اخبار عربية هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟

هل تعيد أمننة الهجرة في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية


اليكم الان هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

لم يعد من الممكن قراءة أزمة سبتة الأخيرة باعتبارها مجرد حادثة مرتبطة بالهجرة غير النظامية أو بإدارة الحدود الأوروبية. فالقرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر 2026، بشأن ما وصفه بـ”الهجمات الهجينة الأخيرة واستغلال المهاجرين في سبتة”، يكشف عن تحول أعمق في الطريقة التي يعيد بها الاتحاد الأوروبي تعريف العلاقة بين الهجرة والأمن والسيادة والحدود والعلاقات مع دول الجوار.

وقد اعتمد البرلمان القرار بأغلبية 339 صوتا مقابل 225 و16 امتناعا، واعتبر أن الهجرة غير النظامية استُخدمت باعتبارها “أداة حرب هجينة” ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو، داعيا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي والتعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والعودة وإعادة القبول، مع وجود مساعٍ يمينية متطرفة لفرض تدابير أكثر صرامة لإدارة ملف الهجرة بناء على هذا النص.

جاء هذا القرار في أعقاب أحداث يومي 30 و31 يوليو 2026، حين دخل أكثر من 70 ألف شخص مؤقتا إلى مدينة سبتة قادمين من المغرب، وتشير التقديرات إلى وفاة نحو 141 شخصا. ورغم أن معظم من عبروا الحدود عادوا إلى المغرب في غضون ساعات، إلا أن ما يقدر بنحو 5 آلاف إلى 15 ألف شخص ظلوا في هذا الجيب الواقع في شمال أفريقيا. وقد أثارت هذه الأحداث جدلا واسع النطاق حول حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومسؤوليات إسبانيا في إدارة ملف الهجرة، والمطالبات الإقليمية المتعلقة بمدينة سبتة.

كما جرت مناقشة مسألة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الدول الأعضاء، حيث رأى بعض البرلمانيين أن عدم اتخاذ إجراءات حاسمة قد يقوض سلامة منطقة “شنغن”. ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي إلى توفير المزيد من التمويل للبنية التحتية الخاصة بحماية الحدود الخارجية، وتعزيز قدرات وكالة “فرونتكس” (Frontex)، وهي الوكالة الأوروبية المسؤولة عن دعم إدارة الحدود الخارجية للتكتل.

لكن الأهمية الحقيقية للقرار لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، وإنما في التحول المفاهيمي الذي يحمله انتقال الهجرة من كونها ظاهرة اجتماعية وإنسانية وقانونية إلى اعتبارها تهديدا أمنيا؟ ومتى يتحول ضبط الحدود من سياسة عمومية إلى أداة من أدوات الأمن الجيو-سياسي؟ وهل يكفي وصف تدفقات بشرية جماعية بأنها “حرب هجينة” لإثبات وجود فعل إكراه دولي؟ وأين ينتهي الضغط السياسي وتبدأ المسؤولية الدولية؟

تنبع أهمية هذه الأسئلة من أن العلاقات المغربية–الأوروبية أصبحت تتحرك داخل بيئة دولية تتسم بما يمكن تسميته التعقيد الاستراتيجي (Strategic Complexity)؛ حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أصبحت المعلومات، والهجرة، والاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، والشبكات العابرة للحدود، والاعتماد المتبادل، وحتى قدرة الدول على إدارة التدفقات البشرية، عناصر في بنية القوة الدولية. ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المقال هو: هل يمثل قرار البرلمان الأوروبي بشأن سبتة انتقالا من “إدارة الهجرة” إلى “أمننة الهجرة”، ومن أمننة الهجرة إلى توظيفها في إعادة بناء معادلات القوة داخل الشراكة المغربية–الأوروبية، أم إن وصف الهجرة بأنها أداة حرب هجينة يظل إطارا سياسيا وأمنيا لا يكفي وحده لإثبات مسؤولية دولة أو فعل عدواني في القانون الدولي؟ مع العلم أن الأمر يتعلق بمدينتين مغربيتين محتلتين من قبل الإسبان منذ أزيد من خمسة قرون، وتشكل العوامل الجغرافية والديموغرافية والتاريخية حقائق دامغة على مغربية سبتة ومليلة والجزر الجعفرية رغم عدم مطالبة المغرب باسترجاع أراضيه من الإسبان بشكل رسمي، وهو ما يجعل موضوع الهجرة الآن بمثابة عقدة جيو-سياسية وليس مجرد قضية حدودية بسيطة.

أولا: من الهجرة كظاهرة اجتماعية إلى الهجرة كمتغير في الأمن الدولي

شهد مفهوم الأمن خلال العقود الأخيرة توسعا كبيرا في نطاقه وتموجاته، فالأمن لم يعد مقتصرا على الحرب التقليدية والتهديد العسكري المباشر، وإنما أصبح يشمل الاقتصاد والمجتمع والطاقة والبيئة والتكنولوجيا والمعلومات والهجرة. وقد شكلت مدرسة كوبنهاغن، خصوصا أعمال Barry Buzan وOle Wæver وJaap de Wilde، أحد أهم التحولات النظرية في هذا المجال. فالأمن، وفق هذا المنظور، لا يتعلق فقط بوجود تهديد موضوعي، وإنما أيضا بالطريقة التي تُعرّف بها قضية معينة باعتبارها تهديدا وجوديا، وبقدرة الفاعل السياسي على إقناع الجمهور بضرورة التعامل معها باعتبارها قضية أمنية. ومن هذه الزاوية، يمثل قرار البرلمان الأوروبي حالة واضحة تستحق الدراسة في إطار “Securitization Theory”.

فالخطاب الأوروبي ينتقل من: الهجرة → ضغط حدودي → أزمة سياسية إلى: الهجرة → تهديد أمني → تهديد هجين → مساس بالسلامة الإقليمية → ضرورة الاستجابة الأمنية. وفي هذا السياق لا تصبح الهجرة مجرد موضوع للسياسة الأوروبية، بل تتحول إلى جزء من بنية الأمن الأوروبي. والأهم أن عملية الأمننة لا تنتج فقط تغييرا في الخطاب، وإنما يمكن أن تنتج تغييرا في السياسات. فحين يصبح موضوع ما مصنفا باعتباره تهديدا أمنيا، تتسع مساحة الإجراءات التي يمكن تبريرها باعتبارها ضرورية لحماية الأمن. وهذا تحديدا ما يجعل حالة سبتة مهمة من منظور دراسات الأمن: التحول ليس فقط في حجم التدفق البشري، وإنما في المعنى الاستراتيجي الذي أُعطي لهذا التدفق.

ثانيا: هل نحن أمام “حرب هجينة” أم أمام أمننة سياسية للهجرة؟

تطور مفهوم الحرب الهجينة (Hybrid Warfare) ضمن الأدبيات الاستراتيجية للإشارة إلى أن الصراع المعاصر لم يعد يقوم بالضرورة على الفصل بين الحرب والسلم، أو بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية. ويشير Frank Hoffman في عمله المؤثر “Conflict in the 21st Century: The Rise of Hybrid Wars” إلى تزايد المزج بين الأدوات التقليدية وغير التقليدية في الصراع. كما تبنت المؤسسات الأوروبية نفسها مفهوم التهديدات الهجينة على نحو متزايد، بما في ذلك اعتبار “استغلال الهجرة غير النظامية” إحدى الأدوات المحتملة في الحملات الهجينة. ويشير Strategic Compass للاتحاد الأوروبي صراحة إلى نمذجة الهجرة غير النظامية (instrumentalisation of irregular migration) إلى جانب الهجمات السيبرانية والتضليل ووسائل الضغط الاقتصادي.

لكن في السياق نفسه، فوجود ظاهرة يمكن استخدامها في إطار استراتيجية هجينة لا يعني تلقائيا إثبات أن دولة معينة استخدمتها فعلا كأداة حرب. فهناك فرق كبير بين الوصف الأمني السياسي للحدث، التفسير الاستراتيجي لسلوك أحد الأطراف، الإثبات الواقعي لوجود استراتيجية منظمة، والتأكد من الإسناد القانوني للسلوك لدولة ما، وأخيرا إثبات الخرق المؤكد للالتزامات الدولية، وهو ما يصعب تأكيده في حالة المغرب. وقد ذهب عدد من الباحثين إلى ضرورة الحذر من الاستخدام التوسعي لمفهوم “weaponisation of migration” (تسليح الهجرة)؛ ذلك أن Vincent Chetail، في دراسة حديثة حول “تسليح الهجرة” والقانون الدولي، ينتقد الانتقال السريع من مفهوم الضغط الهجري أو (migration diplomacy) إلى مفهوم الحرب، ويرى أن كثيرا من الحالات يمكن تفسيرها باعتبارها مساومات وضغوطا دبلوماسية متعددة المستويات أكثر من كونها أعمال حرب بالمعنى القانوني.

ثالثا: “تسليح الهجرة” كأداة للإكراه الجيو-سياسي واعتبار سبتة “نقطة اختناق جيو-سياسية”

تعتبر دراسة Kelly M. Greenhill حول “Weapons of Mass Migration” من أبرز الأعمال في مجال تسليح الهجرة. فقد درست كيف يمكن لبعض الدول أو الفاعلين أن يستعملوا أو يتلاعبوا بتدفقات السكان بهدف التأثير في قرارات دولة أخرى. وتقوم الفكرة الأساسية على استغلال التكاليف السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تتحملها الدولة المستقبلة نتيجة التدفقات الجماعية. وبالتالي يمكن تصور الهجرة في بعض السياقات باعتبارها: أداة ضغط → أداة مساومة → أداة إكراه → أداة جيو-سياسية. لكن هذا النموذج لا يصبح صالحا لتفسير حالة معينة إلا إذا توافرت مؤشرات على وجود نية، وتنظيم، ووسيلة، وهدف سياسي قابل للتحديد. وهنا تكمن إحدى أهم الإشكالات المنهجية في قضية سبتة: هل يكفي حدوث تدفق جماعي واسع لكي نستنتج وجود هندسة سياسية لهذا التدفق؟ بل ما ينبغي القيام به هو البحث عن الأدلة المتعلقة بالتنسيق، والقرار، والتعليمات، والقدرة على التحكم في التدفقات، والهدف السياسي، وتسلسل الأحداث، ووجود علاقة سببية بين التدفق وبين المطالب السياسية. وهذا ما يفتح المجال أمام منهج “Process Tracing” في تحليل الأزمات الجيو-سياسية، بدلا من الاكتفاء بالاستنتاج من النتيجة إلى النية.

تكشف أحداث سبتة عن مفهوم مهم في الجيو-سياسية المعاصرة: نقاط صدام السياسات (Chokepoint Politics). فالموقع الجغرافي لا يصبح مهما فقط بسبب المساحة أو الموارد، وإنما بسبب موقعه داخل شبكة تدفقات أكبر. وسبتة تقع عند تقاطع الحدود الأوروبية–الأفريقية؛ المجال المتوسطي؛ طرق الهجرة؛ أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ العلاقات المغربية–الإسبانية؛ سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الجوار الجنوبي. وبذلك تتحول الجغرافيا إلى شبكة من الاعتماد المتبادل.

وهنا يمكن توظيف نظرية الاعتماد المتبادل تحت التسليح (Weaponized Interdependence) التي طورها Henry Farrell وAbraham Newman. فالقوة في النظام الدولي المعاصر لا تنتج فقط من امتلاك الموارد، بل أيضا من امتلاك مواقع مركزية داخل الشبكات التي يعتمد عليها الآخرون. وقد بين الباحثان أن الاعتماد المتبادل غير المتكافئ يمكن أن يتحول إلى مصدر للقوة والإكراه. وبتطبيق هذا المنظور على الهجرة، يمكن القول إن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل أصبحت عقدا استراتيجية داخل شبكات الأمن والاقتصاد والحركة البشرية. ومن هنا تصبح السيطرة على تدفقات الأشخاص أو القدرة على التأثير فيها ذات قيمة تفاوضية، حتى عندما لا تكون الهجرة هي الهدف الأساسي للصراع.

لكن وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، التي تقع في التراب المغربي، تطرح العديد من علامات الاستفهام حول الخطاب الإسباني ومعه الأوروبي اللذان يعتبران المدينتين حدودا أوروبية في حين إن وضعية المدينتين حسب كل الشواهد التاريخية والجغرافية والديموغرافية تؤكد على مغربية الانتماء وعلى وضعهما الاستثنائي تحت سيطرة الإدارة الاسبانية، وبالتالي استمرار هذا النوع من الخطاب يقفز على العمق الجيو-سياسي للمدينتين ويختصر أزمة الهجرة في سياسية يمينية أوروبية تخشى من تدفقات هجروية قادمة من الجنوب، بل أكثر من هذا تخشى من المملكة المغربية كفاعل جيو-سياسي حقيقي أثبت بالملموس من خلال سياسات اقتصادية وتنموية أنه قادر على لعب دور الفاعل الجيو-ساسي الإقليمي في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.

رابعا: العلاقات المغربية الأوروبية: من الاعتماد المتبادل إلى “التفاوض تحت الضغط”

لا يمكن تفسير العلاقات المغربية–الأوروبية بمنطق القوة الأحادية. فهي علاقة ذات طبيعة اعتمادية متبادلة ومعقدة، فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى المغرب في ملفات متعددة، منها: مكافحة الإرهاب؛ مكافحة الجريمة المنظمة؛ مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر؛ استقرار غرب المتوسط؛ التعاون الاقتصادي؛ الطاقة والتحول الأخضر؛ التجارة والاستثمار؛ الأمن الإقليمي؛ الاستقرار في الساحل والأطلسي. وفي المقابل، يرتبط المغرب اقتصاديا وسياسيا وأمنيا بدرجة كبيرة بالسوق الأوروبية وشبكات التعاون الأوروبية. وقد أكدت الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في يناير 2026 الطبيعة “الاستراتيجية ومتعددة الأبعاد” للشراكة، كما شملت مجالات التعاون التجارة والاستثمار والهجرة والأمن والبحث والابتكار والتنمية المستدامة. ومن هنا تظهر مفارقة استراتيجية: كلما ارتفع الاعتماد المتبادل، زادت فرص التعاون، ولكن في الوقت ذاته قد تزيد فرص تحويل الاعتماد إلى أداة ضغط. وهذه إحدى مفارقات العلاقات الدولية المعاصرة. فالاعتماد المتبادل لا يلغي القوة، بل يعيد توزيعها.

يكتسب مفهوم الشرطية الأوروبية (Conditionality) وإعادة تعريف الشراكة بعدا ذا أهمية، خاصة عندما نلاحظ أن التعاون الأوروبي في مجال الهجرة أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بأمن الحدود والعودة وإعادة القبول. وتشير الوثائق الأوروبية لعام 2026 إلى أن التعاون مع المغرب يشمل إدارة الحدود، ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر، والعودة وإعادة القبول، إلى جانب المسارات القانونية للهجرة والتنقل. وهنا يمكن قراءة العلاقات في ضوء مفهوم الشرطية، أي ربط بعض المنافع أو أشكال التعاون بتحقيق أهداف أو التزامات معينة، لكن الشرطية لا تعمل في اتجاه واحد، فالمغرب ليس مجرد دولة منفذة لسياسة أوروبية، وإنما يمتلك بدوره أدوات تفاوضية ناتجة عن: موقعه الجغرافي؛ دوره في الأمن الإقليمي؛ علاقاته مع العمق الإفريقي؛ موقعه الأطلسي والمتوسطي؛ شبكاته الاقتصادية؛ دوره في إدارة الهجرة؛ التعاون الأمني والاستخباراتي. ومن ثم، فإن العلاقة يمكن فهمها بشكل أفضل باعتبارها “Bargaining Under Asymmetric Interdependence”، أي تفاوضا تحت شروط اعتماد متبادل غير متكافئ.

خامسا: متى تتحول “الحرب الهجينة” إلى مسؤولية دولية؟

في هذا الصدد يجب الانتقال من الجيو-سياسية إلى القانون الدولي، فميثاق الأمم المتحدة يحظر التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، وفق المادة (24). لكن وصف حدث بأنه “هجوم هجين” لا يجعله تلقائيا يعرف بكونه استخداما للقوة (Use of Force) بالمعنى القانوني. فالقانون الدولي يطرح سؤالا أكثر تحديدا: ما طبيعة الفعل؟ ومن قام به؟ وهل يمكن إسناده إلى دولة ما؟ وما الالتزام الدولي الذي تم خرقه؟

وتقدم قواعد مسؤولية الدول، كما صاغتها لجنة القانون الدولي، إطارا واضحا لهذه المسألة. فالسلوك المنسوب إلى جهاز من أجهزة الدولة يمكن أن ينسب إلى الدولة، كما توجد قواعد أخرى لإسناد أفعال أشخاص أو جماعات في ظروف محددة. وهذا يعني أن الانتقال من: “حدث على الحدود” إلى: “عمل من أعمال الدولة” ثم إلى: “عمل غير مشروع دوليا”، يحتاج إلى إثباتات قانونية متدرجة. كما أن اجتهاد محكمة العدل الدولية في قضية “Nicaragua v. United States” يوضح أهمية التمييز بين مفاهيم استخدام القوة والتدخل والسيادة والإسناد. ومن ثم، فإن وصف الهجرة بأنها “سلاح” أو “أداة حرب هجينة” ينبغي ألا يؤدي إلى تجاوز المراحل القانونية اللازمة لإثبات المسؤولية الدولية. كما أن هناك بعدا آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث عندما تتحول الحدود إلى فضاء أمني؟ فالخطر يتمثل في أن الأمننة قد تنتج ما يمكن تسميته: “Security Exceptionalism”، أي النظر إلى الحدود باعتبارها فضاء يمكن فيه تعليق بعض المعايير العادية بحجة الضرورة الأمنية.

لكن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يختفي عند الحدود. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن حماية الحدود وإدارة الهجرة يجب أن تتم مع احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement) وحظر الطرد الجماعي وضمان الإجراءات القانونية الواجبة. وبالتالي تظهر معادلة ثلاثية شديدة التعقيد: أمن الحدود + سيادة الدولة + حقوق الإنسان. وأي مقاربة تختزل المعادلة في عنصر واحد قد تنتج اختلالا استراتيجيا وقانونيا.

سادسا: المعلومات والتضليل الإعلامي في قلب الصراع

أشارت خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي إلى أن أزمة سبتة ارتبطت أيضا بموجة من التضليل عبر الإنترنت، وهو ما يضيف طبقة معلوماتية إلى الأزمة الحدودية. وهنا يدخل مفهوم “Information Warfare” أو “Information Manipulation”. غير أن الدراسات الأكاديمية تحذر أيضا من المبالغة في تقدير قدرة التضليل على تحقيق أهداف استراتيجية مباشرة. فقد أشار Alexander Lanoszka إلى أن فعالية التضليل ليست تلقائية، وأن تأثيره يعتمد على بيئة سياسية واجتماعية ومؤسساتية سابقة، وعلى قدرة الطرف المستهدف على مقاومته. ومن ثم، فإن الأزمة الحديثة ليست فقط صراعا حول: من يسيطر على الحدود؟ بل أيضا: من يسيطر على تفسير الحدث؟ وهذا يجعل “Narrative Power” جزءا من القوة الجيو-سياسية. فالطرف الذي ينجح في تعريف الأزمة باعتبارها “أزمة هجرة” يضعها داخل إطار مختلف عن الطرف الذي يعرّفها باعتبارها “أزمة أمنية” أو “أزمة حقوق إنسان” أو “أزمة سيادة”. وهنا تصبح اللغة نفسها أداة من أدوات القوة.

تكمن إحدى أهم المفارقات في أن الإفراط في أمننة الهجرة قد يؤدي إلى النتيجة التي يحاول تجنبها. فإذا أصبحت الهجرة مرتبطة حصرا بالتهديد والأمن، فإن: المهاجر يتحول إلى عنصر أمني؛ الحدود تتحول إلى مساحة استثنائية؛ التعاون يصبح أكثر ارتباطا بالردع؛ الشراكة تصبح أكثر ارتباطا بالتحكم؛ والأزمة الإنسانية تصبح قابلة لإعادة إنتاج نفسها. ومن هنا، فإن الأمن المستدام لا يمكن أن يكون أمن حدود فقط. بل يحتاج إلى معالجة جذور التدفقات، وشبكات التهريب، والتنمية، والمسارات القانونية للهجرة، والتعاون الإقليمي، وتبادل المعلومات، وحماية الأشخاص. وتنسجم هذه المقاربة مع التطور الأوسع في السياسة الأوروبية للهجرة، خصوصا مع دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيز التطبيق في يونيو 2026، والذي يجمع بين تعزيز أمن الحدود ووضع ضمانات مرتبطة بحقوق الأشخاص المحتاجين إلى الحماية.

سابعا: أزمة سبتة وإعادة تعريف الشراكة المغربية-الأوروبية

المسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب ليست القرار البرلماني في حد ذاته، وإنما ما إذا كان هذا النوع من القرارات سيؤدي إلى إعادة تشكيل بنية الشراكة. فالشراكة المغربية-الأوروبية تطورت تاريخيا من التعاون الاقتصادي إلى إطار متعدد الأبعاد يشمل التجارة والأمن والهجرة والبحث والابتكار والتنمية والمناخ والعدالة. وقد أكد الاتحاد الأوروبي والمغرب في يناير 2026 تمسكهما بتعميق الشراكة الاستراتيجية، ووصفاها بأنها متعددة الأبعاد ومبنية على التعاون والثقة المتبادلة (Consilium). لكن التحدي يكمن في احتمال حدوث “Security Drift”، أي انجراف تدريجي للشراكة نحو المجال الأمني على حساب بقية أبعادها. وفي هذه الحالة يمكن أن تنتقل العلاقة من: “Strategic Partnership” (الشراكة الاستراتيجية) إلى: “Security-Centric Partnership” (شراكة أمنية مركزية) ثم ربما إلى: “Border Management Partnership” (تدبير شراكة الحدود)، وهذا التحول، إذا حدث، سيكون ذا تبعات استراتيجية بعيدة المدى. فالمغرب ليس مجرد دولة تقع جنوب الحدود الأوروبية، وإنما فاعل إقليمي يمتلك تصوراته ومصالحه الخاصة في المتوسط والأطلسي وأفريقيا. من الضروري كذلك الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرا ما تختلط في الخطاب السياسي:

المستوى السياسي يكمن في تضامن البرلمان الأوروبي مع إسبانيا وأن ينظر إلى سبتة باعتبارها جزءا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وفق الموقف السياسي والمؤسساتي الأوروبي. وقد فعل ذلك بوضوح في قراره الأخير.

المستوى القانوني: القرار البرلماني ليس حكما صادرا عن محكمة دولية بشأن جميع المسائل التاريخية والقانونية المرتبطة بوضع الإقليم.

المستوى الجيو-سياسي: أما المستوى الثالث، فهو أن مجرد وجود خلاف أو حساسية سيادية حول مجال جغرافي معين يجعل أي أزمة حدودية قابلة للتحول إلى أزمة أوسع في العلاقات الدولية. ومن هنا فإن الجغرافيا السياسية لسبتة ومليلية لا يمكن فصلها عن بنية العلاقات المغربية-الإسبانية-الأوروبية.

يمكن اقتراح نموذج تحليلي لفهم هذه الأزمة يقوم على ثلاثة أضلاع:

أولا: الأمننة (Securitisation)، أي كيف تتحول الهجرة من قضية سياسية إلى قضية أمنية؟

ثانيا: الاعتماد المتبادل (Interdependence): كيف يتحول اعتماد المغرب وأوروبا المتبادل في الهجرة والأمن والتجارة إلى أدوات تفاوض وضغط؟

ثالثا: الإسناد (Attribution): كيف يمكن الانتقال من وصف حدث بأنه “هجين” إلى إثبات أن فاعلا محددا يقف وراءه، وأن سلوكه يرقى إلى مستوى خرق التزام دولي؟ ويتيح هذا النموذج تجنب الخطأ الذي ارتكبه البرلمان الأوروبي باعتبار كل تدفق جماعي للهجرة دليلا تلقائيا على وجود حرب هجينة، وهذا ما يمكن اعتباره خطأ كبيرا من قبل البرلمان الأوروبي وخاصة أن 222 عضوا في البرلمان رفضوا القرار، مما يعني عدم وجو إجماع أوروبي حول ما ذهبت إليه الأغلبية التي تنتمي في مجملها لتيارات اليمين المتطرف. وبين هذين الموقفين، توجد منطقة تحليلية أكثر علمية، تقوم على الإثبات والتدرج والتمييز بين المستويات.

الخلاصة

ان التحدي الحقيقي أمام الرباط ومدريد وبروكسل لا يتمثل في إدارة أزمة واحدة، وإنما في منع أمننة الهجرة من أن تتحول تدريجيا إلى أمننة للعلاقة المغربية-الأوروبية برمتها. فإذا أصبحت الهجرة هي العدسة التي تُقرأ من خلالها العلاقة، فإن الشراكة متعددة الأبعاد قد تنكمش إلى علاقة يغلب عليها منطق الحدود والردع وإدارة المخاطر.

كما أن بروز المغرب بوصفه فاعلا إقليميا يتمتع بقدر متزايد من الاستقلالية، مدعوما بشراكات وتحالفات استراتيجية متنوعة، ساهم في إعادة تشكيل التوازن الجيو-سياسي المحيط بالبيئة الأمنية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. ومن منظور استراتيجي، قد يساعد هذا الدور المتطور في تفسير سبب تنامي ردود الفعل الاستراتيجية الأوروبية والحساسيات السياسية تجاه سياسات المغرب وتموقعه الإقليمي. كما أن عمق الاعتماد المتبادل بين المغرب وإسبانيا، وبين المغرب والاتحاد الأوروبي، يجعل من استمرار المواجهة خيارا غير مرغوب فيه. ولا تزال إسبانيا نفسها تؤكد أهمية التعاون مع المغرب في مجال تدبير قضايا الهجرة والأمن، بالتوازي مع تمسكها بموقفها بشأن سبتة ومليلية، وتمسك الطرف المغربي بقناعاته وسرديته التاريخية التي تؤكد مغربية المدينتين المحتلتين.

وفي نهاية المطاف، فإن استقرار هذه المنطقة يعتمد بدرجة أقل على تكريس المقاربة الأمنية للحدود، وبدرجة أكبر على قدرة الفاعلين الرئيسيين فيها على تحويل الاعتماد الاستراتيجي المتبادل إلى حوار سياسي مستدام وإلى منظومة أمنية تتم إدارتها بصورة مشتركة.

ومن ثم، ينبغي أن تتمثل الأولوية في الحفاظ على شراكة قوية بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بدل السماح بتحول أزمة الهجرة إلى مصدر دائم للتصعيد الجيو-سياسي. وفي هذا السياق، يمكن للمغرب وإسبانيا النظر في فتح حوار منظم واستشرافي حول مستقبل سبتة ومليلية، دون أن يعني ذلك استباق مواقف أي من الطرفين أو المساس بها. ويمكن لهذا الحوار أن يتناول الأبعاد التاريخية والسياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالمدينتين، وأن يهيئ إطارا لتدبير هذه القضية الممتدة منذ عقود ضمن البنية الأوسع للعلاقات المغربية-الإسبانية والعلاقات المغربية-الأوروبية.

أما إذا أُعيد وضع الهجرة داخل إطار أوسع يقوم على المصالح المتبادلة، والتنمية، والمسارات القانونية للحركة، والتعاون الأمني، والاحترام المتبادل، والقانون الدولي، وإدارة الاعتماد المتبادل، فقد تتحول الأزمة من مصدر للتوتر إلى فرصة لإعادة بناء قواعد أكثر نضجا للشراكة. وهنا تحديدا تكمن المفارقة الاستراتيجية: كلما أصبحت الهجرة أكثر أمننة، ازدادت الحاجة إلى سياسة تتجاوز الأمننة والاختناقات الجيو-سياسية لتحقيق الأمن الجماعي والاستقرار والتنمية المستدامة.

هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

هل تعيد أمننة الهجرة في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس هل تعيد أمننة الهجرة في سبتة صياغة الشراكة المغربية

كانت هذه تفاصيل هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم