- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية حين تصبح القوة قانونا

اخبار عربية
هسبريس قبل 2 ساعة و 7 دقيقة

اليكم الان حين تصبح القوة قانونا والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

يعيش الناس مع بعضهم، من حيث الأصل، على أساس المساواة. لكن قانون القوة يتدخل كثيرا ليفرض نفسه على هذا المبدأ ويغيّر حدوده. فمن يملك المال يقدر على التأثير أكثر من غيره، ومن يملك السلطة يقدر على اتخاذ القرار بشكل أوسع، ومن يملك المعرفة يستطيع توجيه الناس والتأثير في تفكيرهم. أما من يملك المعلومة في الوقت المناسب، فقد يكون تأثيره أحيانا أكبر من تأثير صاحب المال نفسه.

لا يحتاج القوي دائما أن يرفع يده أو يستعمل العنف. يكفي أن يملك شيئا يحتاجه الآخرون: المال، أو الوظيفة، أو الأرض، أو المعلومة، أو التوقيع، أو المعرفة بالشخص المناسب. عندها يصبح الرفض مكلفا، ويصبح القبول شبه إجباري، من دون أن يظهر ذلك للعيان. وهذه من أخطر أشكال السيطرة: أن يشعر الإنسان بأنه اختار، وهو في الحقيقة لم يكن أمامه سوى خيار واحد.

ولا يمارس الإنسان السيطرة بالعنف وحده، فقد طوّر وسائل أذكى من ذلك. فهو يستعمل السوق والإدارة والسياسة والقانون والخطاب، وأحيانا الدين، ثم يعطي لهذه الوسائل غطاء أخلاقيا يجعل القوة تبدو حقا مشروعا. فالقوة، لكي تفرض نفسها، تبحث دائما عن مبرر. الظلم يحتاج إلى كلام يغطيه، والاستغلال يحتاج إلى من يحسن الحديث عنه، والامتياز يحتاج إلى تفسير يبرره.

يستغل القوي الآخرين أحيانا باسم “قواعد السوق”. ويحصل صاحب النفوذ على ما لا يحصل عليه غيره بسبب معارفه، ثم يقال إن هذا راجع إلى “الخبرة والكفاءة”. ويفرض المحتكر شروطه لأن الآخرين لا يملكون بديلا، ثم يُقدَّم هذا على أنه منطق اقتصادي طبيعي. تتغير الكلمات، بينما يبقى الواقع كما هو أحيانا، فيتحول الكلام إلى ستار يخفي القوة بدل أن يكشفها.

ويبدو أن المال يستطيع تحقيق أشياء كثيرة: الوقت، والخبرة، والمحامي، والاستشارة، كما يفتح له الأبواب ويعطيه قدرة أكبر على الانتظار والتفاوض والدفاع عن مصالحه. في المقابل، لا يملك الفقير حتى رفاهية الانتظار.

فإذا كان القانون متاحا للجميع، فإن القدرة على استعماله ليست متساوية. يستطيع من يملك المال أن يخوض معركة قانونية طويلة، بينما يملك شخص آخر الحق نفسه، لكنه لا يملك ثمن المحامي ولا القدرة على تحمل سنوات من التقاضي. وهنا تظهر المفارقة: القانون يساوي بين الناس من حيث المبدأ، لكنهم لا يستطيعون مواجهته بالقدرة نفسها.

ولهذا تبدو عبارة أناتول فرانس عن المساواة أمام القانون ساخرة بقدر ما هي عميقة. فقد يعامل القانون الغني والفقير بالطريقة نفسها، لكن الغني يدخل المعركة بوسائل أقوى بكثير من وسائل الفقير. يمنح القانون الحق، لكن المجتمع هو من يحدد، في أغلب الأحيان، من يستطيع الوصول إلى هذا الحق واستعماله فعلا.

ولا تتوقف القوة عند أبواب المحاكم، فهي تدخل المدرسة والجامعة والإدارة ومكان العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية. يحصل شخص على وظيفة لأنه يعرف الشخص المناسب، ويحصل آخر على فرصة لأنه ينتمي إلى شبكة اجتماعية قوية، بينما يبقى ثالث خارج المنافسة، رغم كفاءته، لأنه لا يعرف أصلا كيف يصل إلى الباب. ثم نطلب منه أن يتقبل النتيجة ونقول له: “الحياة منافسة”. وننسى أن بعض الناس يبدأون السباق من خط البداية، بينما يبدأ آخرون منه متأخرين بعدة أمتار.

لهذا كان بيير بورديو محقا عندما تحدث عن “العنف الرمزي”. فالقوة قد تعمل بطريقة ناعمة، من دون أمر أو تهديد مباشر. تجعل الإنسان يتقبل موقعه، وتُظهر الفوارق كأنها شيء طبيعي، وتحوّل الامتياز إلى استحقاق.

وتصبح السيطرة أعمق عندما لا يشعر الإنسان بأنه واقع تحت الضغط، لأن الإنسان لا يقاوم بسهولة ما يعتقد أنه طبيعي. فقد يقبل العامل راتبا لا يكفيه لأنه يرى أن البديل أسوأ، وقد يقبل الموظف التهميش خوفا من فقدان عمله، وقد يصمت المواطن أمام قرار ظالم لأنه لا يملك القدرة على مواجهته.

لا تحتاج السلطة، في صورتها الحديثة، أن تمنعك بالقوة دائما؛ يكفي أحيانا أن تجعلك تخاف من فقدان ما تملك. وقد فهم ميشيل فوكو هذا التحول جيدا، فالسلطة التي توجد في مؤسسات الدولة، توجد أيضا في العلاقات والقواعد والممارسات اليومية. إنها تراقب وتصنف وتحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وتدفع الإنسان أحيانا إلى مراقبة نفسه بنفسه.

وتظهر أخطر أشكال القوة عندما تتحالف مع المال. عندها تتحول الثروة إلى نفوذ، ويحمي النفوذ الثروة. فمن يملك المال يقترب من مواقع القرار، ويستطيع بذلك حماية مصالحه، وزيادة ثروته، ثم يستعمل هذه الثروة الجديدة لتوسيع نفوذه أكثر. وهكذا يصبح المال وسيلة للحصول على السلطة، وتصبح السلطة وسيلة لحماية المال وزيادته.

فالسلطة هي من يوزّع الموارد، ويمنح التراخيص، ويضع القواعد، ويحدد الأولويات، ويقرر من يحصل على الفرصة ومن ينتظر. ولهذا يصبح الصراع السياسي، في جزء كبير منه، صراعا على الموارد.

تحتاج السلطة إلى شرعية، وتجد في القانون وسيلة تجعل قراراتها مقبولة. فتتحدث عن الأمن والاستقرار والمصلحة العامة والضرورة. لكن هذه القيم قد تتحول أحيانا إلى غطاء؛ فيصبح “الاستقرار” اسما آخر للخوف من التغيير، وقد تصبح “المصلحة العامة” اسما آخر لمصلحة فئة صغيرة، وقد تتحول “الكفاءة” إلى ذريعة لحماية امتيازات قديمة، وقد يتحول “احترام القانون” إلى مطالبة الضعيف بالطاعة، بينما يبحث القوي عن الاستثناء لنفسه.

وهنا يفقد القانون جزءا من معناه عندما يصبح قاسيا على الضعيف وليّنا أمام القوي. وقد لا يحتاج القوي أصلا إلى خرق القانون؛ يكفيه أن يملك القدرة على استعماله بشكل أفضل من غيره.

وهذه نقطة لا تحظى بالاهتمام الكافي. فالقوة الحديثة لا تحتاج إلى مخالفة القانون، بل تفضّل أن تختبئ داخله، وتستعمل مواده وإجراءاته وتعقيداته وثغراته. لذلك يستطيع صاحب النفوذ أحيانا أن يفعل أشياء لا يستطيع غيره فعلها، من دون أن يبدو أنه خالف القانون بوضوح. وهنا يظهر الفرق بين المساواة أمام القانون والمساواة في القدرة على استعمال القانون. الأولى مبدأ، أما الثانية فهي واقع. وقد يكون الفارق بينهما كبيرا جدا.

تُعتبر المعرفة نفسها قوة. فمن يعرف قبل الآخرين يستطيع أن يتصرف قبلهم، ومن يملك المعلومة يستطيع توجيه النقاش لصالحه، ومن يتحكم في وسائل نشرها يستطيع التأثير في الطريقة التي يرى بها الناس الواقع.

وفي عصرنا، أصبح الصراع على المعلومة قريبا من الصراع على الثروة، بل امتد إلى الصراع على الصورة والرواية، وعلى من يملك حق تحديد معنى ما يحدث. تقع حادثة واحدة، ثم تُروى بطرق مختلفة. فقد يكون الشخص نفسه ضحية في رواية، ومخطئا في رواية أخرى، وبطلا في رواية ثالثة. وهكذا يصبح الخطاب جزءا من السلطة، وتصبح الكلمات قادرة على تبرير الإقصاء والفقر والتمييز والامتياز.

ولهذا حذّر جورج أورويل من قدرة اللغة على تجميل الأفكار القاسية وإخفاء حقيقتها. فعندما نغيّر الاسم، قد تتغير الصورة في أذهان الناس: نسمي الاستغلال “مرونة”، والإقصاء “اختيارا”، والاحتكار “كفاءة”، والخضوع “استقرارا”، والصمت “مسؤولية”. ثم نطلب من الجميع أن يصدقوا هذه الكلمات.

من يملك القوة يريد أن يجعل الآخرين يعتقدون أنه يملك الحق، سواء كان هذا الحق قانونيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا أو اقتصاديا. وهكذا تبدو القوة مشروعة.

ويُشكّل المجتمع في النهاية شبكة واسعة من المصالح والقوى. وكلما اختل توزيع القوة، اختل معه توزيع الفرص.

ولا يستطيع الإنسان أن يلغي الصراع بالكامل، ولا أن يمنع وجود الأغنياء والأقوياء وأصحاب النفوذ. لكنه يستطيع أن يمنع القوة من أن تتحول إلى حق مطلق. وهنا تبدأ مهمة الدولة، ومهمة القانون، ومهمة الصحافة، ومهمة المجتمع نفسه.

يجب أن يكون القانون أقوى من المال، وأن تكون المؤسسة أقوى من الشخص، وأن تصل المعلومة إلى الجميع بشكل أوسع، وأن يخضع صاحب السلطة للمساءلة، وألا يتحول الفقر إلى عقوبة إضافية لمن لا يملك النفوذ. فالعدالة تقتضي أن يكون القانون واحدا للجميع، وأن تُتاح لهم نفس الفرصة الحقيقية لاستعماله والدفاع عن حقوقهم. ولا يكتمل حق الضعيف إلا عندما يملك القدرة على الدفاع عنه.

تتحقق العدالة فعلا عندما يخضع الأقوى للقواعد نفسها التي يُطلب من الضعيف احترامها. وتزداد المشكلة سوءا عندما يصبح الأقوياء فوق القانون، وعندما يستطيع المال شراء ما لا ينبغي أن يُشترى. عندها تتحول القوة إلى قانون غير مكتوب، تكون سلطته قادرة على التأثير لمصلحة القوي. وهنا تبدأ الفجوة بين القانون والعدالة.

حين تصبح القوة قانونا Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل حين تصبح القوة قانونا نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم