اخبار عربية محمد الحيّاني
اليكم الان محمد الحيّاني والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
وأنا أستمع اليوم إلى أغنية للمرحوم محمد الحياني، تدافعت الأسئلة في خاطري كأنها صدى بعيد لزمنٍ فَقَدَ توازُنه: هل ما زالت الأيام تُشبه نفسها حين كان الحياني يناجيها بقوله “بغيتكْ هكذا أليّام…”؟ أم أنها تبدّلت حتى غدت طيفًا يمرّ مسرعًا لا يترك فينا أثرًا؟
أكان الحياني يحدّث الزمن أم يحدّثنا نحنُ الذين صرنا نعيش الأيام لا كما نحبّها، وإنما كما يَفرضُ علينا القدرُ أن نحياها؟ كلّما تسلَّلت نبراتُ صوته إلى سُكُوني، شعرتُ أن السؤال الأكبر ليس عن الأيام التي مضت، وإنّما عن قدرتنا نحن على أن نُحبّ الزّمن كما كان يفعل هوَ، أن نراه في سرعته وقلقه، وأيضا فيما يختبئ خلف بُطئه من حنانٍ وصبرٍ وسرّ حياةٍ كان الغناء وحده قادراً على إيقاظه.
ذاكرةٌ تُغنّى بلُغة لا تنقرض
ربما لأن الصّمت طال أكثر مما ينبغي، ولأن الأصوات من حولنا صارت عالية لكنها فارغة، شعرتُ اليوم بحاجة غامضة إلى استدعاء صوتٍ كان يعرف كيف يهمس دون أن يختفي، وكيف يوجع دون أن يصرخ.
أكتبُ عن محمد الحياني، لأن أغنية قديمة اختارتني، وأيقظتْ في داخلي سؤالًا: أين ذهب الذين كانوا يُغنّون لشيء أعمق من الشّهرة؟ شيء يشبه الحياة حين يتمّ قولها بلحنٍ صادق يستعيدُ نبرةً كانت تُطبطب على الوجدان بصوت رجلٍ لم يخُن الإحساسَ يومًا.
ليس ضروريًّا أن ننتظر مناسبة زمنية للحديث عن محمد الحياني، لأن هناك أصواتًا لا تحدِّدها التقاويم ولا تستدعيها الذكريات الموسمية، لكونها تنبعثُ من أعماق الوجدان كلّما مرّت “الأيام” خفيفة أو ثقيلة، وهي تبحث عن نبرة تُعيد التوازن لما اختلّ في الدّواخل.
بعض الفنانين لا يرحلون بالموت، بيد أنهم يبدّلون صيغة الحضور، ويتحوّلون من كينونة إلى أثرٍ مقيم في الذاكرة. كنت، وما زلتُ مثل الكثيرين، مُعجبًا بصوته كما يُعجَب المرء بظلّ شجرة يعود إليها كلما تعب الضوء من الانكسار.
لم يكن محمد الحياني يغنّي كما يفعل الآخرون، فقد كان يُعيد ترتيب ما نظن نعرفه عن الحُزن، ثم يقدّمه إلينا في شكل راقٍ من الفَرح الهادئ، كأنّما الحُزن عنده كان نُبلًا عاطفيًّا يرتدي صوتًا أنيقًا.
لم تكن أناقة الحياني مجرّد مظهر، كانت انعكاسًا لذوقٍ داخلي أصيل، جعل من كلّ إطلالة له فعلًا جماليًا واعيًا، والتزامًا رفيعًا بمعْنى الجَمال.
كان الحياني تجسيدًا لجماليةِ طورٍ فنيٍّ وثقافيٍّ كامل الأوصاف؛ إذ بدا حضوره وكأنه تذكيرٌ دائم بأن الفنَّ الحق لا يُراهِنُ على الصّخب، وإنما على القدرة الهادئة على النفاذ إلى الأعماق، عبر همسٍ شفيفٍ يستقر في وجدانٍ قادرٍ على التمييز بين الطرب والانفعال، وبين الغناء في ظاهره الأدائي، والاستبطان في جوهره الإنساني.
لم يكن صوته، بالنسبة إليّ، مجردَ ذكرى فنّية، كان تجربةً وجدانيةً، زمنًا يستعيد أنفاسه كلما صدح بـ”راحلة” أو “من بعد الغربة”.
إنه الحياني، الصوت الذي آوى الشجن إلى الأمل، وحوّل الغياب إلى وعدٍ خافتٍ بأنّ ما يسْكُننا من حياة لم ينطفئ بعد. حين، تسمع اليوم تلك الترانيم المفرطة في التصنع، وأغانٍ تُنتَج كما تُصنع السّلع الاستهلاكية: سريعة، مبتذلة، تُلقى في السوق دون أي وازع من ذوق أو إحساس، تتبدَّد فكرة الفن تمامًا.
وأمام هذا الطوفان الصوتي الذي يصنعه الاستهلاك ويغذّيه التكرار، يحضر الحياني صوتًا يوقظ فينا معنى الموسيقى حين كانت مرآةً للوجدان، لا نغمةً عابرة يستهلكها الناس لملء فراغٍ مؤقّت. الكتابة عن الحياني ليست تحنّناً على ماضٍ جميل، ولا محاولة لاستحضار ذكرى عابرة، إنها صرخة في وجه زمن تم اختزاله إلى مجرد سيل من الأصوات الفارغة.
الذي لم يُغنِّ لنا فقط… وإنما غنّى عنّا
لا يحتفي الحياني في “يا سيدي أنا حر” بالحرية كشعار، بيد أنه يُؤسّسها مثل نغمة عصية، تنبع من عمق وعيٍ بذاته وبزمنه. كان متمردًا بالمستوى: تمرُّده رُقِيٌّ، وصَوْتُه معرفة بحدود الكرامة وكرامة الحدود. بينما جاء صوته من “من ضيْ بْهاك”، كما لو أنه حزمة نور هبطت من غيمٍ مبلّل بالحزن، دافئة دون هيمنة، وقوية من غير استعراض.
كان ذلك في زمن كانت فيه الأغنية المغربية تبحث عن هويتها خارج التقليد، وداخل الإبداع. أما حين غنّى “بارد وسخون”، فقد كان يصف تقلّبات الهوى، وفي الآن ذاته مزاجًا وطنيًّا مركّبًا، يجمع بين الشجن والفرح، وبين انتظار متوتر ورضى عميق، بين كبرياء العاشق ونعومة الإذعان.
أما “راحلة”، فليست أغنية فراق بالمعنى الشائع، هي كتابة صوتية لميتافيزيقا الرحيل: الوطن، الزمن، الحبيب، والذات القديمة كلّها تحضر في طيّاتها. يغني الحياني الرحيل كما لو أنه نوع من التطهّر الداخلي. في “والُوا باسْ” حديث عن الجمال الممكن حتى في لحظة السقوط، لذلك فهي أغنية عن الإنسان الذي يتعثّر ثم ينهض ويغنّي رغم الألم.
أما “وقتاش تغني يا قلبي” فهي مرآة داخلية، لذاتٍ صمتت طويلًا، وتنتظر لحظة استعادة النغمة التي يمكنها أن تعيد تعريف الوجود.
هكذا، لم يكن محمد الحياني صاحب صوت يُجاور الموسيقى، بقدر ما كان يمتزج بها، كأنّ النغمة والعبارة خرجتا من رحم واحد. على أن المعادلة الصعبة التي حققها هي جمعه بين البساطة والتعقيد، بين سهولة تصل القلب وعمقٍ يُربك التحليل.
كان سهلًا ممتنعًا، عذبًا دون ابتذال، طربيًّا دون تفخيم. لم تكن شهرته نتيجة إعلام أو صناعة ترفيه، كانت ثمرة موهبة تشكّلت بصبر ونزاهة. فقد عاش بأناقة داخلية، ومات على نبرة شريفة.
لم يَصْعَدْ إلى الشُّهْرة… وإنَّما نزلَ إلى القَلْب
ما الذي يُبقي فنانًا حيًّا بعد الغِياب؟ أهو الجمال الخالص أم صدقٌ لا يشيخ؟ نحن لا نحب صوته لأنه يُطرب، نحبّهُ لأنه يضعنا أمام أنفسنا بدون مُواربة.
وحين تتردّد “راحلة”، يكتسحنا وعيٌ بأن زمنًا مضى لمْ نُحسن وَدَاعَهُ.
هل كان حديثي عن الحياني استعادةً لمساره الفنّي، أم كان، في جوهره، محاولةً لإنقاذ ذائقةٍ يوشك ابتذالُ الذوق السائد أن يمحُوَ ملامِحها؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
محمد الحيّاني Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل محمد الحيّاني نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.