اخبار عربية المثقفون عبيد السلطة
اليكم الان المثقفون عبيد السلطة والان إلى التفاصيل من المصدر موقع يمنات الأخباري:
yemenat
يمنات
زكريا نمر
تعاني أفريقيا والوطن العربي من أزمة لا يمكن تفسيرها بنقص التعليم وحده. فبيننا أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وصحفيون وكتاب يحملون مؤهلات علمية عالية، لكن وجود هذه الكفاءات لم يمنع استمرار أنماط من الاستبداد والفساد والتمييز والتبعية الفكرية. بل إن بعض المتعلمين يشاركون في تبرير هذه الممارسات، ويستخدمون معرفتهم لتقديمها في صورة مقبولة، كأن المشكلة في المجتمعات ليست غياب الوعي، بل وجود وعي يتخلى عن مسؤوليته حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة.ليس كل متعلم مثقفا، وليس كل مثقف حرا. فالحصول على شهادة جامعية يعني أن الإنسان اكتسب قدرا من المعرفة والتخصص، لكنه لا يثبت أنه أصبح قادرا على التفكير المستقل أو مراجعة أفكاره أو مقاومة الضغوط الاجتماعية والسياسية. وقد يمتلك شخص معرفة واسعة بالتاريخ والفلسفة والسياسة، لكنه يظل أسير انتمائه الحزبي أو القبلي أو الأيديولوجي، فلا يقبل من الحقيقة إلا ما ينسجم مع قناعاته، ولا يمارس النقد إلا حين يكون موجها إلى خصومه.هذه هي المشكلة التي تستحق النقاش: لماذا لا تتحول المعرفة دائما إلى موقف أخلاقي مستقل؟ ولماذا يستطيع بعض المتعلمين فهم آليات الظلم، ثم يجدون لأنفسهم مبررات للسكوت عنه أو المشاركة فيه؟
جزء من الإجابة يرتبط بطبيعة التعليم نفسه. ففي كثير من البيئات التعليمية، ينشغل الطالب بالحصول على الدرجات والشهادات أكثر من انشغاله بتكوين عقل نقدي. يتعلم الإجابة الصحيحة وفقا لما يطلبه الأستاذ، لكنه لا يتدرب بالقدر الكافي على مساءلة السؤال نفسه. يحفظ النظريات ويستعيد التعريفات، ثم يخرج إلى الحياة العامة دون امتلاك أدوات كافية للتمييز بين الحجة والدعاية، أو بين المعلومة والتضليل، أو بين الموقف المبدئي والتبرير الذي تمليه المصلحة.لا يعني ذلك أن المؤسسات التعليمية في أفريقيا والوطن العربي عاجزة عن إنتاج المعرفة، ولا أن خريجيها يفتقرون جميعا إلى الاستقلال الفكري. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح النجاح الأكاديمي منفصلا عن المسؤولية الاجتماعية، وعندما تقاس قيمة الإنسان بما يحمله من ألقاب وما يشغله من مناصب، لا بقدرته على استخدام معرفته في فهم الواقع ومساءلة المؤسسات التي تؤثر في حياة الناس.في عدد من المجتمعات الأفريقية، تتداخل هذه الأزمة مع آثار الاستعمار، وضعف المؤسسات، والنزاعات المسلحة، والصراع على السلطة والموارد. وفي بعض الدول التي عانت الحروب أو انتقلت حديثا إلى الاستقلال، يجد المتعلم نفسه أمام خيارات معقدة بين المشاركة في بناء المؤسسات والانضمام إلى شبكات النفوذ التي تتحكم في فرص العمل والترقي والمكانة الاجتماعية. وقد تتحول الشهادة، التي يفترض أن توسع خيارات صاحبها، إلى وسيلة للحصول على موقع داخل النظام القائم، حتى لو تطلب ذلك الصمت عن ممارساته أو الدفاع عن قرارات لا يستطيع تبريرها بمعايير عامة.لا تكمن المشكلة في عمل المتعلم داخل مؤسسات الدولة، ولا في مشاركته السياسية، بل في اللحظة التي يتخلى فيها عن حقه في النقد مقابل الامتياز. حينها يصبح المنصب أهم من الفكرة، وتصبح المحافظة على العلاقة مع المسؤول أهم من قول الحقيقة، ويتحول الخطاب عن التنمية والإصلاح إلى غطاء لاختيارات لا تخضع للمساءلة. وفي هذه الحالة، لا تعود المعرفة وسيلة لفهم الدولة وتطويرها، بل تصبح أداة لتبرير طريقة إدارتها مهما كانت نتائجها على المواطنين.
وفي الوطن العربي، تتخذ الأزمة شكلا آخر يرتبط بعلاقة المثقف بالسلطة والأحزاب والتيارات الأيديولوجية. فقد تجد مثقفا يدافع عن الديمقراطية عندما يكون خارج الحكم، ثم يقبل تقييد الحريات عندما تصل جماعته إلى السلطة. وقد يرفض الاستبداد باسم مبادئ دينية أو قومية أو ليبرالية، لكنه يبرره عندما يصدر عن طرف يشاركه الموقف. المشكلة هنا ليست في الانتماء السياسي بحد ذاته، بل في استخدام المبادئ بصورة انتقائية، بحيث تصبح الحرية حقا للحلفاء، وتتحول إلى خطر عندما يطالب بها الخصوم.هذا النوع من التفكير لا ينتج موقفا أخلاقيا، بل ينتج ولاء يبحث عن لغة فكرية تبرره. فبدلا من إخضاع الجماعة للمبادئ التي تعلنها، يجري تعديل المبادئ بما يناسب سلوك الجماعة. وبدلا من مساءلة السلطة عن نتائج سياساتها، ينشغل الخطاب العام بتفسير أخطائها، وإلقاء المسؤولية على الظروف أو المعارضة أو التدخلات الخارجية. وقد تكون بعض هذه العوامل حقيقية ومؤثرة، لكن استخدامها لتفسير كل إخفاق يجعلها وسيلة للهروب من المحاسبة.والمثقف الذي يقبل هذا المنطق لا يحتاج إلى أن يكذب في كل مرة؛ يكفي أن ينتقي الوقائع التي تخدم موقفه، ويتجاهل ما يحرجه، ويستخدم مفاهيم واسعة مثل الأمن والاستقرار والمصلحة الوطنية لتبرير قرارات لا يقبلها لو صدرت عن خصومه. وهكذا تصبح المشكلة أعمق من التناقض بين الكلام والسلوك، لأنها تمس الطريقة التي ينتج بها الإنسان أحكامه، والمعايير التي يقرر على أساسها ما يستحق الدفاع عنه وما يستحق الإدانة.
وقد تساعدنا أفكار بيير بورديو في فهم جانب من هذه الظاهرة، خصوصا ما يتعلق بالمكانة الاجتماعية ورأس المال الرمزي. فالشهادة واللقب الأكاديمي والحضور الإعلامي يمكن أن تمنح أصحابها نفوذا واحتراما، لكن هذه المكانة قد تتحول إلى مصلحة يسعى الفرد إلى حمايتها. وعندما يرتبط الاعتراف الاجتماعي بالقرب من السلطة أو بموافقة المؤسسات النافذة، قد يصبح النقد مكلفا، بينما يصبح التكيف مع الخطاب السائد طريقا أسهل للحفاظ على الموقع.لكن لا ينبغي تحويل هذا التفسير إلى حكم عام على المتعلمين أو المثقفين. فهناك أكاديميون وصحفيون وكتاب يعملون في ظروف صعبة، ويدافعون عن استقلالهم رغم ما يواجهونه من ضغوط. كما أن الخلاف مع السلطة لا يكفي وحده لإثبات النزاهة، مثلما أن العمل داخل مؤسساتها لا يثبت التبعية. المعيار هو قدرة الشخص على تقديم حجج واضحة، ومراجعة موقفه عندما تتغير الأدلة، وتطبيق المبادئ نفسها على الأطراف المختلفة، وقبول المساءلة عن أفكاره ونتائجها.وفان أهمية التمييز بين المثقف بوصفه صاحب معرفة، والمثقف بوصفه طرفا في الحياة العامة. فالمعرفة المتخصصة قد تجعل الإنسان خبيرا في مجاله، لكنها لا تمنحه تلقائيا سلطة أخلاقية في كل القضايا. أما المثقف الذي يتدخل في الشأن العام، فعليه أن يدرك أن موقعه يمنحه مسؤولية إضافية، لا حصانة من النقد. ليس مطلوبا منه أن يمتلك إجابات عن كل شيء، بل أن يكون صادقا بشأن حدود معرفته، وأن يفرق بين ما يعرفه وما يعتقده، وألا يستغل مكانته لإقناع الناس بادعاءات لا تسندها الأدلة.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في المجتمعات التي تعاني الانقسامات القبلية والعرقية والدينية، حيث يمكن للمتعلمين أن يساهموا في توسيع الوعي بالمواطنة المتساوية، أو أن يستخدموا معرفتهم لتطوير خطاب يمنح الانحيازات القديمة مظهرا حديثا. فبدلا من مناقشة أسباب النزاع ومصالح الأطراف ومسؤولية المؤسسات، قد يختار بعضهم تفسير كل مشكلة من زاوية الانتماء، ويقدمون مواقف جماعتهم بوصفها حقائق وطنية، بينما يصورون مطالب الآخرين باعتبارها تهديدا للاستقرار.إن خطورة هذا الدور أنه يمنح التحيز قدرة أكبر على التأثير. فالكلام الصادر عن شخص يحمل مؤهلات علمية أو يشغل موقعا ثقافيا قد يحظى بالثقة حتى عندما يفتقر إلى الأدلة. ولهذا لا يكفي أن نطالب الناس بالتعليم، بل ينبغي أن نطور قدرتهم على مساءلة أصحاب المعرفة أنفسهم، والتمييز بين المكانة العلمية وصحة الادعاء، وبين احترام المتخصص ومنحه حقا غير محدود في تحديد الحقيقة.ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بإلقاء المسؤولية على الفرد وحده. فالمؤسسات التي تعاقب النقد، وتربط الترقية بالولاء، وتضيق فرص البحث المستقل، تسهم في إضعاف الاستقلال الفكري. وكذلك فإن وسائل الإعلام التي تمنح المساحة الأكبر للأصوات القادرة على إثارة الانقسام، أو القريبة من مراكز النفوذ، قد تدفع النقاش العام بعيدا عن التحليل الجاد. لكن وجود هذه الظروف لا يعفي المثقف من مسؤوليته، بل يجعل حماية استقلاله أكثر أهمية.
نحتاج إلى جامعات تشجع الطالب على الاعتراض بالحجة، لا على تكرار ما يرضي أستاذه. ونحتاج إلى مؤسسات ثقافية وإعلامية تقبل الاختلاف ولا تختزل قيمة الإنسان في انتمائه. ونحتاج إلى نقاش عام يستطيع فيه المواطن أن يسأل المسؤول عن نتائج سياساته، وأن يناقش الخبير في حدود اختصاصه، وأن ينتقد الكاتب من دون أن يواجه اتهامات جاهزة بالتخلف أو الجهل أو العداء للوطن.كما نحتاج إلى مراجعة الطريقة التي نمنح بها المثقف مكانته. فليس كل من يقتبس من الفلاسفة مفكرا، وليس كل من يتحدث بلغة أكاديمية يمتلك حجة سليمة، وليس كل من يعارض السلطة مستقلا بالضرورة. الثقافة ليست استعراضا للمصطلحات، ولا سباقا في إظهار الاطلاع، بل قدرة على فهم التناقضات، والاعتراف بالتعقيد، والتمييز بين الموقف الذي تسنده الأدلة والموقف الذي نتمسك به لأن التراجع عنه يهدد صورتنا أمام الآخرين.إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في أفريقيا والوطن العربي ليس كم خريجا أنتجت جامعاتنا، ولا كم كتابا نشرنا، ولا كم شخصا يحمل لقب مثقف. السؤال هو: ما الذي تغير في طريقة تفكيرنا، وفي علاقتنا بالسلطة، وفي تعاملنا مع الاختلاف، وفي قدرتنا على الاعتراف بالخطأ؟ إذا بقيت المعرفة عاجزة عن التأثير في هذه المجالات، فإن تراكم الشهادات وحده لن يكون دليلا على تقدم الوعي.لا يحتاج المجتمع إلى مثقفين يعارضون كل شيء لإثبات استقلالهم، بل إلى أشخاص لا يغيرون معاييرهم الأخلاقية بحسب مواقعهم ومصالحهم. يحتاج إلى من يستطيع نقد السلطة حين يختلف معها، ومساءلتها حين يتفق معها، والاعتراف بصواب خصمه حين يقدم دليلا أقوى. ويحتاج إلى متعلم يدرك أن معرفته لا تجعله أفضل من الآخرين، بل تلزمه بمسؤولية أكبر تجاه ما يقوله ويفعله.فأزمة المعرفة تبدأ عندما يتعامل الإنسان معها بوصفها وسيلة للترقي لا وسيلة للفهم، وتتفاقم عندما يستخدمها لحماية امتيازاته، وتصبح أزمة عامة عندما تكافئ المؤسسات هذا السلوك وتمنحه المكانة والنفوذ. عندها لا يعود السؤال عن عدد المتعلمين كافيا، بل يصبح السؤال عن نوع العلاقة التي تربطهم بالحقيقة والمصلحة والسلطة.
إن قيمة المثقف لا تظهر في قدرته على شرح الظلم، بل في استعداده لمساءلة أسبابه ومقاومة تبريراته، مع الالتزام بالأدلة والإنصاف والمسؤولية. فالمعرفة التي لا تقبل النقد قد تتحول إلى تعصب أكثر تنظيما، والثقافة التي لا تراجع مصالح صاحبها قد تصبح وسيلة للدفاع عن الامتياز، والتعليم الذي لا يوسع استقلال الإنسان قد يمنحه أدوات أكثر تطورا لخدمة التبعية.لهذا فإن التحدي أمام أفريقيا والوطن العربي ليس تخريج متعلمين أكثر فحسب، بل بناء بيئة تجعل التفكير المستقل ممكنا، والنقد مقبولا، والمساءلة حقا عاما. فالشهادة تثبت أن الإنسان درس، لكنها لا تثبت أنه تحرر من أحكامه المسبقة، والثقافة توسع معرفته، لكنها لا تضمن نزاهة موقفه. أما الاستقلال الفكري فيظهر عندما يستطيع الإنسان أن يقول ما تدعمه الأدلة، حتى عندما لا يخدم مصالحه، وأن يعترف بالحقيقة حتى عندما تصدر عن خصمه، وأن يرفض الظلم من دون أن ينتظر معرفة هوية ضحيته.وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نقيس بها أثر التعليم والثقافة: لا بما يملكه الإنسان من معلومات وألقاب، بل بقدرته على التفكير من دون وصاية، ومراجعة نفسه من دون مكابرة، وتحمل مسؤولية موقفه من دون أن يجعل انتماءه بديلا عن ضميره.
من حائط الكاتب على الفيسبوك
yemenat
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل المثقفون عبيد السلطة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على موقع يمنات الأخباري و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.