اخبار عربية أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية

أسرار فاس العتيقة حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية


اليكم الان أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

فاس مدينة تشكّلت على مهل. تعاقبت عليها الدول، ووسّعها السكان، أسسها الأدارسة، ووحّد المرابطون عدوتيْها، واتخذها المهدي بن تومرت مكانا لخلوته، ثم أضاف المرينيون إلى غربها فاس الجديد سنة 1276. وراء الاسم الواحد مدن متراكبة، ووراء المشهد الذي يبدو متجانسا قرون من الإضافة والتعديل والأخذ والعطاء. لهذا، أحسست وأنا أدخلها كما يدخل المرء كتابا له أكثر من مؤلف، وقد ترك كل مؤلف أثر إصبعه على صفحاته.

ما أن تعبر باب بوجلود حتى تشعر بأنك تنتقل من زمن إلى زمن. خلفك مدينة السيارات والإشارات والواجهات المستقيمة، وأمامك فاس القديمة التي تتلوى أزقتها كما لو أنها تحفظ سرّا وتخشى أن يصل إليه الغريب بسرعة. يقف باب بوجلود بفسيفسائه الزرقاء من الخارج لونا لفاس، والخضراء من الداخل، كأنه يعلن أن للمدينة وجهيْن: وجه تقدمه للقادم، ووجه لا تكشفه إلا لمن يدخلها. وعلى الرغم من مظهره الموغل في القدم، فإن صورته الحالية تعود إلى مطلع القرن العشرين؛ لكنه نجح، مثل أشياء كثيرة في فاس، في أن يكتسب من جواره هيبة القرون.

من الباب تبدأ الطالعة الكبيرة والطالعة الصغيرة، وهما شريانان ينحدران نحو قلب فاس البالي. يبدو السير عبرهما أشبه بهبوط بطيء في طبقات التاريخ. الدكاكين متلاصقة كأنها تتقاسم جدارا واحدا منذ الأزل، والروائح تتناوب على المار: نعناع، عنبر، خشب الأرز، جلد، توابل وخبز ساخن… وفوق الرؤوس تتقارب البيوت حتى لا تترك للسماء إلا شريطا أزرق ضيقا، كأن فاس تريد للزائر ألا يتشتت نظره إلى الأعلى؛ بل أن يرى ما صنعه الإنسان على الأرض وما تركه الزمن على الأبواب والجدران والناس.

في الطريق تستوقفك المدرسة البوعنانية، شامخة في هدوء المرينيين. شيّدها السلطان أبو عنان المريني في القرن الرابع عشر، فكانت مدرسة ومسجدا وفضاء للعلم. تتداخل في الحكايات المنسوبة إلى تأسيس المدرسة روايتان يصعب الجزم بتفاصيلهما التاريخية؛ لكنهما تلتقيان عند معنى التحول وإمكان الخلاص: إحداهما تقول إن السلطان أراد التكفير عن ذنوبه، فاستشار العلماء، فأشاروا عليه بتحويل موضع تتراكم فيه النفايات إلى مدرسة وبيت للصلاة، ليكون إعمار المكان سبيلا إلى إصلاح النفس. أما الرواية الأخرى فتربط بناء المعلمة بغرامه بامرأة عاب عليه الفقهاء صلته بها، فاختار موضعا تنفر منه النفوس وأقام عليه تحفة معمارية، ثم واجه منتقديه بمعنى مؤداه: إذا كان المكان يمكن أن يتغير، فلماذا لا يكون للإنسان الحق نفسه في أن يتغير؟

ولعل الروايتين وجهان لحكاية واحدة أعادت الذاكرة تشكيلها، أو تأويلان مختلفان لجمال أثار خيال الناس. ففي الأولى يلتمس السلطان الغفران لنفسه، وفي الثانية يحتج بحق غيره فيه.

هنا يفتنني الجص الذي تحوّل تحت أيدي الصناع إلى كتابة، وخشب الأرز الذي صار هندسة معلقة، والزليج الذي يذكّرني بأن الجمال في الحضارة المغربية ليس زينة ملحقة بالحياة، بل طريقة في إدراك العالم. يبدو العلم كأنه يحتاج إلى الجمال كي يكتمل، وتبدو الزخرفة كأنها تحس وتفكر بصمت.

قبالة المدرسة توجد دار المكانة، حيث ترتبط الواجهة بذاكرة الساعة المائية. خارجها تمضي الحياة في المساومة والحمل والنداء، وداخلها وقت للدرس والصلاة، وبين الاثنين احتاجت المدينة إلى معرفة الساعة. قرأت في ذلك أثر مجتمع ينظّم يومه ويبتكر أدواته، ويجعل للماء عملا آخر بعد إرواء العطش.

ثم يأخذني انحدار الطالعة الكبيرة أعمق في المدينة. تتقدم الحواس أحيانا على المعرفة: تصل الرائحة قبل اسم الدكان، ويأتي وقع المطرقة قبل أن ترى يد صاحبها. تمرّ عين أزليتن، ثم تتوالى الأسواق والحرف، والشرابليين وما يتفرع عن المحور من دروب، حتى تشعر بأن أسماء الأمكنة نفسها بقايا وظائف قديمة التصقت بالجغرافيا. أتوقف عند معنى الاسم في فاس. عين، سوق، فندق، حرفة، مادة، وليّ، مسجد… كان الناس يسمون المكان بما يفعلونه فيه أو بما يجدونه عنده، ثم يورثون الاسم وقد صار وثيقة موجزة عن طريقة عيشهم.

وأواصل النزول، فتضيق الأزقة أكثر، ويتحول السير إلى تفاوض دائم مع العابرين والبغال والعربات الصغيرة. تسمع من خلفك نداء: “بالاك، بالاك!” فتلتصق بالجدار، وتمر الدابة أو العربة محملة بما تحتاجه المدينة. عندها تدرك أن فاس البالي كائن حي ما زال يستعمل شرايينه القديمة. الأبواب نفسها تفتح، وبيوت نار الأفران نفسها تشتعل، والحرف نفسها تتوارثها الأيدي، وإن تغير العالم خارج الأسوار.

شيئا فشيئا أدخل مجالا تتكاثف فيه الأسواق حول القلب الديني والتجاري للمدينة. أصل إلى سوق الحناء؛ ذلك الفضاء الصغير الذي يحمل في اسمه ذاكرة مادة وحرفة واستعمال يومي، وتجاوره ذاكرة مارستان سيدي فرج. عادة ينجذب الحديث عن المدن سريعا إلى قصور السلاطين ومآثر العلماء، بينما تكشف طريقة استقبال المريض والضعيف جانبا آخر من أخلاق العمران. أسأل نفسي: كم من الذين مروا من هنا وكان وجعهم سببا في أن تنشأ مؤسسة للعلاج والرعاية في محاولة مدينة أن تخفف ألم شخص مجهول؟

تتسع ساحة النجارين قليلا، كأن المدينة تمنح الرئة فسحة بعد ضيق الدرب. أمام السقاية وفندق النجارين يستوقفني هذا الاقتران بين الماء والسفر والعمل. شُيّد الفندق في العصر العلوي في بداية القرن الثامن عشر، وكان فضاء للتجارة والإقامة وتخزين البضائع؛ محطة لمن يصلون إلى فاس من طرق بعيدة محملين بالأخشاب والسلع والأخبار.

وقد صار اليوم متحفا لفنون الخشب وحرفه؛ لكنه لا يزال يحتفظ بمعنى الضيافة القديمة: فناء في الوسط، وغرف تطل عليه من الطبقات العليا، وبناء يجعل من الداخل عالما مستقلا يحتمي من صخب السوق.

ثم أصل إلى النافورة المزخرفة التي تبدو مثل قصيدة ملحون من الزليج والخشب المنقوش. في فاس حتى الماء له ذاكرة. النوافير المنتشرة في الأحياء كانت جزءا من نظام اجتماعي وعمراني يهب الماء للساكن والعابر والدابة والطير..

أطيل النظر إلى الخشب. أفكر في الشجرة التي كانت يوما تستقبل المطر وتظل العابرين من حر القيظ، ثم أصبحت بابا أو سقفا أو منبرا. بين الغابة والمدينة سلسلة من الأيدي والمعارف والطرق والعرق. ما أراه قطعة جميلة كان، قبل أن يستقر هنا، رحلة كاملة. في النقش أثر عين تعبت، ويد ترددت ثم أصابت، ووقت طويل لم نره. من حق الذين صنعوا هذا الجمال أن يكون لهم نصيب من ذاكرتنا، حتى حين نجهل أسماءهم.

ومن النجارين أدخل أكثر في شبكة الأسواق. تمر بي القيسارية بما تختزنه الكلمة من تاريخ التجارة المنظمة، وتتكاثف الدكاكين حول مجال يكاد فيه الاقتصاد يلامس المقدس. هنا، لا تفصل بين السوق والجامع حدود حادة، يخرج المرء من البيع إلى الصلاة، ومن طلب الرزق إلى طلب البركة، ومن ضجيج المساومة إلى خشوع العبور.

وعند ضريح مولاي إدريس الثاني تبلغ الرحلة قلبها الروحي. فإلى إدريس الثاني يُنسب استكمال بناء فاس وجعلها عاصمة لدولة ناشئة في مطلع القرن التاسع. حول ضريحه تشكلت حرمة خاصة، وظل المكان مقصدا للزوار وأهل المدينة. تمر قربه فتنخفض الأصوات تلقائيا. تبدو الذاكرة هنا علاقة وجدانية بين المدينة ومؤسسها، بين المكان ومن منحه أحد معانيه الجامعة.

وفي قلب هذا النسيج تظهر جامعة القرويين، تتوزع روحا في الحي كله. ارتبط تأسيس جامع القرويين في القرن التاسع باسم فاطمة الفهرية، المرأة التي جعلت من مالها وقفا للعبادة والعلم. ثم اتسع الجامع عبر العصور وصار أحد أعظم مراكز المعرفة في الغرب الإسلامي، يؤمه الفقهاء واللغويون والعلماء والطلاب القادمون من المغرب والأندلس وإفريقيا.

وأنت تقف قرب أبوابه يصعب أن ترى المكان كاملا. إنه مثل امرأة غنوج لا تمنحك نفسها في لقطة واحدة. تكشف لك بابا، قوسا، جزءا من صحن، لمحة من ثريا، ثم تترك للخيال أن يتمم ما حجبته الجدران. وفي جوار القرويين لا أستطيع تجاهل مكتبتها؛ فالمدينة التي صنعت للعلم جامعا ومدارس صنعت للكتاب أيضا بيتا يحفظه. تذكّرني المخطوطات القديمة بأن المعرفة تعيش بعبقرية مؤلفيها وبأجيال من النساخ والخزنة والفقهاء والمجلدين وأمناء المكتبات الذين منعوا الورق من أن يتحول إلى غبار.

غير بعيد عنها تقع مدرسة العطارين التي شيدها السلطان المريني أبو سعيد عثمان في القرن الرابع عشر، وسُمّيت باسم سوق العطارين المجاور. هنا ظلت العطور والأعشاب والتوابل والأدوية التقليدية تختلط في هواء واحد. تبدو المدرسة صغيرة إذا قيست بالقصور؛ لكنها شاسعة من الداخل بما راكمته من دقة. كل شبر فيها مقاومة للفراغ: الزليج يصعد من الأرض، والكتابة تنساب على الجدران، والخشب يستقيم فوق الرؤوس، والمقرنصات تجعل المادة الصلبة أقرب إلى الدانتيل. إنها عمارة تهزم الزمن بإتقانها. أفكر في هذا التجاور العجيب: مدرسة إلى جوار سوق للعطر. كأن المعرفة نفسها كان ينبغي أن تصل إليها رائحة تليق بها.

ثم يقودني المسار إلى الصفارين، وهنا يحسن ألا أمر بالمكان من دون أن أتذكر أن فاس عرفت أيضا مدرسة الصفارين، إحدى المدارس المرينية المبكرة التي حفظت للحي صلته بالعلم كما حفظ له السوق صلته بالحرفة؛ لكن ما يسبق الرؤية هنا هو الصوت. قبل أن أرى ساحة الصفارين أسمعها. يعلن المكان عن نفسه بضربات المطارق على النحاس. يجلس الصناع أمام أوان وصوان وقدور، يطرقون المعدن بالإيقاع نفسه الذي سمعته أجيال سبقتنا. طرقات مثل موسيقى قديمة، كل مطرقة تضيف إلى النحاس ذاكرة، وكل إناء يخرج من السوق يحمل شيئا من صوت الساحة. وفي عالم يتجه نحو الآلات الصامتة والإنتاج المتشابه، يحتفظ الصفارون بحق الأشياء في أن تحمل أثر اليد التي صنعتها.

ومن هذا المجال أمضي شمالا وشرقا نحو دباغة الشوارة، فتتكشف فاس في وجه آخر من وجوهها؛ وجه خشن لا يخفي مشقة العمل. من إحدى الشرفات المطلة ترى الأحواض الحجرية متجاورة مثل لوحة ألوان هائلة: أبيض وأحمر وبني وأصفر… ينزل العمال بينها ليعالجوا الجلود بطرائق توارثتها الأجيال. الرائحة قوية، والحركة شاقة، والمشهد جميل وقاس في آن واحد. هنا تدرك أن الجمال الذي نراه في حقيبة أو حذاء يبدأ من عرق جسد عامل يقف ساعات في مكان العمل. الشوارة تكشف الثمن الإنساني المختبئ خلف الأشياء الجميلة.

ومن هنا تبدأ المدينة، بالنسبة إليّ، في تغيير ضفتها. وادي فاس أحد مفاتيح فهم نشأة المدينة. فعلى جانبيه تشكلت العدوتان اللتان حملتا في الذاكرة اسم القيروانيين والأندلسيين، قبل أن توحدهما المدينة سياسيا وعمرانيا. وقد يبدو الوادي، اليوم، مختفيا في مواضع كثيرة تحت العمران أو محجوبا عن العين؛ لكن أثره لا يزال حاضرا في منطق المكان.

أعبر جهة الرصيف، فتتسع الحركة ويستعيد المشي شيئا من فسحته. أتمشى منبهرا في الساحة وأتأمل حركة الوصول والعبور. هنا تتنفس المدينة على نحو مختلف، وتصبح أكثر اتصالا بالإيقاع اليومي. أفكر في الساحات باعتبارها علامات ترقيم في كتابة عمرانية كثيفة: موضع يهدأ فيه ازدحام الجملة قبل أن تستأنف معناها.

وأبحث بعينيّ عن أثر الماء في ترتيب المدينة. قد يغيب بعض مجراه عن النظر؛ لكن حضوره التاريخي باقٍ في الاستقرار والصنائع والطهارة والسقايات. لو رسمنا خريطة فاس انطلاقا من حاجتها إلى الماء لظهرت تحت الأزقة مدينة أخرى.

ومن الرصيف أدخل شيئا فشيئا عدوة الأندلسيين. شعرت هنا بأن المدينة تحمل داخلها ذاكرة هجرات كبرى. فقد استقبلت فاس في مراحل تأسيسها جماعات جاءت من القيروان وأخرى وفدت من الأندلس، فنشأ على ضفتي الوادي مجالان حملا أثر القادمين. في الحي يقوم جامع الأندلسيين، الذي يعود تأسيسه إلى القرن التاسع. وتنسب رواية تأسيسه إلى مريم الفهرية. وتعاقبت عليه إضافات وترميمات عبر القرون، فأصبح البناء نفسه حصيلة أعمار متعددة. أنظر إليه وأفكر أن المدن الكبرى لم يصنعها من ولدوا فيها فقط. صنعها القادمون أيضا. حمل كل منهم لغة وحرفة ووصفة وحنينا وذكرى منزل بعيد، ثم ذابت الأشياء جميعا في هوية جديدة. للهجرة كلفة لا تظهر كاملة في جمال المدن التي تسهم في صنعها. وربما بقي في نغمة أو وصفة أو طريقة تزيين شيء من حنين عائلة صار، مع الزمن، تراث الجميع. ومن جامع الأندلسيين أواصل السير في العدوة نحو مدرسة الصهريج ومحيط مدرسة السبعيين. هنا يخف سلطان “المعلم الكبير” قليلا، وأعود إلى البيوت والعتبات وحياة الحي. خلف جدار مقتصد قد يكون صحن واسع، وخلف باب قليل الزينة عالم من الخشب والزليج. للبيت الفاسي طريقته في توزيع ما يظهر وما يصان، وفي جعل السماء ضيفا دائما على الداخل.

أفكر في الفرق بين إعجابنا بهذا التدبير وبين حياة الناس الفعلية فيه. فالدار القديمة تحتاج اليوم إلى صيانة وتهوية وتجهيزات، والأسرة تحتاج إلى الراحة كما احتاجت الأسر قبلها. أحب فاس حين أراها قادرة على الاستمرار، وحين يكون جمالها صالحا للسكن أيضا.

أتوغل أكثر باتجاه باب الفتوح، كلما اقتربت من الأطراف يقل شعوري بأنني في قلب المتاهة، ويبدأ السور في الإعلان عن نفسه. للباب معنى مختلف حين تصل إليه من الداخل: إنه مدخل ونهاية مؤقتة لعالم وبداية لعالم آخر. ومن هذه الجهات يمكن أن تتفرع الرحلة إلى أحياء لا تُختزل في معالم شهيرة، لأن فاس لا توجد فقط في البوعنانية والقرويين والعطارين؛ بل أيضا في فرن حي، وسقاية صغيرة، وبائع يعرف وجوه زبنائه، وامرأة تنفض غطاء من نافذة، وطفل يحفظ الدرب من عدد خطواته.

وفي جولة جانبية نحو البليدة وعين الخيل والزاوية التيجانية تتسع أمامي خريطة أخرى لفاس، تصلها بالمغرب وإفريقيا جنوب الصحراء عبر الزيارة والتصوف وطرق التواصل. أدرك أن الأزقة التي تبدو منغلقة على نفسها كانت قادرة على استقبال القادمين من مسافات بعيدة. فالمدينة شديدة الخصوصية، ومع ذلك يعرفها أناس لم يولدوا فيها بوصفها جهة من جهات وجدانهم.

وفي مرحلة أخرى أترك القلب المنخفض للمدينة وأبحث عن المرتفعات. أتجه إلى باب الكيسة وما حوله من المقابر، ثم أصعد في اتجاه القبور المرينية. هنا تتغير علاقتي بفاس. كنت في الداخل لا أرى إلا ما تسمح به الأزقة، فإذا بالمدينة الآن تنبسط تحت النظر. من الأعلى تبدو فاس كثيفة ومتداخلة، وتعلو المآذن فوق السطوح. أحاول أن أتتبع بأصبعي طريقي، فأكتشف أن ما بدا متاهة كان يحتفظ بمنطقه. معرفتي به صارت مؤلفة من أصوات وروائح ووقفات إلى جانب الأسماء.

أحسست بأن المسافة من البرج الشمالي أكثر من انتقال جغرافي، إنها تغير زاوية النظر. من الداخل ترى تفاصيل المدينة ولا ترى المدينة، ومن المرتفع ترى المدينة ولا تسمع تفاصيلها. وبين النظرتين تكتمل الصورة.

ثم أعود إلى جهات الغرب، حيث باب المحروق ومقبرته وذاكرة لسان الدين بن الخطيب. هنا تستحضر فاس وجها آخر: مدينة استقبلت رجال السياسة والفكر والأدب، وأكرمت بعضهم، وضاقت ببعضهم، واحتفظ ترابها بنهايات لم تكن دائما بقدر البدايات.

ومن هناك تنعطف رحلتي نحو البطحاء. في قصر البطحاء، الذي صار متحفا للفنون الإسلامية بعد ترميمه وإعادة افتتاحه في صيغته الجديدة، تستأنف العين قراءة ما لمحته في الطريق. يتيح المتحف أن نتأمل القطعة عن قرب، وأن نرى في الزخرفة تاريخ تقنية وذوق واستعمال.

ومن البطحاء أعود إلى الطالعة الصغيرة، وأترك لدرب البطحاء ودرب بن سالم وما يتفرع في المحيط من ممرات نصيبا من الإصغاء. أتوقف عند فرن، وعند عتبة، وعند دكان صغير. أبحث عن التفصيل الذي يفسر كيف يظل هذا النسيج حيا.

وأجعل للأطراف الجنوبية جولة أخرى تتسع لباب الحديد وباب الجديد ولأحياء مثل زيات والدوح. في هذه الجهات تتبدل نسب الكتل والفراغات، وتتكشف جوانب من عمارة الدور والقصور. أجد متعتي في متابعة هذه الفروق الصغيرة، فالمدينة لا تكرر نفسها بالدرجة التي توحي بها النظرة السريعة.

ثم، بعد ظلال الدروب، أخرج إلى جنان السبيل، أسمع قصيدة الملحون “دمليج زهيرو”: “جنان السبيل يا من بغى الزين.. يمرح الهذاب وترتاح جوارحو شوية” هناك تمنحني الأشجار ظلا أوسع، ويصير للمشي إيقاع أقل استعجالا. أجلس قليلا وأترك الصور التي جمعتها تهدأ. يحتاج التأمل إلى وقفة كما تحتاج العين إلى مسافة بعد طول الاقتراب.

وجنان السبيل حديقة مناسبة للاستراحة في حكايتي، إنه جغرافيا موضع عبور بالغ الدلالة، لأنه يقع بين فاس البالي وفاس الجديد، كأن المدينة نفسها وضعت حديقة بين زمنين. ومن جنان السبيل أمضي إلى باب المكينة والمشور، ثم إلى فاس الجديد. هنا يتغير المشهد. تتراجع المتاهة قليلا، وتتقدم الأسوار الكبرى ومظاهر السلطة ومرافقها.

أمضي في محيط باب السمارين والجهات المتصلة بالقصر الملكي. أمام أبواب القصر أتأمل كيف تعلن العمارة الهيبة من خلال الحجم والمادة والمسافة. حيث تصبح فتحة في سور مسرحا للسلطة، مسافة بين المار وما لا يسمح له بالعبور إليه.

وللملاح مكان أساسي في هذا الفصل من المدينة. بين أزقته وشرفاته وكنيس ابن دنان والمقبرة اليهودية نستعيد فصلا من تاريخ فاس صنعه المغاربة اليهود عبر العبادة والتجارة والحرف والحياة المشتركة. أتوقف هنا بمحبة وبحذر من الكلام السهل. تتسع الذاكرة للجوار والتبادل كما تتسع للألم والتحولات والفراق. أفكر في البيوت التي غادرها أهلها، وفي أسماء ظلت على الألسنة بعد أن ابتعد أصحابها. إن وفاء المدينة لتاريخها يظهر في قدرتها على حفظ آثار الذين أسهموا في صنعها وعلى رواية قصتهم ضمن قصتها، لا في هامش منفصل عنها.

وعندما أعود في ذهني إلى كل ما عبرته، أكتشف أنني لم أكن أتنقل بين معالم وبين وظائف المدينة. من باب إلى سوق، ومن سوق إلى مدرسة، ومن مدرسة إلى جامع، ومن جامع إلى ضريح، ومن الضريح إلى حرفة، ومن الحرفة إلى الماء، ومن الماء إلى البيت، ومن البيت إلى السور، ومن السور إلى المقبرة، ومن المدينة القديمة إلى المدينة الجديدة. هذه المجاورة نفسها هي إحدى عبقريات فاس.

في المدن الحديثة نفصل الأشياء: منطقة للسكن، وأخرى للتجارة، وثالثة للإدارة، وطريق للعبور. أما المدينة القديمة فقد نسجت الحياة بعضها في بعض. المسجد قريب من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحركة اليومية، والحرفة امتداد للبيت، والسقاية زينة ومنفعة في اللحظة نفسها.

وأفكر في الذين لا تظهر أسماؤهم في كتب العمارة. البناء الذي يقول المؤرخ إن سلطانا شيّده، من الذي رفع حجارته؟ من حفر الزليج؟ من سوّى الخشب؟ من كتب الخط؟ من حمل الماء والجير؟ من أصلح ما كُسر بعد خمسين سنة، ثم جاء آخر بعد مائة سنة ورمم ما أصلحه الأول؟ للمدن مؤلفون مشاهير؛ لكن لها أيضا آلاف المؤلفين المجهولين. وربما كان هؤلاء هم الذين جعلوا فاس ما هي عليه بالفعل.

حين بدأت جولتي كنتُ أبحث عن أثر الماضي، فإذا بي في نهايتها أسأل أكثر عن حق هذا المكان في المستقبل: أن تبقى المدرسة مفتوحة، والحرفة مجدية، والدار آمنة، والدرب مأهولا، وأن يظل لأهل فاس مكان في الصورة التي نعجب بها.

فمظهر المدينة يُصان حين نعيد الزليج إلى جدار قديم؛ لكن روحها تُصان حين يستطيع الحرفي أن يعيش من حرفته، وحين تستطيع الأسرة أن تبقى في بيتها، وحين لا يتحول الحي بأكمله إلى ديكور للزائر. التراث الذي يطرد الحياة من داخله قد يبقى جميلا؛ لكنه يصبح شيئا آخر.

وعندما أبتعد، يظل في ذهني تفصيل صغير: عتبة ملساء مرت عليها أقدام كثيرة. لعلني أحببتُ فاس، في تلك اللحظة، من جهة هذه العتبة تحديدا، من أثر العبور المتواضع الذي يجمع أجيالا لا يعرف بعضها بعضا. شخص عبرها قبل قرنين وهو يفكر في دين لم يسدده، وآخر عبرها إلى درس، وطفل قفز فوقها، وعروس مرت بها، ورجل عاد من سفر، وأنا أمر اليوم من فوق الأثر نفسه دون أن أعرف أسماءهم.

مشيتُ في دروب فاس أحاول أن أقرأها، وكانت، على مهل، توسع في داخلي معنى المدينة. وكلما ظننتُ أنني عرفتُها، انعطف الزقاق وبدأت فاس من جديد. عند الخروج تكتشف أنك لم تكن تزور أبنية منفصلة: البوعنانية، النجارين، مولاي إدريس، القرويين، العطارين، الصفارين، الشوارة، الأندلسيين… كنتَ تزور طريقة كاملة في بناء العالم.

طريقة تجعل المسجد قريبا من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحياة اليومية، والحرفة امتدادا للبيت، والماء زينة ومنفعة في الوقت نفسه، وتجعل المهاجر يحمل ذاكرته إلى المدينة فتأخذ منها المدينة شيئا، وتعطيه شيئا، حتى يصبح من الصعب بعد قرون أن نعرف أين ينتهي القادم وأين يبدأ المكان. ولهذا، تخرج من المدينة القديمة وقد تركت في روحك شيئا من عتمة أزقتها، ومن زرقة أبوابها، ومن رائحة خشبها، ومن أصوات مطارقها، ومن ماء سقاياتها.

ففاس لا ترافق زائرها إلى الباب. إنها تمنحه، حين يغادر، زقاقا داخليا يظل يتجول فيه طويلا.

أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أسرار فاس العتيقة حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس أسرار فاس العتيقة حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة

كانت هذه تفاصيل أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم