اخبار عربية حين باع الكاتب ظله
اليكم الان حين باع الكاتب ظله والان إلى التفاصيل من المصدر موقع يمنات الأخباري:
yemenat
يمنات
عدنان الدوسري
كان المساء يهبط على المدينة ببطء، كأنه يخشى أن يرى ما تركه النهار من وجوه مهزومة. وكانت الأرصفة تزدحم بالعابرين، فيما تتدلى من واجهات المحال أضواء شاحبة لا تكفي لإنارة العتمة التي تسكن صدور بعض الرجال.
في ذلك المساء الخريفي، كان رجل في منتصف الخمسينيات يمشي على الرصيف بخطوات متعبة،يحمل بين ذراعيه صندوقا ورقيا تآكلت أطرافه من كثرة ما انتقل بين يديه والأرصفة. لم يكن في الصندوق طعام، ولا ثياب قديمة، ولا بضاعة ينتظر صاحبها أن يربح منها شيئا.
كانت فيه مؤلفاته؛ ثلاث مجموعات قصصية وروايتان، أمضى في كتابتها سنوات من عمره، واقتطع لها من نومه وصحته وأحلامه ما لم يعد قادرا على استرداده.
كان كاتبا وروائيا عرفته بعض الصحف والمنتديات الأدبية، وصفق له الحاضرون في أمسيات كثيرة، وكتبت عنه مقالات أشادت بلغته وقدرته على تشريح النفس البشرية.
لكنه، منذ ثمانية أشهر، فقد عمله، وتراكمت عليه الديون، حتى صار يحسب ثمن رغيف الخبز قبل أن يفكر في شراء صحيفة.وفي ذلك الصباح، حين فتح محفظته فلم يجد فيها إلا أوراقا قديمة وبطاقة مصرفية فقدت معناها، نظر إلى مكتبته طويلا، ثم قال بصوت لم يسمعه أحد:
ـ سامحوني… لم أكتبكم لتصبحوا خبزا، ولكن الجوع لا يقرأ الأدب.
جمع نسخا من مؤلفاته في صندوق، وخرج.دخل المكتبة الأولى، فوجد صاحبها خلف مكتب زجاجي يتصفح هاتفه.
قال بأدب:
ـ مساء الخير. لدي مجموعة من الكتب الأدبية، روايات وقصص، أود بيعها بسعر مناسب.
لم يرفع الرجل رأسه.
ـ لا نشتري كتبا من الأفراد.
ـ لكنها كتب جديدة، وبعضها نال اهتمام النقاد.
ـ قلت لك لا نشتري.
حاول أن يخرج إحدى الروايات من الصندوق، لكن صاحب المكتبة أشار بيده إلى الباب، كأنه يطرد ذبابة أزعجت سكون المكان.
في المكتبة الثانية، سأله الموظف عن اسم دار النشر، ثم اعتذر قبل أن يسمع الإجابة.
وفي الثالثة، قال له رجل بدين يجلس خلف رزم من الكتب المدرسية:
ـ الروايات لا تطعم أصحاب المكتبات يا أستاذ. الناس تريد الكتب التي تنجح بها في الامتحانات، لا التي تبكي بها على أحزان الآخرين.
ابتسم الكاتب ابتسامة صغيرة، وقال:
ـ وهل نجحنا في امتحان الحياة حتى ننجح في غيره؟
لم يفهم الرجل سخريته، ولم يكلف نفسه عناء الإجابة.
خرج. كانت الشمس قد اختبأت وراء البنايات، وبدأت برودة المساء تتسلل إلى عظامه. شعر بوخز في ساقه، وبجوع ينهش معدته منذ الصباح. توقف أمام مخبز، تأمل الأرغفة الساخنة خلف الزجاج، ثم مضى.
لم يكن يملك ثمنها.وعند زاوية شارع قديم، لمح مقهى شعبيا تتناثر أمامه كراس بلاستيكية، وتتصاعد من داخله رائحة الشاي والهيل ودخان السجائر.دخل المقهى، واختار طاولة في أقصى الزاوية.وضع صندوقه على الكرسي المجاور، ثم سحبه إلى حضنه، كأنما يخشى أن يسرق أحد آخر ما بقي له من حياته.اقترب النادل.
ـ ماذا تشرب يا عم؟
تردد قليلا.
ـ كأس ماء، لو سمحت.
نظر النادل إلى الصندوق، ثم إلى وجهه الشاحب.
ـ ألا تريد شايا؟
ـ ربما بعد قليل.
فهم النادل ما لم يقله الرجل، ومضى دون سؤال.أسند الكاتب ظهره إلى الكرسي، وأغمض عينيه. كان التعب قد بلغ منه مبلغا جعله يشعر أن عظامه لم تعد تحمل جسده، وأن المدينة كلها صارت ثقيلة على كتفيه.وعلى الطاولة المجاورة، جلس رجلان في أواخرالثلاثينيات، أنيقان، أمامهما فناجين قهوة وهواتف حديثة. كان أحدهما يتحدث بحماسة عن ندوة أدبية أقيمت مساء أمس في أحد المنتديات الثقافية.
قال الأول:
ـ صدقني، كانت الندوة استثنائية. لم أتوقع أن تثير تلك الرواية كل هذا الجدل.
أجابه الثاني:
ـ خصوصا الفصل الأخير. أعتقد أن الكاتب تعمد ترك النهاية مفتوحة ليقول إن الإنسان لا يستطيع الهروب من قدره.
انتبه الرجل الجالس في الزاوية.رفع رأسه قليلا.
واصل الأول:
ـ لكن شخصية البطل كانت أكثر ما أثارني. رجل يفقد كل شيء، ومع ذلك يتمسك بكرامته كأنها آخر قطعة أرض لم يحتلها الفقر.تجمدت أصابع الكاتب حول حافة الصندوق.كان يعرف تلك العبارة.لقد كتبها ذات ليلة شتائية، حين انقطعت الكهرباء عن غرفته، وأضاء شمعة صغيرة ليكمل الفصل السابع من روايته.
قال الثاني:
ـ وأكثر ما أعجبني عنوانها (بائع الظلال). عنوان عبقري، لأن البطل لم يكن يبيع الأشياء، بل كان يبيع أجزاء من روحه.شعر الكاتب بشيء حاد يخترق صدره.
بائع الظلال! روايته. روايته التي حملها اليوم من مكتبة إلى أخرى، ولم يشأ أحد حتى أن ينظر إلى غلافها.
أطرق رأسه، ثم أطلق ضحكة خافتة لم يكن فيها شيء من الفرح.وقال في سره:
(يناقشون كتبي وأنا أبيع كتبي… يا لسخرية الفقر! هناك يتحدثون عن عظمة ما كتبت، وهنا لا أجد من يشتري نسخة تسد جوعي. كأن الكلمات لا تصبح ثمينة إلا حين تنفصل عن صاحبها.)
فتح الصندوق ببطء، وأخرج نسخة من الرواية.كانت الطبعة قديمة قليلا، وعلى غلافها صورة رجل يسير في شارع طويل بلا ظل.مسح بيده الغلاف، وحدق في العنوان كما يحدق أب في وجه ابن غاب عنه سنوات.
همس:
ـ أرأيت؟ لقد أصبحت مشهورا أكثر مني. يتحدثون عنك في المنتديات، ويختلفون حول معانيك، أما أنا فأطوف بك على المكتبات كأنني أستجدي لك مأوى.قرب الكتاب من صدره، وأضاف:
ـ كنت أظن أنني من سيمنحك الحياة… فإذا بك تعيش، وأموت أنا بالتقسيط.
في تلك اللحظة، التفت أحد الرجلين نحوه، ولاحظ الكتاب بين يديه.مال على صاحبه، وقال بصوت سمعه الكاتب بوضوح:
ـ انظر إلى هذا المتسكع. يقرأ الرواية نفسها التي كنا نتحدث عنها. أتراه فهم مغزاها؟
ضحك الآخر.
ـ ربما اشتراها من سوق الكتب المستعملة.
ـ تعال نسأله. أريد أن أعرف كيف يقرأ أمثال هؤلاء الأدب الرمزي.
سمع الكاتب الكلمتين الأخيرتين، فابتسم بمرارة.
أمثال هؤلاء!
كم يستطيع المظهر أن يمنح الإنسان من أسماء لم يخترها لنفسه! اقترب الرجلان من طاولته. قال أحدهما بنبرة اختلط فيها الفضول بشيء من التعالي:
ـ مساء الخير يا عم. أراك تقرأ رواية (بائع الظلال).
رفع الكاتب عينيه.
ـ مساء النور. نعم، أعرفها جيدا.
ـ وهل أعجبتك؟
نظر إلى الغلاف طويلا، ثم أجاب:
ـ أوجعتني.
تبادل الرجلان نظرة سريعة.
قال الأول:
ـ وما الذي فهمته منها؟
سأله الكاتب بهدوء:
ـ هل تريد ما فهمته من الحكاية، أم ما أخفاه صاحبها بين السطور؟
ابتسم الرجل ساخرا.
ـ وهل هناك فرق؟
ـ الفرق يا سيدي كالفرق بين من يرى البحر، ومن غرق فيه.
سحب أحدهما كرسيا وجلس، بينما بقي الآخر واقفا.
ـ حسنا، أخبرنا. ماذا أراد الكاتب من بطل الرواية؟
أغلق الرجل الكتاب ووضع كفه عليه.
ـ أنتم تعتقدون أن الرواية تتحدث عن رجل فقير فقد عمله وبيته وأصدقاءه، ثم خرج يبيع مقتنياته ليعيش. لكنكم توقفتم عند الأشياء التي باعها، ولم تنتبهوا إلى الأشياء التي لم يستطع بيعها.
قال الثاني:
ـ مثل ماذا؟
ـ ذاكرته. كبرياءه. صوته الداخلي. كان يستطيع بيع معطفه وساعته ومكتبته، لكنه لم يستطع بيع إحساسه بأنه ما زال إنسانا. ولهذا كان جوعه في الرواية أقل قسوة من نظرات الناس إليه.اعتدل الأول في جلسته.
ـ لكن الكاتب استخدم الظل رمزا للماضي، أليس كذلك؟
هز الرجل رأسه.
ـ ليس تماما. الظل في الرواية ليس الماضي وحده. إنه المكانة التي يمنحها المجتمع للإنسان ما دام واقفا تحت الضوء. حين يفقد الرجل ماله وعمله، لا يفقد شخصيته، لكن الناس يتوقفون عن رؤيتها. يصبح موجودا بجسده، غائبا بقيمته في عيونهم. ولهذا لم يقل الكاتب إن البطل فقد ظله، بل قال إن المدينة توقفت عن الاعتراف به.
ساد صمت قصير.
قال الثاني وقد خفتت سخريته:
ـ هذا تفسير لم يطرحه أحد في الندوة أمس.
ابتسم الكاتب.
ـ ربما لأن الذين ناقشوا الجوع كانوا قد تناولوا عشاءهم قبل الندوة.
لم يضحك أحد.
تابع الرجل:
ـ أتذكران المرأة التي تظهر في الفصل التاسع؟ تلك التي تعطي البطل رغيفا ثم تسأله عن اسمه؟
قال الأول:
ـ نعم. اعتبرها الناقد رمزا للخلاص.
ـ أخطأ الناقد. لم تكن المرأة خلاصا، بل كانت امتحانا أخيرا لكرامته. لقد قبل الرغيف لأنه جائع، لكنه رفض أن يخبرها باسمه، لا لأنه يخجل من الفقر، بل لأنه أدرك أنها لم تسأله لتتعرف إليه، وإنما لتروي حكايته في مجلس خيري، وتمنح نفسها بطولة لم تعشها.قال الثاني بدهشة:
ـ وكيف استنتجت ذلك؟
فتح الكاتب الرواية عند صفحة محددة، وقرأ جملة قصيرة:
(لم يكن يخشى الجوع، بل أن يصبح جوعه حكاية يتسلى بها الشبعى.)
ثم أغلقها.
ـ هنا المفتاح. الكاتب لم يكن يحاكم الفقر، بل كان يحاكم الطريقة التي يتعامل بها المترفون مع الفقراء. لقد أراد أن يقول إن الإحسان الذي يسلب الإنسان كرامته ليس إحسانا، وإن المعرفة التي تجعل صاحبها يحتقر الآخرين ليست معرفة.تغير وجه الرجل الذي وصفه بالمتسكع.
قال محاولا استعادة ثقته:
ـ ولكن النهاية، حين عاد البطل إلى منزله فوجده قد تحول إلى مكتبة، كانت رمزا لانتصار المعرفة.
هز الكاتب رأسه ببطء.
ـ لا. كانت أكثر مشاهد الرواية قسوة.
ـ كيف؟
ـ لأن البطل وجد كتبه معروضة خلف الزجاج، والناس يتزاحمون لشرائها، بينما لم يجد مكانا يبيت فيه. لقد انتصرت كتبه، لكنه خسر حياته. وهنا تكمن المفارقة: المجتمع الذي لم يمنح الكاتب فرصة للعيش من أدبه، صار يحتفي بأدبه بعد أن استغنى عن وجوده.
صمت الرجلان طويلا.
ثم قال الأول:
ـ غريب… لقد حضرت الندوة كاملة، واستمتعت بمداخلات كبار النقاد، لكنني لم أسمع تحليلا بهذه الدقة.
ابتسم الكاتب ابتسامة متعبة.
ـ أحيانا لا يحتاج المرء إلى دراسة النقد الأدبي كي يفهم رواية. يكفي أن تكون الحياة قد شرحته له على جسده.
سأله الثاني:
ـ هل أنت ناقد أدبي؟
ـ لا.
ـ أستاذ جامعي؟
ـ لا.
ـ إذن من أين لك كل هذه المعرفة؟
نظر الكاتب إلى صندوقه الورقي، ثم إلى الشارع خلف الزجاج.
ـ من مكان لا تدرسه الجامعات.
ـ وأين يقع هذا المكان؟
ـ في المسافة بين آخر راتب وأول يوم جوع.
لم يجد الرجلان ما يقولانه.مد الأول يده إلى الرواية.
ـ هل تسمح لي أن أراها؟
ناولها له الكاتب.قلب الرجل صفحاتها، ثم توقف عند الصفحة الأولى، حيث كانت هناك عبارة بخط اليد:
(إلى كل الذين فقدوا مكانهم في العالم، ولم يفقدوا حقهم في الحلم.)
وتحتها توقيع قديم.تأمله لحظة، ثم رفع رأسه فجأة.
ـ هذه نسخة موقعة من المؤلف!
ـ نعم.
ـ هل تعرفه؟
تردد الكاتب لحظة، ثم قال:
ـ عرفته حين كان يظن أن الكلمات تستطيع إنقاذ الإنسان.
ـ وأين هو الآن؟
أجاب بصوت منخفض:
ـ يبحث عمن ينقذه من كلماته.
نظر الرجل إلى التوقيع مرة أخرى، ثم قال:
ـ هل تصدق أن مؤلف هذه الرواية كان محور حديثنا أمس؟ أحد النقاد وصفه بأنه من أهم الأصوات الروائية التي تناولت اغتراب الإنسان المعاصر.أطرق الكاتب.
ـ وهل تحدثوا عن حياته؟
ـ لا. لماذا؟
ـ لا شيء. كنت أتساءل فقط إن كانوا يعرفون كم يكلف الإنسان أن يكتب وجعه.
قال الآخر:
ـ بالمناسبة، هناك من يقول إن الكاتب اختفى منذ مدة. لا لقاءات صحفية، ولا ندوات، ولا ظهور في وسائل الإعلام.
أجابه الرجل:
ـ ربما لم يختف. ربما لم يعد يملك ثمن الطريق إلى الندوات.
ابتسم الأول، ظانا أنها دعابة.
ثم نظر إلى الصندوق.
ـ وما هذه الكتب كلها؟
ـ بضاعة أحاول بيعها.
ـ كتب مستعملة؟
ـ لا. نسخ جديدة لم تجد قراءها بعد.
انحنى الرجل ليتفحص العناوين، ثم تجمدت يده.
أخرج رواية ثانية، ثم مجموعة قصصية، وقارن الأسماء على أغلفتها.كانت جميعها تحمل اسم المؤلف نفسه.
رفع رأسه ببطء، وقد تبدلت ملامحه.
ـ لحظة… من أين حصلت على كل هذه النسخ؟
ـ من مكتبتي.
ـ ولماذا تبيعها؟
ـ كثرت ديوني لا يقبلون البيع لي بالآجل.
ارتبك الرجل.
ـ لكن هذه مؤلفات الكاتب نفسه!
ـ أعرف.
ـ هل أنت قريبه؟
سكت الكاتب.
كان يستطيع في تلك اللحظة أن يرفع رأسه ويعلن اسمه. كان يستطيع أن يرى الدهشة في عيون الرجلين، وأن يسمع اعتذارهما، وربما أن يحصل على شيء من الاحترام الذي حرم منه طوال النهار.لكنه شعر أن إعلان اسمه الآن سيكون أشبه بالتوسل إلى شهرته كي تنقذه من احتقارهم.
قال بهدوء:
ـ ولماذا يهمكم أن تعرفوا من أكون؟ ألم يكن حديثنا عن الرواية؟
قال الأول، وقد احمر وجهه:
ـ نعم، لكنك تعرف عنها أشياء لا يعرفها إلا مؤلفها.
أجابه:
ـ وربما يعرفها من عاش ما كتبه المؤلف.
نهض الكاتب ببطء، وأعاد الكتب إلى صندوقه.
قال الثاني:
ـ انتظر يا عم. أريد أن أشتري هذه النسخة.
ـ بكم؟
نظر الكاتب إليه طويلا.
ـ قبل قليل، كنت تتساءل إن كنت أفهم مغزى الرواية. والآن تريد شراءها مني؟
أطرق الرجل خجلا.
ـ أعتذر عما قلته.
ـ لا تعتذر لي. اعتذر للرجل الذي ستراه غدا بثياب رثة، فلا تمنحه فرصة للكلام قبل أن تحكم عليه.أخرج الرجل محفظته.
ـ سأشتري الكتب كلها.
نظر الكاتب إلى الصندوق، ثم سأله:
ـ هل قرأت عناوينها؟
ـ لا، لكنني…
قاطعه الكاتب بلطف:
ـ إذن أنت تفعل الآن ما فعله أصحاب المكتبات هذا الصباح. هم رفضوا شراءها دون أن ينظروا إليها، وأنت تريد شراءها دون أن تنظر إليها. كلاكما لم ير الكتب.
ارتجفت شفتا الرجل.
ـ أردت مساعدتك فقط.
ـ أعرف. وأشكرك. لكنني خرجت لأبيع كتبا، لا لأبيع حزني.
أعاد الرجل محفظته إلى جيبه، وسأله:
ـ ماذا تريد إذن؟
أجاب الكاتب بعد صمت:
ـ قارئا واحدا يشتري كتابي لأنه يريد قراءته، لا لأنه أشفق على من يحمله.
مد الرجل يده إلى الصندوق، واختار المجموعة القصصية التي كانت في الأعلى. قرأ عنوانها، وقلب صفحاتها، ثم قال:
ـ سأشتري هذه. وأعدك أن أقرأها.
سأله الكاتب:
ـ ولماذا اخترتها؟
قال الرجل، وعيناه معلقتان بالغلاف:
ـ لأن عنوانها يشبه شيئا أخفيه عن الناس.
لأول مرة منذ الصباح، ظهرت على وجه الكاتب ابتسامة حقيقية.أخذ ثمن الكتاب، ووضعه في جيبه بحذر، كأنه يخشى أن تضيع النقود .ثم حمل صندوقه واتجه إلى الباب.لكن الرجل ناداه:
ـ يا سيدي… بقي سؤال واحد.
التفت الكاتب.
ـ تفضل.
ـ لماذا لم تخبرنا باسمك؟
تأمل وجهيهما، ثم قال:
ـ لأنكما حين جلستما إلى جواري رأيتما متسكعا، وحين سمعتما حديثي رأيتما مثقفا، وحين اكتشفتما كتبي كدتما تريان كاتبا مشهورا. وأنا لم أتغير بين اللحظات الثلاث.
الذي تغير هو نظرتكما.ثم مضى.بقي الرجلان صامتين، يتأملان المقعد الفارغ.وبعد دقائق، فتح أحدهما الرواية التي كان الكاتب يحملها، وقلب صفحاتها حتى بلغ الصفحة الأخيرة.
هناك، أسفل السطر الأخير، وجد توقيعا صغيرا، لم ينتبه إليه من قبل.أخرج هاتفه، وبحث عن صورة مؤلف الرواية.ظهر على الشاشة رجل أنيق، يرتدي بدلة داكنة، يقف أمام منصة في إحدى الأمسيات الثقافية، وتحت صورته اسمه وسيرته الأدبية.
حدق في الصورة، ثم في الباب الذي خرج منه الرجل.
شهق:
ـ يا إلهي… إنه هو!
انتزع صاحبه الهاتف من يده.
ـ مستحيل!
ـ انظر إلى عينيه… إلى وجهه… إنه المؤلف نفسه!
نهضا مسرعين، وخرجا إلى الشارع.كان المطر قد بدأ يتساقط، وكانت الأرصفة تعج بالمارة.بحثا عنه بين الوجوه، فلم يجداه.ركضا إلى آخر الشارع، حتى لمحاه واقفا أمام المخبز، يضع صندوقه على الأرض، ويمد يده إلى البائع ببضع أوراق نقدية.كان يشتري رغيفا واحدا.
أراد الأول أن يناديه باسمه، لكن صوته اختنق.
قال لصاحبه:
ـ بالأمس كنا نصفق له وهو غائب، واليوم أهنته وهو أمامي.
اقتربا منه.كان الكاتب قد تسلم رغيفه الساخن، وراح يكسر منه قطعة صغيرة، يأكلها ببطء تحت المطر.
قال الرجل بصوت هادئ:
ـ أستاذ… عرفناك.
رفع الكاتب رأسه.لم تبد عليه الدهشة.
قال بهدوء:
ـ وأنا عرفت نفسي اليوم أكثر مما عرفتها في خمسين عاما.
ـ سامحنا. لم نكن نعلم أنك…
قاطعه:
ـ أنني ماذا؟ كاتب؟ وهل كان جوعي سيصبح أقل إيلاما لو لم أكن كاتبا؟
سكت الرجل.
مد الكاتب يده إلى صندوقه، وأخرج نسخة من (بائع الظلال)، ثم ناولها له.
ـ خذها.
ـ ولكنني لم أدفع ثمنها.
ـ لا أريد ثمنها. أريد منك شيئا آخر.
ـ ماذا؟
ـ حين تناقشونها في الندوة القادمة، لا تسألوا لماذا باع البطل ظله. اسألوا لماذا لم يجد في المدينة كلها إنسانا يراه وهو واقف تحت الشمس.ثم حمل صندوقه، واستدار مبتعدا.قال الرجل، والدموع تلمع في عينيه:
ـ أستاذ، هل ستواصل بيع كتبك غدا؟
توقف الكاتب لحظة.نظر إلى الصندوق الذي بقيت فيه نسخ كثيرة، وإلى الرغيف الذي لم يأكل منه إلا قليلا.
ثم أجاب:
ـ نعم. فما زال في الصندوق ما يكفي من الأدب، ولم يبق في جيبي ما يكفي من الحياة.
ومضى.عاد الرجلان إلى المقهى مثقلين بالخجل.
وعند الطاولة التي جلس عليها الكاتب، وجد أحدهما ورقة صغيرة سقطت من الصندوق. كانت مسودة بخط اليد، تحمل عنوانا لم ينشر بعد:
(حين باع الكاتب ظله).
وتحت العنوان سطر وحيد:
(أشد أنواع الموت قسوة أن يحتفي الناس بما تكتب، بينما يعجزون عن رؤية الإنسان الذي كتبه.)
قرأ الرجل السطر بصوت مرتجف، ثم طوى الورقة بعناية.
وفي صباح اليوم التالي، امتلأت صفحات المنتديات الثقافية بخبر مؤثر عن الروائي الكبير الذي شوهد يبيع كتبه على الأرصفة. تناقل المثقفون حكايته، وكتبوا عن مأساة المبدع، وعن خذلان المجتمع لأصحاب الأقلام.
وانهالت التعليقات التي تطالب بتكريمه، وتدعو إلى إقامة أمسية احتفائية تليق بتاريخه الأدبي.أما هو، فلم يكن يعلم شيئا عن ذلك كله.كان يقف أمام مكتبة رابعة، يحمل صندوقه الورقي، وينتظر أن يفرغ صاحبها من مكالمة هاتفية.وحين انتهى الرجل، رفع عينيه إليه وسأله بضجر:
ـ ماذا تريد؟
قال الكاتب:
ـ لدي بعض المؤلفات، وأود بيعها.
نظر صاحب المكتبة إلى الصندوق دون أن يفتحه، ثم قال:
ـ لا نشتري كتبا يا عم.
وفي اللحظة نفسها، كان هاتفه يعرض خبرا عاجلا عن مأساة روائي كبير، فأشار إلى صورته وقال متأثرا:
ـ مسكين هذا الكاتب… والله إننا أمة لا تقدر مبدعيها!
نظر الكاتب إلى صورته على شاشة الهاتف، ثم إلى الرجل الذي يقف أمامه.لم يقل شيئا.أغلق صندوقه، وحمله بين ذراعيه، وخرج.وفي الخارج، كانت المدينة تستيقظ على نهار جديد، فيما كان اسمه يتصدر صفحات الثقافة، وجسده يواصل البحث عن ثمن العشاء.لقد عرفوه جميعا حين صار خبرا، ولم يعرفه أحد حين كان إنسانا.
* كاتب وروائي من العراق
yemenat
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل حين باع الكاتب ظله نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على موقع يمنات الأخباري و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.