اخبار محلية قوارب تحترق وأرزاق تتلاشى.. التصعيد يضيّق الخناق على صيادي الساحل الغربي
اليكم الان قوارب تحترق وأرزاق تتلاشى.. التصعيد يضيّق الخناق على صيادي الساحل الغربي والان إلى التفاصيل من المصدر يمن مونيتور:
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي
كان “سالم أمين” يعرف قيمة كل رحلة بحرية قبل أن يدفع قاربه بعيدًا عن الشاطئ؛ يحسب كمية الوقود، وثمن الثلج، وما يحتاجه أطفاله في المنزل، ثم يراقب البحر بحثًا عن رزق يوم جديد. لكن خلال الأسابيع الأخيرة، تغيرت الحسابات في مناطق جنوب الحديدة وغربي تعز، وصولًا إلى المخا وباب المندب، وأصبح الصياد يحمل معه إلى البحر خوفًا لا يظهر في شباكه، لكنه يعود معه إلى البيت كل مساء.
يقول “سالم”، وهو صياد من الساحل الغربي لتعز، في شهادة لـ”يمن مونيتور”: “القارب كان كل ما أملك، ما عندي راتب ولا وظيفة ثانية أرجع لها. كنت أطلع البحر وأرجع بالسمك، ومنه آكل وأصرف على أولادي وأسدد الديون. وعندما فقدنا القوارب بالضربات الحوثية على الساحل، خسرنا الشغل الذي نعيش منه”.
وخلف هذه الجملة تقف أسر كاملة مرتبطة برحلة الصيد اليومية؛ من الصياد نفسه إلى بائعي الأسماك والعمال والناقلين وأصحاب محال إصلاح القوارب والشباك.
البحر المغلق
القصف الذي طال مدينة المخا وميناءها والمناطق المحيطة بها جعل الخروج إلى البحر مخاطرة لا يستطيع كثير من الصيادين تحملها. وفي أغسطس الماضي، تحدثت تقارير عن تعليق نشاط الصيد في أعقاب الهجمات، فيما شارك صيادون وعمال ميناء وبحارة في وقفة احتجاجية بالمخا، محذرين من تداعيات التصعيد على مصادر رزقهم.
وبالنسبة للصياد، فإن توقف البحر لا يعني توقف مهنة فحسب، بل انقطاع سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ بالقارب وتنتهي بالطعام على مائدة الأسرة.
يقول “ناصر ذياب”، وهو صياد من المخا، لـ”يمن مونيتور”: “قبل التصعيد كنا نحسب تعبنا من البحر، كم صرفنا ديزل وكم رجعنا سمك، وعلى إثر ذلك نحسب الربح والخسارة. أما الآن فنحسب الخطر قبل أن نحسب الرزق. الواحد يجهز قاربه ويجلس يتردد: أخرج وإلا أجلس؟ إذا خرجنا نخاف على حياتنا، وإذا جلسنا في البيت ما معنا دخل. الصياد يعيش من البحر، وإذا أُغلق البحر أمامه ما عنده باب ثاني يطرقه”.
ويختم ذياب بالقول: “حسبي الله ونعم الوكيل على كل من كان السبب بقطع أرزاقنا”.
وفي 17 أغسطس، خرج صيادون وعمال ميناء في المخا إلى وقفة احتجاجية، وقالت تقارير صحفية إن الهجمات على المدينة والميناء والمياه المحيطة بها أثرت على النشاط البحري، فيما تحدث أقارب صيادين نازحين في حديث خاص لـ”يمن مونيتور” عن انقطاع الاتصال بذويهم أثناء الهجمات.
وقال محمد حميدان، قريب أحد الصيادين، لـ”يمن مونيتور”، إن الاتصال بابن شقيقه الصياد انقطع خلال إحدى الهجمات. مثل هذه اللحظات تجعل البحر حاضرًا داخل البيوت، حتى عندما لا يكون الصياد في قاربه.
من جهتها، تقول “أم أحمد”، زوجة صياد في الساحل الغربي نزحت إلى عدن عقب دخول الحوثيين مديرية المخا، لـ”يمن مونيتور”: “أكثر شيء تغير في البيت خلال هذا التصعيد والضربات هو الانتظار. من قبل كان زوجي يخرج وأعرف تقريبًا متى يرجع، أما الآن فكلما تأخر أمسك التلفون وأتصل به. أحيانًا لا يرد، وأجلس أفكر أين هو. وعندما يعود لا أسأله كم اصطاد، أسأله أولًا: هل أنت بخير؟ نحن نحتاج رزقه، لكننا نحتاجه حيًا أكثر”.
وبالنسبة للأسر الساحلية، أصبح الخوف خلال هذا التصعيد المستمر جزءًا من اقتصاد البيت؛ فكل رحلة صيد تحمل احتمال انقطاع الدخل، واحتمالًا آخر أشد قسوة يتعلق بسلامة من يذهب إلى البحر.
ويشير البنك الدولي إلى أن مصايد الأسماك توفر سبل العيش لنحو 60 ألفًا إلى 80 ألف صياد حرفي وأسرهم في اليمن، مع ارتباط أعداد أكبر بالقطاع عبر تجهيز الأسماك وتسويقها ونقلها وبناء القوارب وإصلاحها. كما واجه القطاع خلال سنوات الحرب أضرارًا طالت القوارب ومواقع الإنزال والتخزين البارد، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود.
لذلك، يضيف التصعيد الأخير خسائر جديدة إلى قطاع يعاني أصلًا سنوات طويلة من التراجع والاضطراب.
قوارب محترقة
في جزيرة حنيش، أخذت الخسارة شكلًا يمكن رؤيته بالعين: قوارب محترقة، ومعدات مدمرة، وصيادون يغادرون المكان الذي اعتادوا العودة إليه بعد رحلاتهم.
وفي 28 أغسطس، أفادت تقارير بإصابة ستة صيادين وتدمير أو احتراق 12 قاربًا، فيما وصل أكثر من 120 صيادًا إلى الخوخة. وبالنسبة للصياد الذي لا يملك راتبًا ثابتًا، فإن القارب هو مكان العمل ورأس المال ومصدر دخل الأسرة في آن واحد.
يقول “عبدالله”، وهو اسم مستعار لصياد متضرر فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: “القارب كان كل حياتي. أفكر: لو احترق القارب كيف أرجع للبحر؟ حتى لو وجدت مكانًا آمنًا، من أين أجيب قيمة القارب والمحرك والشباك؟ أنا لا أملك شيئًا آخر أشتغل فيه. رجعت للبيت بعد ما حرق بالضربات الحوثية وأنا أفكر في أولادي قبل أن أفكر في نفسي. هم لا يعرفون أن القارب الذي كان يرجع لنا بالسمك كل يوم لم يعد موجودًا”.
وبحسب رئيس جمعية الصيادين في الخوخة، فؤاد دوبلة، فإن القصف في ذلك اليوم، 28 أغسطس، أدى إلى تدمير 12 قاربًا يعمل عليها أكثر من 120 صيادًا، فيما تحدث عبد الله سعيد دوبلة، عاقل صيادي أبناء الخوخة، عن خسائر للصيادين تجاوزت خمسة ملايين ريال.
ويقول “محمود محروس”، وهو اسم مستعار لصياد يعيل أكثر من أسرة، في شهادة لـ”يمن مونيتور”: “أنا ما أعيل بيتي فقط، معي أولادي وأهلي، وأحيانًا يشتغل معي أشخاص يعتمدون على الرحلة. وعندما أتوقف عن العمل يتأثر أكثر من بيت، ليس أسرتي فقط. الناس تشوف القارب واقف على الشاطئ وتقول هذا قارب، لكن نحن نشوفه راتبنا وطعامنا ودواءنا ومدرستنا. يعني القارب إذا توقف، البيت كله يتوقف معه”.
وتظهر الخسارة بصورة أكبر عندما تختفي أدوات الصيد نفسها. فالصياد الذي يفقد قاربه أو محركه أو شباكه لا يستطيع العودة إلى البحر في اليوم التالي حتى لو هدأت الأوضاع؛ إذ يحتاج إلى رأس مال جديد، وسوق، ووقود، ومعدات، ومكان آمن للإنزال.
ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع تكلفة الوقود وضعف البنية التحتية للصيد والنقل والتخزين من الضغوط القائمة على القطاع، ما يجعل استعادة العمل بعد خسارة مفاجئة عملية شاقة على أسرة تعيش أصلًا على دخل يومي.
رزق مكسور
في المخا، امتدت آثار التصعيد إلى النشاط الاقتصادي المحيط بالميناء. وفي أغسطس، قال مدير ميناء المخا عبد الملك الشرعبي إن النشاط الملاحي والتجاري توقف، وقدر الخسائر المباشرة بنحو 16 مليون دولار، مع تضرر ست سفن خشبية وحفار، فيما قال إن نحو 1300 عامل فقدوا مصدر دخلهم المرتبط بنشاط الميناء.
ورغم أن هذه الأرقام تخص الميناء، فإن الصياد جزء من الاقتصاد نفسه؛ فكل رحلة صيد تحتاج إلى وقود وثلج ونقل وبيع وإصلاح وخدمات.
ويقول “ياسر عرفات”، وهو صياد من المخا، لـ”يمن مونيتور”: “حتى لو القارب موجود، الصيد يحتاج شباك ومحرك ووقود وثلج. إذا تلفت الشبكة أو تعطل المحرك، تحتاج فلوس لإصلاحه، ونحن من أين نأتي بها ونحن أصلًا لا نعمل؟ الديون تزيد، والأسعار تزيد، والرحلات تقل. المشكلة ليست يومًا أو أسبوعًا، كل يوم يتوقف فيه الصياد يزيد المسافة بينه وبين القدرة على العودة إلى عمله”.
وحين يتوقف الصياد عن البحر، لا تتوقف الأزمة عند باب منزله. هناك من يشتري الأسماك منه، ومن ينقلها إلى الأسواق، ومن يصلح المحرك، ومن يبيع الوقود والثلج، ومن يعمل في تجهيز الأسماك.
ويوضح البنك الدولي أن القيمة الاقتصادية للمصايد اليمنية تمتد إلى قطاعات عديدة مرتبطة بالصيد، ما يجعل توقف النشاط في منطقة ساحلية ضربة تتوزع على عدد كبير من الأسر، حتى إن لم تكن تملك قاربًا.
وتقول “خديجة ثابت”، وهي زوجة أحد الصيادين في ساحل تعز الغربي: “منذ توقف زوجي عن الصيد، بدأنا نحسب كل شيء، حتى الأكل والدواء والمدرسة، وحتى قيمة المواصلات. الأشياء التي كنا نشتريها دون تفكير رجعنا نفكر فيها أكثر من مرة. هو يتعب لأنه يشعر أنه عاجز عن توفير احتياجات البيت، ونحن نتعب لأننا نراه أمامنا يحمل هذا الهم كل يوم”.
ولا تقف آثار الخسارة عند حدود الدخل. فالأسماك مصدر مهم لغذاء المجتمعات الساحلية، فيما تعتمد أسر كثيرة على القطاع بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ويشير البنك الدولي إلى أن صادرات الأسماك اليمنية انخفضت بنحو 25% خلال سنوات الأزمة، إلى جانب الضغوط المرتبطة بتغير المناخ وارتفاع حرارة البحر. لذلك يأتي التصعيد الحالي فوق أزمة اقتصادية وبيئية متراكمة، ما يجعل قدرة الأسر الساحلية على امتصاص خسارة جديدة محدودة.
ويقول الصياد “سالم” في شهادته لـ”يمن مونيتور”: “نحن أهل البحر، ما نعرف مهنة ثانية. من صغرنا ونحن نعرف مواسم السمك والرياح. الحرب خلتنا نخاف من الشيء الذي كنا نعرفه أكثر من أي مكان آخر. البحر بالنسبة لنا كان رزقًا، والآن الواحد ينظر إليه ويتساءل: هل يرجع منه أم لا؟”.
خوف يمتد
على امتداد الساحل من جنوب الحديدة إلى الخوخة والمخا، وصولًا إلى باب المندب، يعيش الصيادون في جغرافيا شديدة الحساسية. فقرب مناطق الصيد من طرق الملاحة، ووجود نشاط عسكري متصاعد، وتعرض مراسٍ وموانئ ومناطق ساحلية لهجمات، كلها عوامل تجعل الرحلة البحرية أكثر تعقيدًا.
وفي حنيش، أظهر استهداف مرسى للصيادين أن الخطر يمكن أن يصل إلى مكان يفترض أن يكون نقطة تجمع وراحة، فيما تعرض ميناء المخا لهجمات خلال الفترة نفسها.
وفي رصد للفترة بين 21 أغسطس و4 سبتمبر الجاري، أشار مركز سوث24 إلى تصعيد في الساحل الغربي شمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وقال إن ستة صيادين قتلوا ودمرت 12 قاربًا في حادثة حنيش وفق ما أعلنته القوات الحكومية، مع تنبيه المركز إلى أنه لم يتحقق بصورة مستقلة من حصيلة الخسائر. كما أشار إلى تدمير زورق مفخخ استهدف ميناء المخا في 3 سبتمبر.
وتجعل هذه التطورات العمل في البحر أكثر ارتباطًا بحسابات أمنية تتجاوز قدرة الصياد العادي على التحكم بها.
يقول “حسن السهيمي”، وهو اسم مستعار لصياد قريب من منطقة باب المندب: “نحن نعيش من البحر وفي منطقة تمر فيها الأحداث الحالية. لا نستطيع الابتعاد عن البحر لأن رزقنا فيه، ولا نستطيع الاقتراب منه وكأن شيئًا لا يحدث. الصياد أصبح أمام خيارين صعبين: رزق فيه مخاطرة، أو جلوس في البيت بلا دخل”.
وبالقرب من رأس العارة في لحج، تتداخل مخاطر البحر الطبيعية مع المخاطر الأمنية والاقتصادية. ففي يوليو الماضي، فُقد قارب صغير وعلى متنه صيادان أثناء رحلة من السواحل الصومالية باتجاه رأس العارة، على مسافة نحو 25 ميلًا بحريًا من الساحل اليمني، وشاركت قوارب أخرى في البحث عنهما.
وتوضح هذه الحادثة طبيعة البيئة البحرية التي يعمل فيها الصيادون أصلًا، قبل إضافة مخاطر الصراع بالحجم الجاري حاليًا.
وتقول “أم الصياد محمد محمود”: “ابني تربى على البحر، وكل حياته منه. عندما يقول لنا إنه لن يخرج، نفرح لأنه أمامنا، ثم نفكر كيف سيعيش؟ وعندما يقول إنه سيخرج، نسكت لأننا نعرف أنه يحتاج العمل. هذه أصعب حاجة يعيشها أهل الصياد: إذا خرج تخاف عليه، وإذا جلس تخاف من الجوع”.
وفي نهاية كل يوم، يريد الصياد أن يعود بقاربه، يبيع ما اصطاده، ويدخل إلى منزله وفي يده ما يكفي ليوم آخر. غير أن الأسابيع الأخيرة دفعت هذه المعادلة البسيطة إلى مساحة أكثر قسوة.
القوارب التي احترقت في حنيش، والرحلات التي توقفت في المخا، والخوف الذي يرافق الصيادين على امتداد الساحل، كلها خسائر يمكن عد بعضها بالأرقام، فيما تبقى خسائر أخرى داخل البيوت: أم تنتظر اتصالًا، وزوجة تحسب مصروف الأسبوع، وطفل يسأل عن أبيه، وصياد ينظر إلى قاربه المتوقف ولا يعرف متى يستطيع أن يدفعه مرة أخرى نحو البحر.
وبين جنوب الحديدة وغربي تعز والمخا وباب المندب ورأس العارة، تبدو قصة الصيادين أكبر من قصة مهنة توقفت مؤقتًا؛ إنها قصة أسر يرتبط طعامها ودخلها ومستقبل أبنائها بمياه أصبحت أكثر خطورة، وقوارب تحولت من أدوات للرزق إلى أهداف محتملة للخطر.
وكلما طال توقف البحر، اتسعت المسافة بين هذه الأسر وبين قدرتها على استعادة حياتها القديمة، حين كان أكبر هموم الصياد أن يعود آخر النهار بشباكه ممتلئة.
قوارب تحترق وأرزاق تتلاشى.. التصعيد يضيّق الخناق على صيادي الساحل الغربي يمن مونيتور.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل قوارب تحترق وأرزاق تتلاشى.. التصعيد يضيّق الخناق على صيادي الساحل الغربي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على يمن مونيتور و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.