اليكم الان عصر الشبيه والان إلى التفاصيل من المصدر بيروت تايمز
رشيد ج. مينا
اليوم، من الطاولة إياها في ذلك المقهى الذي اعتدت أن أشرب فيه فنجان قهوة الإسبريسو، وأتلذذ ليس بطعمها المحبب فحسب، بل بذلك التجوال الذي يأخذني إليه فنجان القهوة، إلى آفاق تمتد بقدر ما يستطيع الفكر أن يصل، أخذتني الذاكرة إلى حكايات قديمة عن «الشبيه».
شبيه لهذا القائد أو ذاك الرئيس، يستعان به لدواعٍ أمنية كما كانوا يقولون. وبديل لهذا الممثل أو ذاك في المشاهد الخطرة والمليئة بالحركة. ثم عرف الإنسان بدائل للأعضاء البشرية، وبدائل للمواد، وصرنا في الأسواق نختار بين الأصلي والتقليد.
كان الشبيه، في معظم هذه الحالات، بديلًا عن الأصل عند الضرورة. أما ما يدهشني اليوم فهو أن يتحول الشبيه شيئًا فشيئًا إلى أصل، وأن يوضع الأصل في التجميد.
انظروا من حولكم.
شبيه الجبنة، شبيه اللبنة، بدائل الحليب والزبدة، منتجات تصنع لكي تؤدي وظيفة المنتج الأصلي أو تشبه مذاقه ومظهره، والروبوت يحاكي بعض أعمال البشر، والذكاء الاصطناعي يحاكي جانبًا من قدرات الذكاء البشري في اللغة والتحليل والإنتاج.
حتى في بعض اتجاهات جراحة التجميل المعاصرة لم يعد الأمر مقتصرًا على إصلاح تشوّه، أو ترميم أثر حادث، أو تصحيح ما يسبب معاناة حقيقية؛ بل ظهرت ظاهرة السعي إلى وجوه متقاربة وفق نموذج جمالي رائج:
الشفاه نفسها تقريبًا، الأنف نفسه، تحديد الفك والخدين، وتعبيرات قد تفقد شيئًا من فرادتها. وهنا يظهر «الشبيه» بصورة لافتة: الإنسان لا يبحث عن شبيه لشيء يملكه، بل قد يعيد تشكيل ملامحه ليصبح شبيهًا بصورة نموذجية صنعتها الموضة والإعلانات ووسائل التواصل.
حتى أصبحت أتساءل: أي عالم هذا الذي نقوده ويقودوننا إليه؟
المشكلة ليست في أن يبتكر الإنسان البدائل. فمنذ وجد الإنسان على الأرض وهو يبتكر الأدوات والوسائل التي تسهل حياته، والطب نفسه أنقذ ملايين البشر بأعضاء وأطراف ووسائل صناعية عوضت ما فقده الجسد، والتكنولوجيا وفرت للإنسان قدرات لم يكن يحلم بها.
المشكلة تبدأ عندما لا يعود البديل مساعدًا للأصل، بل يصبح مشروعًا لإقصائه.
عندما يصبح السؤال الاقتصادي ليس: كيف ننتج الأفضل للإنسان؟ بل: كيف ننتج الأرخص والأسرع والأكثر قابلية للبيع، ولو كان أبعد عن طبيعته وحاجاته؟
هنا يتحول الشبيه من حل إلى فلسفة.
في الغذاء مثلًا، تتسع أسواق المنتجات التي تستبدل مكونات تقليدية بأخرى أقل كلفة أو أكثر ملاءمة للتصنيع والتخزين. وليس كل بديل غذائي ضارًا لمجرد أنه بديل، كما أن الطبيعي ليس صحيًا بالضرورة في كل الأحوال. لكن الخطر يبدأ عندما يكون معيار الصناعة الأول هو خفض الكلفة وزيادة الربح، بينما يصبح المستهلك آخر من يعرف حقيقة ما يأكله.
وإذا كان النظام الغذائي الحديث يفرط في الأغذية شديدة التصنيع والسكريات والدهون غير الملائمة والسعرات على حساب الغذاء المتوازن، فإن الثمن لا يبقى في فاتورة الطعام؛ ينتقل إلى الصحة، ثم إلى الطبابة والدواء، وإلى المجتمع والاقتصاد كله.
حتى الزراعة لم تعد خارج هذا السؤال، ولا الثروة الحيوانية ولا البحرية.
كيف نزرع؟ ماذا نطعم الحيوان؟ ماذا نضع في المنتج؟ كم نستهلك من الطبيعة؟ وماذا يبقى للإنسان من حقه في معرفة ما يأكل وكيف أُنتج؟
لكن «الشبيه» لم يتوقف عند الطعام.
لقد دخل إلى عالم الإنسان نفسه.
نحن اليوم أمام آلة تستطيع أن تكتب وتتحدث وترسم وتحلل وتجيب وتحاكي أنماطًا من التفكير والإبداع البشري بدرجة لم تكن متصورة قبل سنوات قليلة. وهنا أيضًا لا أرى المشكلة في التكنولوجيا ذاتها.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الطبيب والباحث والمعلم والمهندس والعامل والكاتب، وأن يختصر الوقت ويوسع المعرفة ويرفع الإنتاجية.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا نسمح لبريق التكنولوجيا بأن يحجبه هو:
هل نصنع آلة تساعد الإنسان، أم نعيد تشكيل الإنسان لكي يصبح ملائمًا لعالم الآلة؟
هناك فرق هائل بين الأمرين.
فالإنسان ليس مجرد قدرة على الحساب ومعالجة المعلومات وإنتاج النصوص والصور. الإنسان ذاكرة ووجدان وعلاقة وموقف ومسؤولية وضمير وحب وخوف وأمل وتجربة وانتماء.
لكن الخطر الأكبر في عصر الشبيه ليس أن تصبح الآلة أكثر شبهًا بالإنسان، وإنما أن يفقد الإنسان، شيئًا فشيئًا، ما يميّز إنسانيته.
أن يعيش ولا يتفاعل.
أن يتواصل ولا يلتقي.
أن يعرف آلاف الأشخاص ولا يعرف جاره.
أن يمتلك آلاف المعلومات ويفقد القدرة على بناء معرفة.
أن يتحدث عن القيم ولا يمارسها.
أن يصبح له وجود رقمي أكثر حضورًا من وجوده الإنساني الحقيقي.
وعندها يصبح ما يحدث أخطر من التسليع والترقيم.
إنه إلغاء تدريجي للأصل والتسويق للشبيه.
وقد يصل الأمر إلى ما هو أبعد.
إلى الثقافة والهوية والانتماء، وحتى إلى الوطن.
فماذا يبقى من الوطن عندما يصبح مجرد اسم وعلم وحدود ومؤسسات شكلية، بينما يعيش الناس فيه مقطوعي الصلة ببعضهم، ضعيفي الانتماء إلى المجال العام، يبحث كل منهم عن خلاصه الفردي أو الطائفي أو الخارجي؟
عندها قد يصبح لدينا شبيه وطن.
له اسم الوطن، وعلمه ونشيده ومؤسساته، لكن تنقصه العلاقة الحقيقية التي تجعل من مجموعة السكان شعبًا، ومن الأرض وطنًا، ومن المؤسسات دولة، ومن الفرد مواطنًا.
وفي السياسة أيضًا كم من شبيه نراه؟
شبيه الديمقراطية، عندما توجد انتخابات ولا توجد مساءلة حقيقية.
وشبيه الدولة، عندما توجد مؤسسات ولا تمتلك قرارها كاملًا.
وشبيه الاقتصاد، عندما تتحرك الأموال ولا يكون هناك إنتاج كافٍ.
وشبيه المواطنة، عندما نتساوى في النصوص وتفرقنا الحقوق والمحسوبيات والانتماءات الضيقة في الواقع.
وشبيه السيادة، عندما تبقى الكلمة كبيرة بينما الممارسة أصغر منها.
وهنا يصبح «عصر الشبيه» أكثر من عنوان طريف خطر لي مع فنجان قهوة.
إنه سؤال عن الأصل الذي نريد الحفاظ عليه.
ولا تكون المواجهة برفض التكنولوجيا، ولا بالحنين إلى زمن مضى، ولا بتحريم كل جديد، ولا بالعودة إلى حياة يستحيل أن يعود إليها العالم.
المواجهة تبدأ بالوعي.
بأن نعرف ماذا ننتج وماذا نستهلك، ومن يقرر، ومن يستفيد، وما الثمن الذي ندفعه. وأن نواجه الخلل بالعلم والبرهان لا بالخوف والإشاعة، وبالقوانين والسياسات والخطط التنفيذية لا بالشعارات. نحتاج إلى اقتصاد يخدم الإنسان بدل أن يعيد تشكيل الإنسان وفق حاجات السوق.
وإلى تكنولوجيا توسع قدراته بدل أن تلغي دوره.
وإلى غذاء يعرف الإنسان ماذا يأكل فيه.
وإلى تعليم يصنع عقلًا قادرًا على السؤال لا مجرد متلقٍ للإجابة.
وإلى دولة حقيقية لا شبيه دولة. وإلى مواطن لا يكون رقمًا في سجل أو تابعًا في جماعة.
لقد صنع الإنسان «الشبيه» لأنه احتاج إليه. لكن ربما حان الوقت لأن يسأل نفسه: ماذا لو أصبح الشبيه أكثر حضورًا من الأصل؟
وماذا لو اعتاد أبناؤنا الشبيه إلى درجة أنهم لم يعودوا يعرفون الأصل، ولا يشعرون بأن شيئًا قد فُقد؟ وصلت إلى آخر رشفة من فنجان الإسبريسو، وعدت من ذلك التجوال البعيد إلى طاولتي في المقهى. نظرت إلى الفنجان الفارغ أمامي، وابتسمت وأنا أفكر: لعل هذه القهوة نفسها كانت هي الأخرى قادرة على أن تأخذني إلى كل هذه الأسئلة لأنها بقيت، حتى الآن، قهوة بطعمها الذي أعرفه وأحبه.
نهضت عن الطاولة، لكن سؤالًا واحدًا بقي معي: في عالم يزداد فيه الشبيه يومًا بعد يوم، كم من الأشياء التي نحبها ونؤمن بها وننتمي إليها ستبقى أصلًا؟ وربما لن تكون المشكلة يومًا أننا صنعنا بدائل لكل شيء، بل أن نستيقظ وقد اعتدنا البدائل إلى درجة أننا لم نعد نفتقد الأصل.
انتهى فنجان القهوة… لكن السؤال لم ينتهِ.
عصر الشبيه
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
بيروت تايمز عصر الشبيه
كانت هذه تفاصيل عصر الشبيه نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بيروت تايمز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

