اخبار محلية مقهاية سكران في كريتر عدن .. برلمان الفقراء وجامعة الشعب التي لم تغلق بابها أبدا
اليكم الان مقهاية سكران في كريتر عدن .. برلمان الفقراء وجامعة الشعب التي لم تغلق بابها أبدا والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز:
بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
في قلب كريتر النابض وتحديدا في شارع الشيخ عبدالله الذي يفوح برائحة البخور والتوابل والملح القادم من صيرة كانت تقع مقهاية سكران أشهر مقهى شعبي عرفته عدن في تاريخها الحديث كله. لم يكن مجرد مقهى يقدم الشاي والخمير بل كان دولة صغيرة قائمة بذاتها لها دستورها ولها شعبها ولها تاريخها الذي يمتد لأكثر من مائة وستة عشر عاما.
تأسست مقهاية سكران سنة 1910 م على يد الحاج محمد عبد الله سكران الرجل العصامي القادم من رداع والذي جاء إلى عدن لا يملك شيئا فصار بعرقه وجهده يملك أشهر مقهى في الجزيرة العربية. وقد اختار موقعها بذكاء شديد في وسط كريتر حيث ملتقى كل الناس التجار الهنود والصومال واليمنيين من كل المحافظات والعمال والطلبة والبحارة القادمين من الميناء.
ومنذ يومها الأول تحولت مقهاية سكران إلى ظاهرة اجتماعية لم تعرفها عدن من قبل. ففي الصباح الباكر وقبل شروق الشمس كانت تفتح أبوابها الخشبية العتيقة لتستقبل عمال الميناء والبناء والجمالة الذين يأتون ليشربوا شاهي الصباح الحار مع خميرة ساخنة وكانت رائحة الشاي الملبن المحوج بالهيل والقرنفل تملأ الشارع كله وتوقظ النائمين.
وفي وقت الضحى كانت تتحول إلى بورصة شعبية مصغرة يجتمع فيها تجار المواشي وبياعو الخضار والسماسرة ليعقدوا صفقاتهم على طاولة خشبية صغيرة وقدح شاي بخمسة فلسات. لم تكن هناك عقود مكتوبة ولا أختام رسمية بل كانت كلمة الرجل في مقهى سكران هي العقد وهي الضمان وكانت الثقة هي رأس المال الحقيقي.
أما في وقت الظهيرة وبعد صلاة العصر فكانت مقهاية سكران تتحول إلى برلمان شعبي مفتوح وجامعة شعبية كبرى. كان يجلس على كراسيها الخشبية المتآكلة كل أطياف المجتمع العدني الفقير والغني والمتعلم والأمي والشمالي والجنوبي والعدني واللحجي والحضرمي والصنعاني وكلهم يتحدثون بصوت واحد عن السياسة وعن الاستعمار البريطاني وعن جمال عبد الناصر وعن ثورة 14 أكتوبر وعن سالمين وقحطان الشعبي.
ولم تكن مقهاية سكران بعيدة عن السياسة أبدا بل كانت في قلبها. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت المنشورات السرية للجبهة القومية وجبهة التحرير توزع من تحت طاولاتها الخشبية وكان المناضلون يجتمعون في ركنها الخلفي الضيق ليخططوا للمظاهرات ضد الإنجليز. وكان صاحب المقهى نفسه الحاج سكران رجلا وطنيا شجاعا يحمي الشباب الثوار ويخفي منشوراتهم في أكياس الشاي والسكر ولا يخاف من جنود بريطانيا الذين كانوا يداهمون المقهى بين الحين والآخر.
وكان لمقهاية سكران طقوسها الخاصة التي لا يعرفها إلا روادها القدامى. فالشاي فيها له طعم آخر لا يوجد في أي مقهى آخر في عدن. كان شايا ملبنا ثقيلا محوجا يطبخ على الحطب لساعات طويلة في قدر نحاسي كبير أسود من كثرة الاستعمال وكان يقدم في كاسات زجاجية صغيرة جدا تسمى كاسات أبو وردة وكان معه دائما صحن خمير حالي حار أو باجية مقلية أو سمبوسة عدني.
وكان المقهى مقسما عرفيا إلى ثلاثة أقسام غير مكتوبة لكن الكل يعرفها. القسم الأمامي للشيوخ والكبار والوجهاء والقسم الأوسط للشباب والعمال والقسم الخلفي شبه المظلم للمناضلين والسياسيين وطلاب المدارس الذين يقرؤون الصحف بصوت عال. وكانت هناك طاولة واحدة في الوسط تسمى طاولة الحكماء لا يجلس عليها إلا كبار السن الذين يحلون مشاكل الناس وخلافاتهم وهم يشربون الشاي.
وقد مرت مقهاية سكران بكل تحولات عدن السياسية فمن الاستعمار البريطاني إلى الاستقلال الوطني إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى الوحدة اليمنية إلى حرب 1994 وما بعدها وظلت صامدة ثابتة كجبل شمسان لا تهزها العواصف. وحتى عندما تغيرت أسماء الشوارع وتغيرت الحكومات وتغيرت العملات ظلت مقهاية سكران تحمل نفس الاسم ونفس الطعم ونفس الرائحة.
إن مقهاية سكران لم تكن مجرد مقهى بل كانت ذاكرة عدن الحية ومتحفها الشعبي المفتوح. فعلى جدرانها المليئة بالسواد من دخان السجائر والبخور كتب تاريخ مدينة كاملة وعلى طاولاتها الخشبية المحفورة بأسماء العشاق والطلاب كتبت قصص حب وحكايات ثورة وأحلام صغيرة وكبيرة.
ولذلك حين نتحدث عن مقهاية سكران فإننا لا نتحدث عن محل تجاري أغلق أو كاد أن يغلق بل نتحدث عن روح عدن التي لا تموت وعن برلمان الفقراء الذي علم الناس أن كأس الشاي الصغير يمكن أن يكون أكبر من كل قاعات البرلمانات الرسمية.
بقلم الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي من مدينة كريتر عدن
مقهاية سكران في كريتر عدن .. برلمان الفقراء وجامعة الشعب التي لم تغلق بابها أبدا
هذا المقال من كتاب: “جزء من أعلام ومعالم مدينة عدن المقاهي الشعبية نموذجا 1870 – 2026 م، زكو وسكران وكشر وسيلان والشجرة خمسة مقاهي صنعت تاريخ عدن، دراسة وثائقية أكاديمية موسعة، تأليف الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي”
مقهاية سكران في كريتر عدن .. برلمان الفقراء وجامعة الشعب التي لم تغلق بابها أبدا سما نيوز.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل مقهاية سكران في كريتر عدن .. برلمان الفقراء وجامعة الشعب التي لم تغلق بابها أبدا نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.