- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية عبد الرحمان بن خلدون : السيادة الوطنية بين واقع الممارسات الإقليمية وكلفة خيار التهدئة

اخبار محلية
أنباء تونس قبل 2 ساعة و 51 دقيقة

اليكم الان عبد الرحمان بن خلدون : السيادة الوطنية بين واقع الممارسات الإقليمية وكلفة خيار التهدئة والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس:

إن الدفاع عن التراث والتراب التونسي لا يصنف كتحريض أو اندفاع عاطفي، بل هو ممارسة عقلانية ومسؤولة لحق سيادي مكفول دولياً. وتونس، بعمقها الحضاري الممتد لآلاف السنين، تملك من الشرعية التاريخية والقانونية ما يؤهلها لفرض احترام سيادتها كاملة غير منقوصة، على قاعدة أن حماية الذاكرة الوطنية والتاريخ والتراب هي جبهة سيادية واحدة لا تقبل التجزئة أو المجاملة السياسية.

إلياس القصري *

1. الأمن الرمزي وجيوسياسية الثقافة :

يتسم السياق الدولي والإقليمي المعاصر بإعادة تعريف بنيوية لعناصر القوة والنفوذ، حيث لم يعد التنافس بين الوحدات السياسية مقتصرًا على الأبعاد العسكرية أو الاقتصادية التقليدية، بل امتد ليشمل الأمن الرمزي والسيادة الثقافية والتاريخية كأدوات أساسية لتعزيز المكانة الجيوسياسية للدول.

وفي هذا الإطار، أثارت ملابسات تسجيل “مقدمة ابن خلدون” في سجل ذاكرة العالم لدى منظمة اليونسكو موجة من النقاش المعمق في أوساط الرأي العام الثقافي والنخب الأكاديمية التونسية. وتُصنف هذه الخطوة من قِبل قسط من المتابعين في خانة مقاربات التهدئة التي قد تؤدي إلى تراجع في السيادة الرمزية والذاكرة الوطنية، لما تحمله من تماهٍ مع سرديات الاستحواذ الإقليمي والدولي على الرموز التاريخية.

من منظور العلوم السياسية والدبلوماسية الثقافية، لا يمكن فصل هذا التنازع الرمزي عن مسار السلب والنهب الترابي المادي الذي تعرضت له تونس إبان الحقبة الاستعمارية. فقد عمدت هندسة الترسيم الحدودية الموروثة عن الاستعمار إلى اقتطاع مساحات من المجال الترابي التاريخي التونسي وضمها لكيانات مجاورة لخدمة مصالح القوى الإمبريالية القديمة.

واليوم، يتخذ هذا التمدد شكلاً رمزياً يسعى إلى تثبيت موازين القوى الناتجة عن تلك الحقبة؛ فبعد أن استقرت الحدود الترابية على وضع فرضته ظروف تاريخية معينة، انتقل التنافس إلى الحدود الحضارية عبر محاولات شرعنة “وضع اليد المادي” أو “الحيازة المؤقتة للمخطوطات” وتحويلها إلى شرعية تاريخية حصرية لدى الدول الوريثة لتلك الامتيازات.

2. من اقتطاع الجغرافيا إلى تفكيك الموروث :

يتجلى هذا الارتباط البنيوي بوضوح عند تفكيك مستندات الملف المشترك الخاص بالمقدمة الخلدونية؛ فما يتداول حول قبول تونسي بإشراك أطراف إقليمية ودولية بناءً على مسوّغات مثل “موقع تأليف المقدمة” (كالقلعة التاريخية بـتيارت) أو “الحيازة الوثائقية لأصول المخطوطات” (كما هو الحال في مكتبات إسطنبول)، يُمثّل من منظور النقد الأكاديمي مقايضةً للرحم الحضاري الأول بمحطات إقامة مؤقتة أو ظروف حفظ مادية عابرة عبر ما يعتبره العديد من باب قرصنة التراث التاريخي والحضاري للشعوب المستعمرة.

إن التنشئة الفكرية، والتكوين العلمي الزيتوني، والجذور الاجتماعية والسياسية المقترنة بالحاضرة التونسية الحفصية هي المحددات الأساسية للعقل الخلدوني، وتحويل هذا الإرث إلى ملكية مشاعة يُعتبر من طرف العديد من التونسيين تنازلاً يُمنح لكيانات تشكلت جغرافيتها الحديثة بفعل القرارات الاستعمارية السابقة.

ولا يختلف هذا المسار عن محاولات طمس الواقع التاريخي للمملكة النوميدية القديمة، وسعي بعض القراءات الإقليمية المستحدثة إلى إخراجها قسراً من مهدها ومركز نفوذها الحقيقي القائم على شواهد أثرية حية وثابتة في أرض تونس (مثل حواضر دقة، وبولا ريجيا، وشمتو)، لتقديمها كإرث حصري لأطراف أخرى مستفيدة من الترسيم الاستعماري القديم للحدود.

إن إعادة هندسة هذا الإرث القديم والوسيط يهدف في المحصلة إلى تجريد تونس من عمقها الأمازيغي والقرطاجي والخلدوني المشترك، وتحويل الدولة التونسية من طرف فاعل ومنتج تاريخي للحضارة في حوض المتوسط إلى مجرد فضاء جغرافي ملحق بمشاريع هوياتية مستحدثة.

3. كلفة المهادنة على الأمن القومي والتماسك الداخلي:

ترى القراءة البراغماتية للعلاقات الدولية (Realpolitik) أن الإفراط في اعتماد سياسات التهدئة والتغاضي تحت مسوغات الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحسن الجوار، دون وجود آليات ردع رمزي متكافئة، يقود تدريجياً إلى تآكل القوة الناعمة (Soft Power) للدولة المستهدفة. فالواقع والممارسات الفعلية على الأرض تفند فاعلية المقاربات المبنية على الشعارات العاطفية المفرطة في بيئة دولية محكومة بتنازع المصالح وتوسيع مجالات النفوذ الحيوية.

إن الانكفاء نحو أدوار دفاعية خجولة لتجنب خوض معارك قانونية وأكاديمية صلبة بدعوى “عدم خلق إشكاليات مع الجوار”، يُترجم كفراغ إستراتيجي يسمح للآخرين بالتمادي في الاستحواذ الرمزي.

ان العلاقات المستقرة والمستدامة بين الوحدات السياسية لا تُبنى على التنازلات أحادية الجانب، بل على قاعدة الندية، وتوازن المصالح، والاعتراف المتبادل بالحقوق التاريخية والترابية الموثقة. علاوة على ذلك، فإن هذا التراجع يفتح الباب مستقبلاً لاستسهال التعدي على ملفات أكثر خطورة، فضلاً عن إحداث حالة من الإحباط لدى النخب الفكرية والجيل الناشئ تجاه قدرة المؤسسات على حماية هوية البلاد.

4. نحو إستراتيجية الردع الرمزي والسيادة المؤسساتية :

بناءً على هذا التشخيص يتعين القطع مع التمشي المهادن والانتقال نحو مقاربة سيادية عقلانية ومؤسساتية تستند إلى أطر قانونية وأكاديمية واضحة:

أولاً: مأسسة الأمن الثقافي: تشكيل مجلس وطني مشترك يضم الوزارات السيادية والجامعة التونسية، يتولى رصد كافة التحركات الدولية والإقليمية التي تستهدف التراث أو التاريخ التونسي، وإعداد ملفات قانونية وأكاديمية مضادة بشكل استباقي.

ثانياً: الدبلوماسية الاستردادية والتصحيحية: تفعيل الأطر القانونية الدولية لتقديم ملاحق تصحيحية للمخطوطات والآثار المسجلة، والمطالبة بالاعتراف بالملكية المشتركة أو الأصلية بناءً على شرعية المنشأ والتكوين لا مجرد الحيازة المادية.

ثالثاً: السيادة الرقمية المعرفية: الإسراع في تنفيذ المشروع الوطني لرقمنة الذخائر والمخطوطات التونسية النادرة، وإتاحتها للباحثين حول العالم عبر منصات رقمية سيادية لقطع الطريق أمام أي ادعاءات خارجية مستقبلاً.

إن الدفاع عن التراث والتراب التونسي في هذا السياق لا يصنف كتحريض أو اندفاع عاطفي، بل هو ممارسة عقلانية ومسؤولة لحق سيادي مكفول دولياً. وتونس، بعمقها الحضاري الممتد لآلاف السنين، تملك من الشرعية التاريخية والقانونية ما يؤهلها لفرض احترام سيادتها كاملة غير منقوصة، على قاعدة أن حماية الذاكرة الوطنية والتاريخ والتراب هي جبهة سيادية واحدة لا تقبل التجزئة أو المجاملة السياسية.

سفير سابق.

ظهرت المقالة عبد الرحمان بن خلدون : السيادة الوطنية بين واقع الممارسات الإقليمية وكلفة خيار التهدئة أولاً على أنباء تونس.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل عبد الرحمان بن خلدون : السيادة الوطنية بين واقع الممارسات الإقليمية وكلفة خيار التهدئة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم