اخبار عربية برلمان المشاغبين
اليكم الان برلمان المشاغبين والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب:
لا أظن أن هناك من تابع جلسة مجلس النواب أمس الخميس 22 أكتوبر 2026، من بدايتها إلى نهايتها، وخرج منها بالانطباع نفسه الذي دخل به. ليس لأن البرنامج الحكومي فاجأنا بأرقام أو التزامات لم نكن نعرفها، ولا لأن نتيجة التصويت كانت محل ترقب حقيقي، فقد انتهى الأمر كما كان متوقعا بمنح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ثقة 204 نواب مقابل معارضة 127، وإنما لأن شيئا آخر وقع داخل القبة، ربما كان أهم سياسيا من التنصيب نفسه، وهو أن مجلس النواب عاد، ولو لساعات، إلى أن يشبه ما ينبغي أن يكون عليه البرلمان.
منذ سنوات ونحن نردد، أحيانا بمرارة وأخرى بملل، أن السياسة ماتت في المغرب. والصحيح، كما يبدو بعد ما شاهدناه أمس، أنها لم تمت تماما، بل دخلت في غيبوبة طويلة، أو لعلها كانت مخدّرة بمفعول سنوات من التدبير الحكومي الذي اختزل السياسة في الأرقام والجداول والبلاغات، وجعل البرلمان امتدادا تقنيا لحكومة تفعل ما تريد، وأغلبية تصفق لما يقال، ومعارضة تحاول، في حدود ما يسمح به ميزان القوى، أن تجعل صوتها مسموعا. فإذا بنا نكتشف، في يوم واحد، أن كل هذه المادة السياسية التي اعتقدنا أنها تبخرت كانت ما تزال كامنة تحت الرماد، وتنتظر فقط من ينفخ فيها.
سيكون من الجحود إنكار أن ما جرى منذ انطلاق مناقشة البرنامج الحكومي، سواء في مجلس المستشارين أو أمس في مجلس النواب، حمل أكثر من إشارة إلى هذا التحول. في الغرفة الثانية مثلا، خرج الحركي يونس ملال عن كثير من اللغة المعتادة للبرلمانيين، وطالب بلجنة لتقصي الحقائق حول مئات المليارات التي قيل إنها صُرفت لدعم القدرة الشرائية، وتحدث عن فساد لا يوجد فقط عند من صاروا يعرفون في الخطاب السياسي بـ”الفراقشية”، بل أيضا عند “أصحاب الكرافاطات”.
وفي مجلس النواب، فوجئنا بدور مختلف للتجمع الوطني للأحرار في المعارضة، حين وقف رئيس فريقه ياسين عكاشة لينتقد حكومة تستمر، في رأيه، في المسار نفسه الذي كان خصوم حزبه يتخذونه “حصان طروادة” انتخابيا للهجوم على الحكومة السابقة.
أن نسمع هذا الكلام من حزب خرج لتوه من رئاسة الحكومة ليس تفصيلا هامشيا، بل بداية حياة طبيعية يفترض أن تتعلم فيها الأحزاب أن الحكم ليس إقامة دائمة، وأن المعارضة ليست عقوبة.
ثم كانت تلك المداخلة غير المألوفة لأسامة باريك، أو عبد العزيز باريك باسمه المدني، والذي اختار في أول ظهور فعلي له تحت قبة مجلس النواب أن يتحدث دون ورقة مكتوبة، ودون أن يحوّل مداخلته القصيرة إلى اجترار للعبارات المكرورة.
ذهب الرجل مباشرة إلى ما يعرفه ويعايشه، أي العالم القروي، وتعقيدات العقار، ومساطر البناء، والفلاح الصغير، والمناطق الجبلية التي لا تُدار دائما بالمنطق نفسه الذي تُكتب به البرامج في الرباط. لم تكن مداخلة ثورية ولا خطابا سياسيا كبيرا، لكنها كانت من تلك اللحظات النادرة التي يسمع فيها المرء نائبا يتحدث أرض- أرض.
ثم جاءت جلسة مساء أمس المتوجة لمسار “تنصيب” الحكومة، وتحولت القاعة إلى شيء أقرب إلى حلبة سياسية مفتوحة. لا أتحدث هنا عن الفوضى ولا عن الانفلات، بل عن ذلك النوع من التوتر الذي تصنعه السياسة حين تكون حقيقية، من مقاطعات، واعتراضات، ورفع للأصوات، وتصفيق، وضحك، وتعقيبات وقصف متبادل، وتحول سريع من النقاش في البرنامج الحكومي إلى منازلات حزبية مكشوفة.
بعض تلك المشاهد كان راقيا، وبعضها هبط دون المستوى المطلوب، لكن الصورة العامة كانت تقول إننا لم نعد أمام قاعة ينتظر فيها النواب دورهم لقراءة أوراق كتبت في المقرات الحزبية أو عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط.
رئيسة الحكومة الجديدة، فاطمة الزهراء المنصوري نفسها، كانت المفاجأة الكبرى للجلسة. المرأة التي بدت مرتبكة إلى حد ما في جلسة تقديم البرنامج الحكومي يوم الاثنين، عادت أمس بشخصية سياسية مختلفة تماما. سيطرت على المنبر، واستعملت الدارجة بنبرة مراكشية سليطة، والتقطت الإشارات القادمة من مقاعد المعارضة، وردت عليها بكثير من الدقة، ولم تتردد في النزول إلى مستوى السجال الحزبي حين شعرت أن خصومها يريدون جرها إليه. وحين كان إدريس الأزمي يهز رأسه اعتراضا على تفسيرها الدستوري لمصادقة الحكومة على مشروع الميزانية، التفتت إليه لتذكره بأنها محامية، قبل أن تدخل معه في مواجهة أكثر مباشرة حول تاريخ حزبه وخطابه وممارسته الحكومية السابقة.
الأزمي، من جهته، بدا كما لو أن السنوات التي قضاها حزبه بين الحكومة والمعارضة لم تذهب سدى. أعاد إلى القاعة شيئا من شخصية “النقايمي” الذي يعرف كيف يجر خصمه إلى الميدان الذي يختاره، فوصف الحكومة بالضعف والهجانة، وفتح ملف الدستور، وعاد إلى قضية ماديحة خيير، ثم رد على المنصوري مطالبا إياها بالتخلص مما سماه “متلازمة” العدالة والتنمية.
والمنصوري، عوض أن تهرب من الاشتباك، ذهبت إليه بكامل إرادتها، لتقول له إن خطاب “المظلومية” الذي اتّهمت به حزبه “ما بقاش كيوكل”، وتستعيد ضده عشر سنوات قضاها العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة. هنا بدا المشهد أقرب إلى الزمن الذي كان فيه عبد الإله ابن كيران يحول الجلسات البرلمانية إلى موعد يتابعه الناس خارج القبة، ليس لأن المضمون كان دائما عظيما، بل لأن السياسة كانت حاضرة بلحمها ودمها.
ولم تكن المواجهة بين ال”بام” و”المصباح” الوحيدة. ريم شباط، التي تقود اليوم الفريق الحركي، دخلت بدورها في اللعبة من أوسع أبوابها، فهاجمت اختيارات الحكومة وانتقدت الطريقة التي عولج بها ملف ماديحة خيير، ثم انتقلت إلى ملفات التعيينات الحكومية، لتجد نفسها في مواجهة مع الحسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي، على خلفية انتقادها تمثيل الاتحاد الاشتراكي في الحكومة.
في بعض اللحظات، تحولت الجلسة إلى شيء أقرب إلى مجلس العائلة السياسية الكبيرة. كل يعرف تاريخ الآخر، ومن أين جاء، وإلى أي حزب انتقل، وماذا كان يقول حين كان في الضفة المقابلة. وهذه هي المادة الخام التي تصنع السياسة، بشرط ألا تتحول إلى شتائم شخصية أو نبش مجاني في السير الذاتية.
لهذا (ربما) كان بعض ما نشر بعد الجلسة معبرا أكثر من خطابات النواب أنفسهم. أحدهم كتب أن المعارضة كشرت عن أنيابها في الدقيقة الأولى لكن رئيسة الحكومة قامت بـ”ريمونتادا” غير منتظرة. وآخر لخص ما رآه بسؤال “هل عادت السياسة إلى البرلمان؟” ويبدو أن الجواب، ولو بحذر، هو نعم. وهناك من رأى أن المنصوري لم تحصل فقط على التنصيب، بل انتزعت أيضا “الأهلية” لقيادة النقاش العمومي بالشراسة المطلوبة، بينما ذهب آخرون إلى القول إن المعارضة هي التي تنتظرها خمس سنوات صعبة، لا الحكومة.
طبعا، لا ينبغي أن نبالغ في الرومانسية. ليست كل مشاغبة سياسة، ولا كل صراخ حياة ديمقراطية، ولا كل “كلاش” دليلا على جودة المؤسسة. البرلمان لا يستعيد قيمته لأن رئيسة الحكومة قالت نكتة أو لأن نائبا أغضب خصمه. قيمته تعود حين يصبح فضاء حقيقيا للصراع حول الاختيارات، وحين تضطر الحكومة إلى الدفاع عن نفسها، والمعارضة إلى إنتاج البدائل، والأغلبية إلى تحمل مسؤولية قراراتها، وحين يشعر الناس أن ما يقال تحت القبة يهمّهم فعلا وليس مجرد تمرين شكلي لإنهاء جلسة ثم الانصراف.
منذ سنوات طويلة لم نر في البرلمان هذا القدر من التفاعل السياسي الحي، ولم نر رئيس حكومة يدخل بهذا الشكل في الاشتباك المباشر مع المعارضة، ولم نر حزبا خرج للتو من الحكومة ينتقل بهذه السرعة إلى ممارسة معارضة نقدية، ولا أحزابا صغيرة أو متوسطة تحاول أن تجد لنفسها صوتا يخرجها من الهامش.
لهذا، إذا كان هناك من خطط لما وقع أمس، وإذا كانت رئيسة الحكومة قد دخلت الجلسة وهي مصممة على تغيير الصورة التي ظهرت بها يوم الاثنين، وإذا كانت الأحزاب قد قررت هي الأخرى أن تتصرف أخيرا كما لو أن البرلمان مكان للصراع السياسي وليس غرفة تسجيل، فعلينا أن نعترف بأن النتيجة كانت ناجحة، والسياسة حصلت على جرعة إنعاش.
إذا استمر هذا النفس، وإذا تحول الصدام من الشخصنة إلى مواجهة حقيقية حول السياسات والميزانيات والتشريعات، فإن الجلسة التي نصبت حكومة المنصوري قد نؤرخ لها مستقبلا بذلك اليوم الذي اكتشفنا فيه أن السياسة لم تمت، بل كانت تنتظر من يوقظ المشاغبين.
برلمان المشاغبين صوت المغرب.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل برلمان المشاغبين نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.