو الغضب أو السخرية أو حتى السباب تجاه الخصوم. ولا تكمن المشكلة هنا في اختلاف المواقف، فالاختلاف طبيعي، وإنما في انتقال الاختلاف من المنافسة بين الأفكار إلى استثارة الانفعالات بما قد يؤثر في الحكم على الأشخاص والبرامج.
وانطلاقا من المنظور السوسيولوجي، نجد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير؛ إنها أيضا أداة للتأثير. فحين يتكرر وصف معين لفاعل سياسي أو جماعة أو قضية، تتشكل تدريجيا صورة ذهنية قد تصبح أقوى من المعطيات نفسها. ومع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن يعيش تدفقا هائلا من الرسائل، بعضها معلومات، وبعضها دعاية، وبعضها تعبير عاطفي، وبعضها إعادة إنتاج لمواقف الآخرين. وهنا يصبح امتلاك القدرة على التمييز بين الحجة والانفعال، والبرنامج والصورة، والمعلومة والدعاية جزءا من التربية على المواطنة.
ومن هنا يمكن استحضار غرامشي، الذي لم يحصر وظيفة المثقف في إنتاج المعرفة، بل ربطها بالتواصل والتربية وبناء الوعي داخل المجتمع؛ فالمثقف، في تصوره، يؤدي وظيفة اجتماعية في صياغة الرؤية للعالم وتكوين الوعي النقدي. كما يمكن استحضار سارتر وفكرة المثقف الملتزم، لا بمعنى المثقف الذي يتحول إلى داعية لحزب أو طرف، وإنما المثقف الذي يرفض الحياد السلبي أمام القضايا التي تمس الإنسان والمجتمع.
بناء عليه أعتقد أن دور المثقف في لحظة انتخابية لا ينبغي أن يكون إخبار الناس بمن يصوتون له، وإنما مساعدتهم على أن يسألوا؛ ماذا نختار؟ لماذا نختار؟ ما مصادر معلوماتنا؟ ما قابلية البرامج للتنفيذ؟ وما الفرق بين الوعد الانتخابي والسياسة العمومية القابلة للإنجاز؟ إن الالتزام الحقيقي للمثقف، في هذا المعنى، هو الالتزام بالعقلانية وبالحقيقة وبالحق في الاختلاف وبالوعي النقدي.
وهذا ما يجعل الاختيار الانتخابي قريبا من فعل التوجيه. ففي التوجيه المدرسي لا نختار للمتعلم، وإنما نساعده على بناء معايير الاختيار. وبالمثل، لا ينبغي للتربية على المواطنة (المدنية) أن تختار للمواطن، بل أن تمنحه الأدوات التي تمكنه من الاختيار الواعي. فالمشكلة ليست أن تختلف الاختيارات، وإنما أن تصبح الاختيارات قابلة للتوجيه بواسطة الانفعال وحده، أو الصورة وحدها، أو الولاء وحده، أو خطاب الكراهية والسباب.
في الحالة المغربية، يحظى هذا الوعي بأهمية خاصة. في ظل الرهانات المرتبطة بجودة السياسات العمومية وفعاليتها وأثرها الاجتماعي والمجالي. وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك، في خطابه السامي بتاريخ 10 أكتوبر 2025، على ضرورة تغيير العقليات وطرق العمل وترسيخ ثقافة النتائج، اعتمادا على معطيات ميدانية دقيقة وأثر أقوى للبرامج. وهذه الفكرة تصلح أيضا معيارا عاما في التفكير الانتخابي؛ أن نقيس الخطاب بما يقترحه من نتائج قابلة للفهم والتقييم، لا بما يثيره من انفعال فقط.
لذلك فإن الاختيار المسؤول لا يعني البحث عن مرشح أو حزب مثالي؛ فهذا غير واقعي في المجتمعات المركبة. لكنه يعني أن نحاول الانتقال من سؤال؛ من يعجبني؟ إلى سؤال؛ ما الذي يقترحه؟ وهل أستطيع تقييمه؟، ومن الانطباع إلى المقارنة، ومن الذاكرة العاطفية إلى القراءة النقدية، ومن الشخص إلى البرنامج، ومن الشعار إلى الأثر المحتمل.
إننا حين نوجه أبناءنا لاختيار مستقبلهم، نعلمهم أن القرار الجيد يحتاج إلى معرفة الذات، وقراءة الواقع، ودراسة البدائل، وتحمل المسؤولية. والانتخاب، في جوهره، يحتاج إلى شيء قريب من ذلك (معرفة الواقع، وقراءة البرامج، ومقارنة البدائل، وتحمل مسؤولية الاختيار).
ولهذا فإن اقتراع 23 شتنبر ليس موعدا لاختيار ممثلين؛ إنه لحظة تربوية وسوسيولوجية لاختبار مستوى وعينا الجماعي بمعنى الاختيار. فنحن لا نختار فقط من يمثلنا اليوم، وإنما نساهم، بدرجات مختلفة، في اختيار الشروط السياسية والاجتماعية التي سيعيش داخلها أبناؤنا غدا.
فالاختيار الانتخابي، كما الاختيار التربوي والمهني، لا تكون قيمته في أن نختار فحسب، وإنما في أن نعرف لماذا اخترنا، وأن نمتلك الشجاعة الفكرية لمراجعة أحكامنا، وأن نتحمل مسؤولية ما يترتب عن اختياراتنا.
-عبد الحق لوشاحي، باحث ومكوّن بيداغوجي في علوم التربية، مختص في البيداغوجيا السياقية والتوجيه التربوي القائم على المشروع الشخصي للمتعلم، ومهتم بالقضايا السوسيولوجية والتنموية وقضايا المجتمع. يشتغل على التقويم القائم على الأثر والأداء المهني المستدام.
مراجع ووثائق:
البوابة الرسمية للمملكة المغربية (maroc.ma)، الانتخابات التشريعية 2026
القانون التنظيمي رقم 27.11
الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح البرلمان -10 أكتوبر 2025-.
موسوعة ستانفورد للفلسفة. دور المثقف ووظيفته الاجتماعية.
جان بول ساتر، دفاع عن المثقفين. ترجمة جورج طرابيشي، ط 1 (1973) منشورات دار الآدب بيروت.
الاختيار الانتخابي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل الاختيار الانتخابي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.