اخبار عربية سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة الربانية

سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة الربانية


اليكم الان سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة الربانية والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس

د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

من أعظم ما يكرم الله به عبداً أن يهديه إلى الحق، ويفتح له أبواب العلم، ويجعل على لسانه حجةً توقظ القلوب وتبصّر العقول؛ فيكون بعلمه سبباً في هداية الخلق، وبثباته قدوةً للساعين إلى الإصلاح. وحين يقترن العلم بالإيمان، وتصحبه الحكمة والشجاعة في بيان الحق، يظهر أثره في حياة الناس هدايةً وإصلاحاً، وتنشأ به قيادة ربانية تعرف مسؤوليتها أمام الله، وتحمل همّ الناس، وتأخذ بأيديهم إلى سبيل الرشاد.

وتتجلى هذه المعاني في سيرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ فقد واجه قومه بقلب موصول بالله، وعقل مستنير بالوحي، وحجة تكشف فساد الشرك وتردّ الإنسان إلى فطرته. وكان في حواره معلّماً وناصحاً، يقيم البرهان ويصبر على الأذى، ويرجو لقومه الهداية وهم يمعنون في مخالفته. وقد جمع القرآن الكريم فضل الله عليه، وما آتاه من الحجة والرفعة، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83].

وفي هذه الآية باب عظيم لفهم منزلة العلم وأهله، وأثر الحجة في الدعوة، وصلة الرفعة بحكمة الله وعلمه. وهي تدعو العلماء والدعاة والمصلحين إلى التأمل في أسباب القيادة التي تهدي الناس وتصلح أحوالهم؛ فكلما اتسعت معرفة المرء، عظمت أمانته في البيان والعمل، واشتدت حاجته إلى الإخلاص والحكمة. وما أحوج أمتنا إلى علماء يحملون العلم تعبّداً ومسؤوليةً، ويقيمون الحجة رحمةً بالخلق، ويثبتون على الحق ابتغاء مرضاة الله. ومن هنا نقف مع ألفاظ هذه الآية الكريمة، نستجلي هداياتها، ونتأمل ما تكشف عنه من سنة الله في رفع أهل العلم والحجة، وبناء القيادة الربانية.

في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا}:

جاءت الإشارة للبعيد، والظاهر شمولها احتجاجه على من ناظرهم، فإن حاجّهم في الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وبعد ذلك حاجّهم في الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وبعد ذلك انتصر بالحجّة على كبيرهم وهو الملك أو السلطان، وكذلك أقام الحجّة على والده (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، (2/202)).

والإشارة {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} للبعيد ولعظم الفكر، وقوة الاستدلال مع البعد كانت الإشارة للبعيد، وأضاف الله سبحانه وتعالى الحجة إلى ذاته العليّة إعلاءً لمكانتها ولصدقها وتشريفاً لمن أجراها على لسانه وقلبه (زهرة التفاسير، الإمام محمد أبو زهرة، (5/2571)).

وقوله تعالى: {آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}:

أي: أعطيناها له بإلهام الفطرة السليمة، والعقل الحنيف الذي لا يميل إلا للحق ولا يتّجه إلا إليه، وكانت هذه حجة قوية فاز بها على قومه، وقامت حجة عليهم فيها يفعلون ويتوهّمون، ويزعمون ثم يعتقدون الباطل الذي ليس فيه حقّ ولا شبهة، إنما البهتان العظيم والظلم العظيم للحقائق.

إنَّ الله عزّ وجل اختار إبراهيم - عليه السّلام - لتقوم به الحجة؛ لأنه لم يخلق الناس في الفكر والعلم على سواء، فمنهم الهادي المرشد الذي اختاره الله تعالى؛ ليكون رسول الحق إلى الناس ورسوله إليهم، ومنهم الضّال الذي يطلب الهداية، ومنهم من أركس في الشرّ، وختم الله على بصيرته وسمعه وبصره، فلا يدرك حقاً ولا يستمع لداعي الحق.

وقد أقام الله الحجة على قوم إبراهيم - عليه السّلام - بنبيه الكريم ورسوله العظيم، فأمدّه بقوة في شخصيته كمُحاور بارع ومناظر مُفحِم، كما رزقه الله قوة في حججه وبراهينه التي حقق بها انتصارات متوالية على كبار قومه وسادتهم، ولذلك استحقّ الثناء العظيم من المولى سبحانه. (إبراهيم خليل الله، د. علي الصلابي، ص175 - 176).

واسم الإشارة "تلك" إشارة إلى جميع احتجاجاته، حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة، وفي إضافة الحجة إلى اسم الجلالة تنويه بشأنها وصحتها، فإيتاء الحجة وإلهامه إياها وإلقاء ما يعبر عنها في نفسه، هو فضل من الله على إبراهيم - عليه السّلام - إذ نصره على مناظريه.

والواقع أنَّ جميع حوارات إبراهيم - عليه السّلام - تتسم بالقوة المقنعة والنفوذ المؤثر في نفوس الآخرين، وتنتهي بانتصاره على خصومه الذين لا يجدون أمامهم إلا الإذعان والتسليم، لكن كبريائهم وعنادهم يصدّانهم عن الحق، ويستبدلون أساليب التحاور والتفاهم بأساليب الكبت والبطش والتنكيل، وكل من يتأمل حواراته - عليه السّلام - ويستحضر مكوناته الشخصية وأدواره الرسالية، يدرك - بلا عناء- جوانب متعددة من القوة الحجاجيّة والخبرة الجدلية التي تتمتع بها شخصية إبراهيم - عليه السّلام - حتى صارت سمة شاخصة وأسلوباً متميزاً (صناعة الحوار، حمد عبد الله السيف، ص286 – 289).

وقوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}:

تطلق الدرجات على المراتب المعنويّة في الخير والجاه والعلم والسيادة والرزق، ومن معاني الآية: نرفع من شئنا من عبادنا درجات، بعد أن لم يكن على درجة منها، ومن معانيها نرفع درجات من شئنا من أصحاب الدرجات حتى تكون درجته في كل فضيلة ومنقبة أرفع من درجة غيره فيها.

فالعلم النظري درجة كمال، والحكمة العلمية والعملية درجتا كمال، وفصل الخطاب وقوة العارضة في الحِجاج من درجات الكمال، والسيادة والحكم بالحق درجة كمال، والنبوة والرسالة أعلى من كل هذه الدرجات؛ لأنّها تشتمل عليها وتزيد عنها، وكل ذلك متفاوت بفضل الله، فضّل بعض أهله على بعض، فهو سبحانه يؤتي الدرجات ابتداءً بإعداده وبتوفيقه من يشاء للكسبي منها، واختصاصه من يشاء بالوهبي منها، الذي يرفع درجات من يؤتيهم ذلك بتوفيق صاحب الدرجة الكسبية إلى ما ترتقي به درجته، وبصرف موانع هذا الارتقاء عنه وبإيتاء ذي الدرجة الوهبية (النبوّة) ما لم يؤتِ غيره من أهلها من المناقب والآيات المنزلة والتكوينية وكثرة اهتداء الخلق بها: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} ]البقرة:253[، وجملة نرفع استئنافية مبنية على أن ما آتى الله إبراهيم من الحجة كان اختصاصه بأعلى درجات النبوة الوهبيّة، وما ترتب عليها من درجات الدعوة الكسبيّة (تفسير المنار، محمد رشيد رضا، (7/582-584)).

وقال الشيخ الإمام محمد أبو زهرة: الدرجات المراتب العالية في الهداية والتوفيق، وعبَّر سبحانه وتعالى بالفعل المضارع {نَرْفَعُ}؛ لتجدد الرفعة المستمرة، فالوجود الإنساني يستمر الخير فيه بوجود الهداة المرشدين والمستمعين الأخيار الذين يستمعون فيقولون سمعنا وأطعنا، وبجوار هؤلاء أولئك الذين يستمعون طيب القول فيقولون سمعنا وعصينا، وبذلك يتفاعل الخير والشر في هذه الحياة وسبق بيان العاقبة للمتقين، قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ]البقرة:269[(زهرة التفاسير، مرجع سابق، (5/2572)).

{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}:

تذييل مقرر لمضمون ما قبله مبيّن لمُنشئه ومتعلقه من صفات الله تعالى، وقد وضع فيه اسم الرب مضافاً إلى ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام موضع نون العظيمة على طريق الالتفاف، تذكير منه تعالى لخاتم رسله بفضله عليه وتفضيله إياه برفعه درجات على جميع رسل الله، فهو يقول له إنّ ربك الذي ربّاك وأراك وعلّمك وهداك، ورفع ذكرك بجوده وكرمه، وجعلك خاتم رسله لجميع خلقه، حكيم في فعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه وسياسة عباده، وسيُريك شاهد ذلك عياناً في سيرتك مع قومك، كما أراكهُ بياناً في ما كان من إبراهيم مع قومه (تفسير المنار، محمد رشيد رضا، (7/582-584)).

فالله عزّ وجل حكيم يضع كل شيء بميزان، عليم بكل شيء وله فيما يشاء، ويختار الحكم والعبر البالغات تبارك الله رب العالمين.

المراجع:

إبراهيم خليل الله (عليه السلام) داعية التوحيد ودين الإسلام والأسوة الحسنة، د. عالي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1448هـ - 2026م.

زهرة التفاسير، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 2008م.

صناعة الحوار "مقاربة تداولية جمالية لحوارات سيدنا إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم"، حمد عبد الله السيف، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، ط1، 2015م.

تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم)، محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1990م.

سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة الربانية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


ترك برس سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة

كانت هذه تفاصيل سنة الله في رفع أهل العلم والحجة وأثرها في صناعة القيادة الربانية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم