- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية ناصر بحاح.. حين يصبح الميكروفون جسرًا إلى الأدب

اخبار عربية
الاول _ من قلب الحدث قبل ساعة و 58 دقيقة

اليكم الان ناصر بحاح.. حين يصبح الميكروفون جسرًا إلى الأدب والان إلى التفاصيل من المصدر الاول _ من قلب الحدث:

في زمنٍ لم تكن فيه الشاشات الصغيرة قد غزت البيوت بعد، كان الميكروفون في إذاعة عدن أكثر من مجرد أداةٍ تقنية تقف أمامها الأصوات. كان نافذةً مفتوحةً على المدينة، وعلى ما يعتمل في عقول الناس ووجدانهم. ومن خلف ذلك الميكروفون تدفّقت الأخبار والأغاني والقصائد والحكايات والحوارات، وتسللت أصوات المذيعين إلى البيوت حتى غدت، مع مرور الزمن، جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية.

ومن بين تلك الأصوات يبرز اسم ناصر محفوظ بحاح؛ المذيع الذي حباه الله حنجرةً ذهبيةً وصوتًا متميزًا، والذي لم يكتفِ بالوقوف عند حدود المهنة، بل جعل من الإعلام طريقًا إلى الأدب والثقافة، ومن الأدب مادةً حيةً تصل إلى الناس عبر الإذاعة والتلفزيون.

**

وُلد ناصر محفوظ بحاح في الديس الشرقية بحضرموت عام 1957، وانتقل مع أسرته إلى عدن وهو لا يزال طفلًا. ومنذ صباه أظهر تمكّنًا لافتًا من اللغة العربية، وهو ما مهّد له لاحقًا مسيرته في عالمَي الصحافة والإعلام.

وبفضل هذا التمكّن اللغوي أُوكلت إليه مهمة سكرتارية تحرير مجلة (الشباب) في سبعينيات القرن الماضي. وكانت تلك المحطة الصحفية نقطة تحوّل في مساره؛ فحين استمع الإعلامي جمال الخطيب إلى صوت ناصر، أدرك ما يختزنه من إمكانات، فعزم على نقله من ميدان الصحافة المكتوبة إلى فضاء الإذاعة أولًا، ثم التلفزيون لاحقًا.

وهكذا التحق ناصر منذ شبابه بإذاعة عدن وتلفزيونها، فعمل مذيعًا للأخبار، ومعدًّا ومقدّمًا للبرامج — ولا سيّما الأدبية والثقافية منها — وتولّى إلى جانب ذلك عددًا من المسؤوليات القيادية، من بينها إدارة البرامج الثقافية، وإدارة برامج المنوعات، ومنصب كبير المذيعين.

ولم تكن تجربته مجرد رحلةٍ طويلة أمام الميكروفون والكاميرا، بل كانت رحلةً في قلب المشهد الإعلامي والثقافي في عدن، عاصر خلالها أجيالًا من المذيعين والأدباء والفنانين، وأسهم في صناعة برامج ظلّت عناوينها راسخةً في ذاكرة المستمعين والمشاهدين.

**

من الميكروفون إلى الشاشة

في تلك السنوات، كانت إذاعة عدن أكبر من مؤسسةٍ إعلامية؛ كانت فضاءً ثقافيًا تتجاور فيه الأخبار مع الأدب، والموسيقى مع الحوار، والشعر مع البرامج الاجتماعية. وكان الوصول إلى الميكروفون يتطلّب أكثر من مجرد حسن الأداء الصوتي؛ إذ كان يستلزم ثقافةً لغوية، وحضورًا شخصيًا، وقدرةً على التواصل مع المستمع.

في هذا الوسط الغنيّ بنى ناصر بحاح تجربته الطويلة، متنقلًا بين نشرات الأخبار والبرامج، وبين العمل أمام الميكروفون والمسؤوليات الإدارية والتحريرية. ولم يكتفِ بما تمنحه إياه الممارسة اليومية، بل حرص على تطوير تكوينه المهني، فحصل على دبلوم بالمراسلة من بيروت، وشارك في دورةٍ تدريبية طويلة في مجال الإعلام بالمعهد العالي للدراسات الاجتماعية والإنسانية في القاهرة.

كان ذلك كله جزءًا من رحلة إعلاميٍّ أراد أن يظل قريبًا من المعرفة، رافضًا أن يقنع بخبرة الاستوديو وحدها.

«أطروحات على الهواء».. حين تتحول الإذاعة إلى حوار

من أبرز البرامج التي ارتبطت باسم ناصر بحاح برنامج «أطروحات على الهواء»، الذي استمرّ خمسة عشر عامًا. وكان عنوان البرنامج يختزل جانبًا من روحه؛ فالأفكار فيه لم تكن مادةً جاهزةً تُلقى على المستمع، وإنما «أطروحات» قابلة للنقاش، تفتح أبواب الحوار وتتيح للمستمع أن يكون طرفًا فاعلًا في الموضوع لا متلقيًا سلبيًا.

عبر هذا البرنامج وجد ناصر بحاح مساحةً يمارس فيها أدواره الثلاثة مجتمعةً: المُعِدّ، والمُقدِّم، والمُحاوِر. ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن في زمنٍ كانت فيه الإذاعة الوسيط الرئيس للوصول إلى الجمهور، وكان البرنامج الحواري يتطلّب إعدادًا محكمًا، وإدارةً دقيقة للنقاش، وحضورًا ثقافيًا لدى المقدّم.

وبعد سنواتٍ طويلة، تبدو أرشيفات «أطروحات على الهواء» — إن أمكن الوصول إلى تسجيلاتها وحلقاتها — جزءًا مهمًا من المادة التي يمكن أن تُسهم في كتابة تاريخ البرامج الحوارية والثقافية في إذاعة عدن.

«خفق القوافي».. ربع قرنٍ والشعر على الميكروفون

لكن علاقة ناصر بحاح بالأدب تتجلّى بصورةٍ أكثر وضوحًا في برنامجه «خفق القوافي»، الذي استمرّ خمسة وعشرين عامًا. وربع قرنٍ من الشعر على أثير الإذاعة ليس زمنًا عابرًا؛ إنه مدةٌ تكفي لأن يعبر أمام الميكروفون أكثر من جيلٍ من الشعراء، وأن تتبدّل القصائد والأصوات والموضوعات، بينما يظلّ البرنامج مساحةً مفتوحةً للشعر ومحبّيه.

ولأن ناصر بحاح نفسه كاتبٌ وأديبٌ وشاعر، لم يكن تعامله مع الشعر تعاملًا مهنيًا محضًا مع مادةٍ إذاعية؛ فقد كان الشعر قريبًا من تكوينه الشخصي، ولذلك وجد فيه مادةً طبيعيةً لعمله الإعلامي.

وإلى جانب «خفق القوافي»، قدّم إذاعيًا برامج أخرى من بينها «أدب الشباب» و«عقارب الساعة» و«من بطون المتون» وغيرها. ومن هنا يمكن فهم خصوصية تجربته: لم يكن الإعلام والأدب عالمين متجاورين في حياته فحسب، بل كان كلٌّ منهما يمدّ الآخر بما يحتاج إليه.

الأدباء الشباب.. حين التقت الثقافة بالإذاعة

لعلّ أبرز ما يكشف الجانب الثقافي في تجربة ناصر بحاح علاقته بمشهد الأدباء الشباب في عدن خلال سبعينيات القرن الماضي. كانت تلك مرحلةً شهدت نشاطًا لافتًا للشعراء والقصّاصين والنقاد وكتّاب المسرح والدراما، وكانت الصحافة والإذاعة والتلفزيون والمسرح وجامعة عدن ساحاتٍ أساسيةً للحركة الثقافية.

في ذلك المناخ ظهرت جمعية الأدباء الشباب، التي جاءت في سياق البحث عن إطارٍ يجمع الطاقات الأدبية الشابة ويوفّر لها مجالًا للنشاط والتواصل، وقد حظيت خطواتها الأولى برعاية المفكر عبد الله باذيب.

وتكتسب شهادة ناصر بحاح عن تلك التجربة أهميتها من موقعه داخل المشهد نفسه؛ فهو لم يكن مجرد مذيعٍ يقدّم برنامجًا أدبيًا، بل كان جزءًا من الوسط الثقافي وقريبًا منه، وقدّم في الوقت ذاته برنامج «أدب الشباب».

وهنا تتّضح واحدةٌ من أبرز سمات الحياة الثقافية في عدن آنذاك: لم يكن الأدباء الشباب يعيشون في عزلةٍ داخل الكتب والمجلات، بل كانت الإذاعة والتلفزيون والصحافة والندوات جزءًا من حركتهم اليومية، وجسرًا يصلهم بالجمهور.

التلفزيون.. وجهٌ آخر للصوت

ثم انتقلت تجربة ناصر بحاح من الميكروفون إلى الشاشة. وفي تلفزيون عدن ارتبط اسمه بعددٍ من البرامج الثقافية والفنية، منها «المجلة الثقافية» و«صفحات ثقافية» و«ضيف الشاشة» و«عالم السينما» و«ألبوم صور» وغيرها.

كان التلفزيون يفرض على المذيع شروطًا جديدة؛ فالصوت الذي صنع حضوره في الإذاعة أصبح له وجهٌ وحركةٌ ولغةٌ بصريةٌ أمام الكاميرا. ومع ذلك، لم يتغيّر جوهر اهتمام ناصر بحاح؛ فقد ظلّ الأدب والثقافة والفن حاضرةً في تجربته التلفزيونية. وهكذا بدا الانتقال من الإذاعة إلى التلفزيون امتدادًا طبيعيًا لمسيرةٍ واحدة، لا انتقالًا من مهنةٍ إلى أخرى.

صوتٌ وسط أصواتٍ أخرى

لا يمكن استعادة تجربة ناصر بحاح دون استحضار جيله من المذيعين والمعدّين والمخرجين الذين صنعوا معًا ذاكرة إذاعة عدن. ومن الشهادات التي تُضيء تلك المرحلة ما ورد عن عمله إلى جانب الإعلامية أمل بلجون؛ فقد جمعتهما برامج وندوات وبرامج للأطفال ونشرات وبرامج إخبارية، من بينها برنامج «حاول تنجح» الذي كان يُبثّ على الهواء مباشرة.

وهذه التفاصيل الصغيرة مهمّةٌ في كتابة تاريخ الإعلام؛ لأن الذاكرة الإذاعية لا يصنعها مذيعٌ منفرد. إنها حصيلة أصواتٍ متعددة، ومجهودٍ متكاملٍ من إعدادٍ وإخراجٍ وتحريرٍ وموسيقى واستوديو، ثم مستمعٌ يجلس في الطرف الآخر منتظرًا أن يبدأ البرنامج.

من عدن إلى الفضاء الإعلامي العربي

لم تظل تجربة ناصر بحاح محصورةً في إذاعة عدن وتلفزيونها، فقد شارك في عددٍ من البرامج التبادلية مع الإذاعات العربية، ومنها القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

كما انتُدب للعمل محاضرًا في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني التابع لاتحاد الإذاعات العربية في دمشق، ومثّل إذاعة عدن في عددٍ من الاجتماعات والدورات الخاصة باتحاد الإذاعات العربية في تونس.

ومن المحطات اللافتة في مسيرته الحوارية حواره المطوّل مع الأديب والروائي العربي العالمي، الحائز جائزة نوبل، نجيب محفوظ، إلى جانب لقاءاته وحواراته مع عددٍ من المفكرين والمثقفين والأدباء العرب.

وهنا تتجلّى أهمية التكوين الأدبي للمذيع؛ فالحوار مع الكاتب أو المفكر لا يقوم على الأسئلة وحدها، وإنما يحتاج إلى معرفةٍ عميقةٍ بما يقوله الضيف، وإلى قدرةٍ على الإصغاء ومتابعة الفكرة وفتح الطريق أمامها لتتّسع وتكتمل.

وفي سنواتٍ لاحقة، ظلّ ناصر بحاح قريبًا من الفن والثقافة، ومن برامجه في تلك المرحلة «محلا السمر»، هو برنامج رمضاني قدّمه في ثلاثين حلقة، استضاف خلاله شخصياتٍ ثقافيةً وفنيةً بارزة.

الأهمّ أن ناصر بحاح لم يترك ذاكرته المهنية حبيسة الاستوديو، بل عاد في كتاباته إلى بعض الوجوه والأصوات التي رافقته في مسيرته. ففي مقالٍ له عن الفنان محمد سعد عبد الله وأغنيته الشهيرة «ما بايديل»، استعاد جانبًا من علاقته بالأوساط الفنية والثقافية، وتحدّث عن شخصياتٍ عرفها خلال سنوات عمله، مستحضرًا كذلك تجربة البرنامج وضيوفه.

وهذه الكتابات تمنح الباحث في تاريخ عدن الثقافي شيئًا لا تمنحه قوائم البرامج وحدها: ذاكرةً من الداخل، يروي فيها الإعلامي ما بقي عالقًا في وجدانه من أصواتٍ وأشخاصٍ ومواقف.

وربما لا تكتمل صورة ناصر بحاح إذا بقي الحديث عنه داخل الاستوديو؛ فهو كاتبٌ وأديبٌ وشاعر، وقارئٌ ومتابعٌ للشأن الثقافي. ومن الشواهد على ذلك كتابته مقدمة كتاب «أشيائي» لمحمد عمر بحاح، حيث تناول التجربة الكتابية لصاحب الكتاب وما فيها من حكيٍ فنيٍّ وسردٍ ذاتي.

ومن هنا تبدو العلاقة بين الإعلام والأدب في تجربته أكثر وضوحًا. لم يكن مذيعًا اقترب من الأدب بحكم طبيعة بعض البرامج التي يقدّمها، بل كان أديبًا وجد في الميكروفون وسيلةً أخرى للتواصل مع الأدب. وهذا ما يفسّر بقاء البرامج الأدبية والثقافية في قلب تجربته المهنية طوال هذه السنوات.

خمسةٌ وأربعون عامًا.. وصوت ناصر لا يغيب

خمسةٌ وأربعون عامًا في الإذاعة والتلفزيون ليست مجرد رقمٍ في سيرةٍ مهنية؛ إنها حياةٌ كاملةٌ داخل مؤسسةٍ إعلامية، وعبورٌ عبر أجيالٍ متعاقبةٍ من المذيعين والأدباء والفنانين، ومشاهدةٌ لتحوّلات المدينة والمجتمع والإعلام.

خلال هذه الرحلة الطويلة، كان ناصر بحاح مذيع أخبار، ومعدًّا ومقدّمًا للبرامج، ومسؤولًا عن البرامج الثقافية والمنوعات، وكبيرًا للمذيعين، ومحاضرًا في مجال التدريب الإعلامي، ومشاركًا في النشاط الإعلامي العربي، وكاتبًا وشاعرًا، وقريبًا من الأدباء الشباب، ومحاورًا لمفكرين ومثقفين وأدباء.

لكن وراء كل هذه العناوين يبقى شيءٌ أكثر بساطةً وأشدّ رسوخًا: صوت. صوتٌ يدخل من جهاز الراديو إلى البيت، فيعرفه المستمع قبل أن يعرف اسم البرنامج. صوتٌ يرتبط بساعةٍ معينةٍ من اليوم، أو بمقدمةٍ موسيقية، أو بقصيدة، أو بحوار، أو بخبر. وهكذا تتحوّل الأصوات، مع الزمن، إلى جزءٍ من ذاكرة المدن.

واليوم، حين نستعيد تجربة ناصر بحاح، فإننا لا نستعيد مذيعًا واحدًا فحسب، بل نستعيد صورةً لزمنٍ كانت فيه إذاعة عدن وتلفزيونها جزءًا من الحياة الثقافية اليومية. كان الأدب يجد طريقه إلى المستمع عبر الميكروفون، وكانت القصيدة تتحوّل إلى صوت، والكتاب إلى حديث، والمثقف إلى ضيف، والشاعر إلى حضورٍ يصل إلى آلاف البيوت.

وفي قلب ذلك كله كان ناصر بحاح، الذي أمضى نحو خمسةٍ وأربعين عامًا وهو يتنقّل بين الخبر والبرنامج، وبين الإذاعة والتلفزيون، وبين الميكروفون والكتاب.

لذلك فإن استعادة سيرته ليست مجرد وفاءٍ لمذيعٍ قديم، بل هي محاولةٌ لاستعادة جانبٍ من الذاكرة الثقافية لعدن؛ ذاكرةٍ كان فيها للإعلام معنًى يتجاوز نقل الخبر، وللمذيع دورٌ يتجاوز قراءة النصّ.

لقد كان الميكروفون بالنسبة إلى ناصر بحاح جسرًا؛ عبره انتقل الخبر إلى الناس، لكن عبره أيضًا انتقلت القصيدة، والحكاية، والفكرة، وصوت المثقف. وربما لهذا السبب بقي صوته في الذاكرة: لأنه لم يكن مجرد صوتٍ يصل إلى الناس، بل كان صوتًا يأخذ الناس معه إلى عالم الأدب والثقافة.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل ناصر بحاح.. حين يصبح الميكروفون جسرًا إلى الأدب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم