- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية المِصْعَدُ

اخبار عربية
هسبريس قبل 54 دقيقة

اليكم الان المِصْعَدُ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

للمصعد عبقرية خبيثة. لا يخطبُ. لا يكتبُ بيانا. لا يرفعُ شعارا. يكتفي بفتح فَمه المعدني، فيدخل الناس واحدا واحدا، ثم يبدأ العرض الكبير: وجوه محترمة، أجساد تبحث عن زاوية، عيون تتظاهر بالانشغال، أيْدٍ تتردد بين زر الطابق وزر النجاة. لا يصعد هذا الصندوق بالبشر، يصعد بأوهامهم أيضا. يأخذ معهم مقامهم الاجتماعي، عطرهم، غضبهم، قلقهم، ضعفهم أمام جار غريب. في الخارج يبدو الإنسان كائنا حرا. في المصعد يتحول إلى مشروع انضباط فاشل داخل مساحة لا ترحم.

رحلة عمودية في قاع الإنسان

المصعد آلة وغرفة اعتراف عمودية. يدخل الإنسان واقفا بكامل كرامته. يخرج بعد ثلاثين ثانية وقد راجع طبقته الاجتماعية، علاقته بالجيران، موقفه من الدولة. في المصعد تظهر الأخلاق عارية. رجل يضغط على الزر كأنه يوقّع مرسوما رئاسيا. امرأة تدخل ومعها كيس خبز. طفل يلمس كل الأزرار، أبوه يبتسم ابتسامة باردة. ساكن الطابق الأول يستدعيه كأنه طلب سيارة إسعاف. ينظر إلى المرآة. يعدّل ياقة قميصه. يخرج بانتصار رجل هزم الجاذبية. ساكن الطابق الثامن يراقبه بنظرة فلسفية. في عينه سؤال قديم: لماذا نعيش مع هؤلاء؟

في العمارات الراقية، يتحدث المصعد بصوت ناعم. يقول: “الطابق الخامس”، كأنه موظف استقبال في فندق. في العمارات المتعبة، المصعد يصرخ من معدته. يهتز. يتنهد. يفتح فمه بصعوبة. يعطيك شعورا أن الرحلة تحتاج وصية قصيرة. يدخل الناس وهم مؤمنون بالتكنولوجيا، ثم يخرجون وهم أقرب إلى التّصوف.

في المصعد يختصر الناس الدبلوماسية. “صباح الخير” تخرج مثل عملة معدنية رخيصة. الرد يأتي بنصف فم. العيون تهرب إلى الأرقام الحمراء. الجميع يراقب الصعود كأنه يتابع نتائج انتخابات. الطابق الثالث. الطابق الرابع. الصمت ينتصر بأغلبية ساحقة. المرآة داخل المصعد جهاز أمني خطير. لا تراقب الوجه، تفضح التعب، تفضح البطن، تفضح الكذبة التي قلناها صباحا: “أنا بخير”. رجل يدخل غاضبا من العالم. يرى شعره في المرآة. ينسى العالم. يهاجم خصلة متمردة. يصل إلى طابقه وقد أصلح رأسه وفشل في إصلاح حياته.

صُّندوقُ يُعَلّمُنا كمْ نحنُ ضيِّقُون

المصعد مكان مساواة كاذبة. المدير، الحارس، الطالب، الأستاذ، الجارة كثيرة العطر، صاحب الكلب، عامل التوصيل. كلهم في صندوق واحد. لا أحد يملك مساحة كافية للعظمة. البدلة الغالية تلتصق بكيس القمامة. العطر الفرنسي يختلط برائحة السمك.

يعلمنا المصعد معنى السلطة الناعمة. من يقف قرب لوحة الأزرار يصير وزير النقل. الجميع يطلب منه الطوابق. “الرابع من فضلك”. “السابع لو سمحت”. يضغط ببرودة. يشعر بأهمية نادرة. يخطئ مرة. يأخذ الجميع إلى الطابق الخطأ. لا يعتذر. يرفع حاجبه كأن الشعب لم يفهم الخطة. المصعد ليس وسيلة صعود. المصعد اختبار صغير للمدَنِية. يكشف من يترك الباب مفتوحا. يكشف من يهرب بعينيه. يكشف من يحتل المكان بجسده، وصوته، وحقيبته.

وجوه مهذبة في قفص كهربائي

نحن لا نسكن العمارات فقط. نسكن المصاعد أيضا. هناك، في تلك العلبة الضيقة، يظهر المجتمع بحجمه الحقيقي. قليل من المجاملة. كثير من التوتر. طبقات تصعد. طبقات تنزل. يملكُ المصعد قدرة نادرة على تحويل الجسد إلى قضية عامة. شخص يدخل بحقيبة كبيرة. لا يقول شيئا. الحقيبة تقول كل شيء. تحتل نصف المساحة. تضرب ركبة رجل هادئ. تخدش حذاء امرأة أنيقة. يتصرفُ صاحبها كأنها غير موجودة. ثم يأتي صاحب الهاتف.

يدخل المصعد كأنه يدخل مكتبه الخاص. يبدأ مكالمة بصوت واسع. نعرف اسم أمه. نعرف مشكلة البنك. نعرف أن خالته لم ترسل الوصفة. نعرف أن المدير شخص صعب. خلال عشرين ثانية يمنحنا سيرة عائلية مجانية. لا أحد طلبها. لا أحد يجرؤ على إيقافها. في المصعد يظهر نوع خاص من الشجاعة: شجاعة النظر إلى الأرض. الجميع يدرس البلاط. يتحولُ البلاط إلى كتاب مُقدس. رجل ينظر إلى حذائه كأنه يراجع رسالة دكتوراه. امرأة تفتح هاتفها دون شبكة، تمرر إصبعها على شاشة ميتة.

الإنسان حين ينحشر تظهر حقيقته

الأطفال في المصعد فلاسفة الفوضى. يسألون بصوت واضح: لماذا هذا الرجل أصلع؟ لماذا نحن واقفون مثل السّردين؟ الأم تحترق. الأب ينظر إلى السقف. الطفل ينجز ما عجز عنه المثقفون: يقول الحقيقة في مكان عام، من غير ورقة بحثية، من غير ندوة، وبدون خوف.

يصير المصعد في المباني الإدارية امْتحانا طبقيا دقيقا. الموظّف الصّغير يترك المدير يخرج أولا. المدير لا يقول شُكرا. الشكر يرهقه. تحملُ السكرتيرة ملفات أكبر من راتبها. يعرفُ الجميع ترتيبه داخل الصندوق. حتى الهواء يوزع نفسه حسب المنصب.

لا يحبُّ المصعد الرومانسية أيضا. عاشقان يدخلان ممسكين بأيديهما. يكتشفان فجأة أن الحب يحتاج مساحةً. تقف امرأة مسنة بينهما. يدخل عامل توصيل يحمل بيتزا. ينتهي المشهد. يتحوّل الغزل إلى إدارة لُوجستية. تنفصلُ اليد عن اليد. ينتظرُ الحبُّ الطابق المناسب.

في كل مصعد توجد لحظة خيانة صغيرة: لحظةَ يُفتح الباب، فيرى الدّاخلون أنه ممتلئ. تقولُ الوجوه: لا تدخل. يقولُ اللِّسان: تفضل. يفهمُ الداخل الخديعة. يدخل مع ذلك. الكلّ يتقلص. الكلّ يندم، لينغلقَ البابُ على مأساة مُهذبة اسمُها المجاملة.

حضارة معلّقة بين زِرّيْن

ماذا يقول عنا مصعد نحتاج داخله إلى كل هذا التَّمثيل؟ أي مجتمع هذا الذي يصعد عشرة طوابق ولا يرتفع أخلاقيا سنتيمترا واحدا؟ لماذا نطلبُ التَّقدم ونحن نعجز عن ترك مساحة صغيرة لِجَارٍ يحملُ كيسا؟ كيف نثقُ بخطابات كبيرة عن المدَنية، وصاحب الخطاب نفسه يُغلق بابَ المصعدِ في وجه امرأة تركُض؟ أليس المصعد في النهاية بلدا صغيرا، والزِّر سُلطة، والمرآة إعْلاما، والرُّكاب شعبا قَلِقا؟ ثم بعد كلِّ هذا الصُّعود والنزُول، هلْ بلغنا الطّابق المطلوب فِعلاً، أمْ ما زلنا عَالقين في الطَّابق الأرضي من الأخْلاق؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

المِصْعَدُ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل المِصْعَدُ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم