اخبار عربية هوامش على «هوامش زيارة الرئيس»

هوامش على هوامش زيارة الرئيس


اليكم الان هوامش على «هوامش زيارة الرئيس» والان إلى التفاصيل من المصدر صحراء ميديا

 

لا تُقاس قوة الأنظمة السياسية في التجارب الحديثة بقدرتها على الانتصار على خصومها في المواجهات المباشرة فحسب، وإنما بقدرتها كذلك على التحكم في الشروط التي تنتج الخصومة نفسها، ذلك أن المعارضة لا تستمد حيويتها من خطابها وبرامجها وحدها، بل من البيئة السياسية المحيطة بها، ومن مقدار الاستقطاب القائم، ومن طبيعة العلاقة بين السلطة وخصومها،ولهذا اهتمت دراسات السياسة المقارنة بما يحدث عندما تتمكن سلطة ما من تفكيك البنية التي كانت تمنح المعارضة قدرتها على التعبئة، لا بإلغائها أو إخراجها من المجال السياسي، وإنما بتحويل الاختلاف من مواجهة حول شرعية النظام إلى تنافس يجري داخله،وعندئذ تفقد القطيعة والمظلومية والاستقطاب جانبًا من وظائفها التقليدية، وتصبح المعارضة مطالبة بإنتاج حضورها من قدرتها على تقديم البديل أكثر من قدرتها على إدارة المواجهة

ضمن هذا السياق تكتسب عبارة “النظام المشيخي”، التي وردت في بعض الهوامش الأخيرة على زيارة رئيس الجمهورية دلالة أعمق من المعنى الذي أريد لها ،لأنها تمثل عند تفكيكها إقرارًا غير مباشر بتحول في طبيعة العلاقة بين النظام وخصومه، فحين لا يعود الاعتراض منصبًا على سلطة تغلق المجال أمام المعارضة أو تجعل إقصاءها شرطًا لاستمرارها وإنما على سلطة توصف بمنطق “الشيخ”، فإن الوصف يكاد يعترف للنظام بقدرته على الجمع والاستيعاب وامتصاص التناقضات ونزع فتائلها قبل تحولها إلى أزمات، وما أريد له أن يكون توصيفًا لضعف في بنية الحكم يمكن أن يسمى بلغة سياسية أكثر دقة “الاستيعاب السياسي الهادئ”؛ أي القدرة على إبقاء الخصومة داخل المجال العام دون تحويلها إلى صراع وجودي بين السلطة ومعارضيها

وفي هذا المعنى تحمل العبارة شيئًا من الاستسلام السياسي، لا بمعنى الخضوع للسلطة أو التخلي عن المعارضة، وإنما بمعنى التسليم الضمني بانحسار فاعلية بعض أدوات المناكفة التي صنعت، في مراحل سابقة، قوة الخطاب المعارض. فالاستقطاب الحاد كان يوحد قوى متباعدة، والقطيعة كانت تمنح المعارضة شرعية المواجهة، والتضييق كان ينتج رأسمالًا أخلاقيًا يمكن تحويله إلى تعبئة سياسية، أما حين تنخفض هذه العناصر ويظل المعارض قادرًا على التنظيم والنقد والجلوس إلى طاولة التفاوض، فإن مركز المنافسة ينتقل تدريجيًا من إثبات الحق في الوجود إلى إثبات القدرة على تقديم البديل

غير أن صعوبة بناء الخصومة في الحاضر تدفع المقال إلى استدعاء الماضي، فيجعل وجود رئيس الجمهورية داخل منظومة الدولة منذ 2005 أساسًا لمسؤولية ممتدة عن حصيلة المراحل السابقة،لكن المسؤولية السياسية لا تنتقل آليًا من النظام إلى كل من شغل موقعًا داخله، كما لا تتساوى صلاحيات رئيس الجمهورية مع صلاحيات الوزير أو قائد مؤسسة أو موظف سام، وإنما تُنسب المسؤولية بحسب موقع الشخص من القرار ومقدار سلطته فيه

كما أن تحويل الماضي إلى هوية سياسية نهائية يلغي من السياسة نفسها إمكان المراجعة والتطور، وهي قاعدة يصعب أصلًا تطبيقها على تاريخنا السياسي الذي عرف انتقالات متكررة بين السلطة والمعارضة وتغيرًا في المواقف والتحالفات، وكان من أقرب الأمثلة إلى نقض هذا الاستدعاء ما عرفته رئاسيات 2019م من تحالفات واصطفافات للمعارضة وما صاحبها من خطاب وتبريرات سياسية تناقض هذا المبدأ ” الغير واقعي “، لذلك فإن السؤال الأهم بشأن رئيس الجمهورية لا يتوقف عند المواقع التي شغلها قبل 2019، وإنما يتعلق بما فعله منذ أن أصبحت السلطة الدستورية الأولى في الدولة بين يديه،ما الذي ورثه؟ وما الذي اختاره؟ وما الذي استمر؟ وما الذي تغير؟

وفي السياق نفسه فإن محاولة تحويل مصارحة فخامة رئيس الجمهورية بالاختلالات إلى مدخل للمساءلة السياسية تكشف مفارقة أخرى، فصراحته في تشخيص أوجه القصور ووضوحه في تسمية التحديات دون إنكار أو تجميل، سحبا من الخطاب المعارض احتكار وظيفة الكشف والتشخيص وأضعفا فاعلية خطاب يقوم جزء منه على تقديم الاعتراف بالمشكلات باعتباره انتصارًا لسرديته، ومن هذه الزاوية تبدو المصارحة تعبيرًا عن نزاهة في التشخيص ونهج رئاسي مسؤول، جعل الاعتراف بالاختلال مدخلًا للإصلاح بدل أن يتركه مادة حصرية للخصومة السياسية

وتظهر المسافة بين الوقائع والسردية بصورة أوضح في الحديث عن الحوار السياسي، إذ يصعب التوفيق بين القول إن النظام تراجع عن كل طلبات الحوار طوال سنوات حكمه وبين مسار سياسي شاركت المعارضة نفسها في صناعته، ففي سنة 2022 شاركت قوى المعارضة في التشاور السياسي وقدمت مقترحاتها، وانتهت المشاورات إلى اتفاق سياسي حول جملة من القواعد المنظمة للانتخابات، قبل أن يتحدث ممثلون للمعارضة نفسها عن ضرورة حماية ذلك الاتفاق وصيانة ما تضمنه من مكتسبات، ولذلك فإن الذاكرة السياسية لا تسمح بتحويل الخلاف حول نتائج التشاور إلى إنكار لوجوده، كما لا تسمح بتحويل المشاركة الفعلية فيه إلى سنوات كاملة من رفض الحوار

واستمر المسار السياسي بعد ذلك وصولًا إلى توقيع الوثيقة المرجعية للحوار الوطني في 14 يوليو 2026 بمشاركة ممثلين عن الأغلبية والمعارضة، وهنا يصبح التناقض متعلقًا بالذاكرة أكثر من تعلقه بالموقف، فالمشاركة التي كانت فعلًا سياسيًا معلنًا حين وقعت لا يمكن أن تصبح عدمًا عندما تتغير الحاجة الخطابية إليها

وتزداد المفارقة حين يوضع ذلك إلى جانب النظرة التي قدمها الخطاب المعارض نفسه سابقًا لوظيفة المعارضة، باعتبارها خدمة عمومية ينبغي أن تمارس بمسؤولية، وأن على الحكومة أن تستمع إلى الأصوات التي تنبهها إلى أخطائها، فإذا كان الحوار مطلوبًا فمن الطبيعي أن ينتج تقاطعات وتفاهمات دون أن يعني ذلك انتهاء المعارضة،أما المطالبة به ثم إسقاط مساراته من الذاكرة بمجرد الاختلاف حول نتائجها، فتجعل المعيار متحركًا بحيث يصعب على أي واقعة أن تستوفي شروطه

وهنا يتجاوز النقاش تفاصيل زيارة رئاسية إلى سؤال أكثر اتصالًا بطبيعة المعارضة نفسها، فالمعارضة القوية ليست التي تحتاج إلى سلطة سيئة كي تكون جيدة، ولا التي تتوقف قدرتها على التعبئة على مقدار ما تتعرض له من إقصاء، وإنما التي تستطيع إنتاج مشروعها وحضورها حتى داخل مجال سياسي هادئ، وتنتقل من الاستثمار في التوتر إلى المنافسة في السياسات، ومن انتظار خطأ السلطة إلى تقديم بديل عنها،وكلما نجح النظام في خفض مستوى الصدام ازدادت صعوبة هذه المهمة لأن المنافسة تنتقل من المجال الأخلاقي، حيث تمنح المظلومية أفضلية واضحة، إلى المجال السياسي حيث يصبح البرنامج والكفاءة والنتيجة أدوات الحكم الأساسية

ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تكشفه المشيخة من حيث أريد لها أن تخفيه، فهي ليست في هذا السياق وصفًا مقنعًا لدولة تراجعت إلى ما قبل السياسة الحديثة، بقدر ما تبدو علامة لغوية على أن جزءًا من الخطاب المعارض لم يجد بعد التوصيف الذي يناسب التحول في طبيعة المجال السياسي ،ذلك أن السلطة لم تحتج إلى إلغاء المعارضة أو إقصائها كي تستقر، بل أبقت المجال مفتوحًا للنقد والحوار والمنافسة، وهو ما أفقد أدوات الخصومة التقليدية جزءًا من البيئة التي كانت تمنحها فعاليتها، وفرض على الخطاب المعارض البحث عن أدوات أكثر ملاءمة لواقع سياسي تغيرت فيه شروط المواجهة

علي الشيخ سييدن

هوامش على هوامش زيارة الرئيس



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


صحراء ميديا هوامش على هوامش زيارة الرئيس

كانت هذه تفاصيل هوامش على «هوامش زيارة الرئيس» نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صحراء ميديا و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم