- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية   محمد البادي يكتب: من يحمي قيمنا الإنسانية في زمن الحرية الرقمية؟

اخبار محلية
صحيفة المسار العُمانية قبل 2 ساعة و 15 دقيقة

اليكم الان   محمد البادي يكتب: من يحمي قيمنا الإنسانية في زمن الحرية الرقمية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر صحيفة المسار العُمانية:

المسار | مقالات الرأي 

  محمد بن حمد البادي

إذا قلنا إن كلمة واحدة قد تهدم في لحظة ما بنته سنوات من الاحترام والثقة، فهذه ليست مبالغة في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من التفكير، والشائعة أسرع من الحقيقة، والانفعال أسرع من العقل، فالقيم الإنسانية لم تعد تُختبر في المجالس والمواقف اليومية فقط؛ إنها تُختبر اليوم على الشاشات، في تعليقاتنا، ورسائلنا، وما نعيد نشره دون أن نسأل: هل ما أكتبه يحفظ كرامة الإنسان أم ينتقص منها؟

وهنا يجب أن نطرح السؤال الصريح: من يحمي قيمنا الإنسانية في زمن الحرية الرقمية؟ هل تحميها القوانين وحدها؟ أم المؤسسات؟ أم الأسرة والمدرسة والإعلام؟ أم أن المسؤولية، في جوهرها، تبدأ من الإنسان نفسه؛ من تلك اللحظة التي يستطيع فيها أن يكتب أي شيء، لكنه يختار أن يتوقف لأن لديه وعيًا واحترامًا للآخر؟

لقد فتحت عُمان أبوابها على العالم، واتسعت أمام أبنائها مساحات التواصل والمعرفة وتبادل الأفكار مع أي فرد في هذا العالم؛ والذي أصبح وكأنه قرية واحدة، وهي فرصة لا ينبغي الخوف منها، لكن الانفتاح يصبح خطرًا حين نفهم الحرية باعتبارها تحللًا من المسؤولية، أو نمنح الاختلاف مبررًا للإساءة والتجاوز، فنحن، كمسلمين أولاً وكعمانيين تالياً، لا ندخل هذا العالم بلا رصيد، بل نحمل معنا إرثًا أخلاقيًا تركه الآباء والأجداد، من التسامح والاحترام والاعتدال وحسن التعامل، وهي قيم لم تُبنَ في يوم وليلة، بل تشكلت عبر أجيال وأصبحت جزءًا من شخصية المجتمع العُماني.

لذلك، فإن مواكبة العالم لا تعني أن نضع هذه القيم جانبًا، ولا أن نعلّقها على جدار الزمن باعتبارها ذكريات من الماضي؛ بل أن نجعلها حاضرة في سلوكنا اليومي، وفي لغتنا على الشاشات، في حوارنا، في اختلافنا مع الآخرين، وفي الطريقة التي نمارس بها حريتنا، فالانفتاح الحقيقي ليس أن نتخلى عما ورثناه، وإنما أن نثبت للعالم أجمع أن قيم الآباء والأجداد قادرة على أن تعيش معنا في الحاضر، وأن تكون بوصلة لنا ونحن نمضي بثقة نحو المستقبل.  إن التسامح، والرحمة، والاحترام، والعدل، وقبول الآخر، وحسن الحوار لم تكن يوماً قيماً زائدة عن الحاجة، كما أنها ليست قيمًا تصلح للحياة الواقعية فقط؛ بل هي أكثر حاجة إلى الحضور في الفضاء الرقمي، حيث تغيب أحيانًا ملامح الإنسان الذي نخاطبه خلف الشاشة، فالذي نحترمه وجهًا لوجه لا يجوز أن نهينه خلف حساب مجهول، والذي نرفض أن نجرحه في مجلس لا ينبغي أن نجرحه بتعليق.

وهنا يجب أن يدرك الجميع أن الحرية ليست رخصة لإهانة الآخرين، ولا غطاءً للتشهير أو التجريح أو التنمر، فالرأي حق، لكن التشهير ليس حقًا؛ والنقد حق، لكن التجريح ليس حق؛ والاختلاف طبيعي، لكن الكراهية والإقصاء لا يمكن أن يكونا وجهًا آخر للحرية.

وفي الحقيقة، ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها؛ فقد منحتنا المنصات الرقمية قدرة هائلة على التعبير، لكنها منحتنا في الوقت نفسه قدرة هائلة على الأذى، منشور ساخر قد يهدم كرامة إنسان، وشائعة أتت من بعيد قد تشوّه سمعته، وتعليق قاسٍ قد يترك جرحًا عميقًا لا نراه لأن صاحبه ليس أمامنا. إن الأسرة لا ينحصر دورها في توفير المسكن والمأكل والمشرب فقط، بل هي مطالبة بغرس القيم الإنسانية منذ الصغر، والمدرسة مطالبة ببناء وعي رقمي لا يقتصر على مهارات استخدام التقنية، بل يمتد إلى أخلاقيات استخدامها، والمؤسسات الدينية والثقافية مطالبة بتعزيز قيم الرحمة والتسامح واحترام الآخر، والإعلام مطالب بأن يرسخ ثقافة التحقق والحوار وكيف نحترم الرأي المخالف، لا ثقافة الإثارة والتشهير والصدام وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية لمجرد أن شخص نكرة خالفنا في الرأي، أما المؤسسات المختلفة، فعليها أن تسهم في بناء بيئة رقمية أكثر وعيًا ومسؤولية.

لكن، قبل كل هؤلاء، يبقى الإنسان هو خط الدفاع الأول عن إنسانيته، فالأسرة لا يمكن أن تراقب كل شاشة، والمدرسة لا تستطيع مراجعة كل تعليق، ولا الإعلام يمكنه تصحيح كل إساءة، ولا المؤسسات أن تكون خلف كل إصبع يضغط زر “إرسال”، لذلك فإن الرهان الحقيقي يقع على الضمير الرقمي؛ أن يعرف الإنسان أن خلف كل حساب شخصًا له كرامة ومشاعر، وأن وراء كل كلمة أثرًا قد لا يظهر لنا، لكنه قد يبقى طويلًا في نفس إنسان آخر.

لقد انتهى زمن العزلة والجمود، ولا ينبغي أن نخاف من الانفتاح على العالم، لكن علينا أن ندخل هذا العالم بوعي؛ نتعلم منه دون أن نفقد إنسانيتنا، ونختلف دون أن نكره، وننتقد دون أن نهين، ونستخدم التقنية دون أن نسمح لها بتغيير أخلاقنا، ولا تنال من قيمنا الأصيلة، ولا تؤثر سلباً على هويتنا العمانية.

ولذلك، لا تسأل فقط: من يحمي قيمنا الإنسانية في زمن الحرية الرقمية؟ اسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلتُ أنا لحمايتها؟

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل   محمد البادي يكتب: من يحمي قيمنا الإنسانية في زمن الحرية الرقمية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم