- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية الحقائب

اخبار عربية
هسبريس قبل ساعة و 52 دقيقة

اليكم الان الحقائب والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

ما إن تلُوح ساعةُ تشكيلِ الحُكومة حتى تستعيدَ الحقائبُ الوزارية بريقها الموسمي. تلمِّعُ الأحزابُ مقابِضها، وتتفقّد أقفالها، وتضعُها في الواجهة كأن الدولة فتحت مخزنًا سريًا للنّفائس. وفي لحظة واحدة تتراجع قضايا البلاد إلى الصّفوف الخَلفيَّة، ويتقدَّم السؤال الأهم: مَنْ يحمِلُ ماذا؟ تبدَأ الحِساباتُ قبل أن تبدأ البَرامج.

يرى حزبٌ أن حجمه الانتخابي لا يسمح له بحقيبة متواضعة، ويعتبر آخر تاريخه السياسي رصيدًا يؤهله لحقيبة وازنة، ويخشى ثالث أن يعود إلى أنصاره بعد المفاوضات مثلَ ضيفٍ حضر مأدبة كاملة ثم خرج بعُلبة حلوى.

مَوْسم الحقائبِ… يا مرْحباً، يا مرحباً

تتحوّلُ السياسة في موسم التشكيل الحكومي إلى مطار واسع، وتتحوّل الأحزاب إلى مسافرين رسميين ينتظرون أمام سير الأمتعة. يؤكّدُ كلّ واحد منهم أنّه لم يأتِ من أجْل الحَقيبة، وإنّما من أجل الوطن وخدمة المواطن، ثم تتّجهُ العيون كلها إلى السَّير كلما ظهرت حقيبَة لامعة.

تمرُّ الدّاخلية، ثم الخارجية، فالمالية، فالتّجهيز، فالصّحة، فالتّعليم؛ أسماءٌ ثقيلة يفترض أن تحمل معها التّعب والمسؤولية والمساءلة، غير أنّ بعض الوُجوه تستقبلُها بحَماسِ من تلقَّى بطاقَة صُعود إلى الدّرجة الأولى. أمّا المُواطن، فلا أحدَ يسأله أيّ رحلة يُريد، ولا أي وجهة تُناسبه، ولا حتّى إن كان المطار الذي يقفُ فيه يؤدي أصلًا إلى المكان الذي يقصِدُه. يكفيه أن يسمع أن الطّائرة ستُقلع قريبًا. أما الاتّجاه، فيُمكن مناقشته لاحقًا، بعد توزيع المَقاعد.

الدّرجة الأولى إلى الحكومة

لا تتسَاوى الحقائبُ، حتى وإن تشابهَ شكلها الخارجي. هناك حقيبةٌ يزنُها الجميع بنظرة واحدة، وأخرى تبدو صغيرة وتخفي جُيوبًا كثيرة، وثالثة لا تستوقف الجُمهور كثيرًا، فيما يعرف أهل المطار جيِّدًا لماذا يطول الانتظار حَولها. الحقيبَة الوزارية لا تحمل ملفات القطاع وحدها، في بِطانتها تعيينات ومؤسسات ومجالس وإدارات وميزانيات وتوقيعات وشبكات نفوذ.

لذلك لا يدُور التَّفاوض دائمًا حول اسْم الوزارة، وإنَّما حول ما يمنحُه الاسم من قُدرة على الحركة والتأثير. قد تبدو حقيبة بسيطة في الخِطاب، ثم يتَّضح عند فتحِها أنها مُزودة بأكثرَ من قَاعٍ.

هنا تبدأ هندسة “التّوازنات”. حقيبة لهذا الحزب حتى لا يشعُر بالإهانة، وأخرى لذاك حتى لا ينسَحب، وثالثةٌ لحَليفٍ أصغر حتى يحتفِظ بشُعور الشّراكة، ورابعةٌ تظهر فجأة لأن أحدهم تذكر أن وزْنه السياسي لا يُناسب السَّفر بحقيبة يَدٍ. وإذا لم يحصُل حزب على ما يريد، تتغير اللّغة فورًا.

تختفي أسماء الوزارات من التصريحات، ويظهر “احترام الإرادة الشعبية” و”الانسجام الحكومي” و”الوضوح السّياسي” و”المصلحة الوطنية”. تعرفُ السياسة جيِّدًا كيف تستبدلُ أسماءَ الأمتعة عندما يُصبح الحديثُ المباشر عنها مُحرجًا.

حقيبة رسمية للاستعمال السّياسي

الحقيبة الوزارية مخلوقٌ سياسي عَجيب. يصفها الجميع بأنها تكليف شاقّ، ثم يتنافسون عليها بوصفها تشريفٌ مُعتبرٌ؛ يسمونها عِبئًا، ثم يغضب من يفقدها؛ يقدمونها باعتبارها مسؤولية ثقيلة، ثم يتحوّل الحِرمان منها إلى قضية كَرامة سياسية.

وقد يحصل حزب على الحقيبة قبل أن يعرف بدِقَّة ماذا سيفعَل بها؛ لا مشكلة في ذلك. التّفاصيل تأتي لاحقًا. المهم أولًا أن تستقِرَّ الحقيبة في اليَدِ، فالتّخطيط يمكن أن ينتظر، أما الصّورة التذكارية فلا تنتظر أحدًا.

أما البرنامج الحُكومي، فيجلس عادة في زاوية هادئة مثلَ حقيبة نِسيَها صاحبُها في صالة الانتظار. تمُرُّ أمامه الوُفودُ، وتتغيَّر الأسماء، وتكثر الاجتماعات، ولا يقترب منهُ أحد إلا بعد انتهاء توزيع المقاعد.

ومع احتدام المفاوضات ترتفع حرارة اللّغة. تظهر فجأة “المرحلة الدقيقة” و “الرّهانات الكبرى” و “التّحديات التّاريخية” و”الاختيارات الاستراتيجية” وَ” المصْلحَة الوطنية العليا”.

كلماتٌ واسعة بما يكفي لإخفاء السُّؤال الصغير الذي: منْ سيَأخذ ماذا؟ تستمرّ المُساومات حتى يجد كل طرف مكانًا مناسبًا لأمتعته. يتقدم اسم ويتراجع آخر، تنتقل حقيبة من يد إلى أخرى، ويظل قانون واحد ثابتًا: لا أحد يرغب في الخروج من المفاوضات كما دخلها. ففي السياسة، اليد الفارغة مشكلة في الصورة قبل أن تكون مشكلة في البرنامج.

وحين تنتهي العملية، يستعيدُ الجميع هُدوء رجال الدّولة. تظهر الابتسامات، وتبدأ العبارات المحفوظة: ثقة غالية، مسؤوليةٌ جسيمة، عملٌ جماعي، خدمة المواطن، تنفيذ الأولويات. يتغيّر الوزراء وتحتفظ الجُمل بوظائفها، حتى يبدو أن النصوص جاهزة قبل أصحابها. أما المواطن، الذي حضر اسْمُه بكثافة في التّصريحات، فلا يدخل القاعة. يبقى خارجها مع حقيبتِه التي لا يتسابقُ عليها أحدٌ.

المواطن ليس ضمن الأمتعة

في حقيبة المواطن فاتورةُ ماء وكهرباء، وإيجار، وواجباتُ مدرسة، ودواء، وموعدٌ طبّي مؤجل، وملف إداري ناقص، وقرض يقتطع من راتبه، وابْنٌ يبحث عن عمل، ومشروعٌ صغير يطرق أبوابًا مُغلقة، وحُلمٌ انتقل من برنامج حكومي إلى آخر من غير أن يتغيّر فيه شيء سوى التّاريخ.

حقيبته أثقل من حقائب كثيرة، وتنقُصها خاصّية واحدة تجْعلها غير جذّابة سِياسيًا: لا تمنح منصبًا لمنْ يحْمِلها. هنا تبلغ المفارقة ذروتها. تتزاحم الأيدي على الحقائب التي تمنح السلطة والنفوذ، وتظل حقيبة الناس في مكانها، مع أن الجميع يعلن استعداده لخدمتهم صباح مساء.

يبدو أن خدمة المواطن، مثل خدمة نقل الأمتعة في بعض المطارات، متاحة نظريًا أكثر مما هي متاحة عَمليًا.

لا تنسُوا الوطنَ عند المغادرة

وأخيرا، تستقرُّ الحقائب في أيدي أصحابها، وتصدر البيانات التي تؤكد نجاح المفاوضات ورضا الجميع، حتى الذين هدَّدوا قبل ساعات بإفشالها. يعود كل حزب إلى أنصاره ليشرح كيف اختار الحقيبة المناسبة؛ بعدها تبدأ المرحلة الأقلّ احتفالًا: العَملُ.

عندها فقط ينتهي موسم الحقائب ويبدأ امتحانُ محتوياتها. لا تكفي فخامَة الاسم، ولا كثرة الصّور، ولا عدَد المرات التي ترد فيها كلمة “الموَاطن”؛ قِيمةُ الحقيبَة لا تظهرُ عنْد اسْتلامها، وإنما حين يتمّ فتحُها، ويكتشفُ النّاسُ إنْ كانت تحملُ حُلولًا حقيقية أو مجرد ملفَّات مرتبة بعناية للاستهلاك الرّسمي.

تتغير الحكومات، وتتبدل الأسماء، وتنتقل الحقائبُ بين الأيدي، ويبقى المشهدُ مألوفًا: مقاعدٌ محجوزةٌ، حقائب مُوزعة، وُجوه مطمئِنَّة، وابتساماتٌ جاهزةٌ؛ ويبقى سؤالٌ صغيرٌ خارج جدول المُفاوضات: بعْدَ أن عرفنا من يحملُ الحقائب، هل عرف أحدٌ منهُمْ إلى أين يحْملُ الوَطنَ؟

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

الحقائب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل الحقائب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم