اليكم الان نادية الجودي لـ«الرأي»: المناصب لا تصنع العظماء.. والقيادة بلا إنسانية فشلٌ مهما تجمّلت بالإنجازات! والان إلى التفاصيل من المصدر صحيفة الراي الالكترونية
ليست كل سيرة مهنية حكاية مناصب وشهادات؛ فبعض التجارب تُقرأ بما أحدثته من تحولات في الفكر، وما زرعته من قيم، وما تركته من أثر في حياة الآخرين. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الأستاذة نادية الجودي رحلةً تتجاوز حدود الوظيفة إلى رحابة الفكر، وتنتقل من تعليم المعرفة إلى مساءلة جدواها، ومن ممارسة القيادة إلى البحث في ضميرها الإنساني.
من الطائف، حيث تشكّلت البدايات، إلى ميادين التعليم والإشراف والقيادة، تمضي الجودي في مسيرة مهنية امتدت اثنين وثلاثين عامًا، لم تتوقف عند حدود التخصص، بل اتسعت إلى البحث العلمي والتدريب والذكاء الاصطناعي والكتابة والإعلام الثقافي والعمل التطوعي، حاملةً قناعةً راسخة بأن قيمة الإنسان ليست فيما يحمله من ألقاب، بل فيما يتركه من أثر.
وفي حوارها مع صحيفة «الرأي»، لا تكتفي نادية الجودي باستعادة محطات مسيرتها، بل تضع قضايا التعليم والقيادة والإعلام أمام أسئلة جريئة: متى تتحول القيادة إلى نجاح إداري وإخفاق إنساني؟ وهل تصنع الشهادات كفاءات حقيقية؟ وهل يحرّر الذكاء الاصطناعي العقول أم يعفيها من التفكير؟ ولماذا تتسع شهرة بعض المحتويات بينما يضيق أثرها في الوعي؟
أحد عشر سؤالًا تكشف من خلالها نادية الجودي عن رؤيتها للإنسان والمعرفة والمسؤولية، وتفتح نافذة على فلسفة ترى أن النجاح الذي لا يحفظ كرامة الإنسان نجاحٌ ناقص، وأن المعرفة التي لا تتحول إلى أثر تبقى حبيسة أصحابها.
⸻
س١: أستاذة نادية، لكل شخصية حكاية تبدأ من ملامح الطفولة، وتتشكّل عبر محطات العمر؛ نود أن نعود معكِ إلى البدايات: أين كانت النشأة؟ وكيف كانت سنوات الدراسة الأولى؟ وما أبرز المحطات في مسيرتكِ التعليمية والعملية وصولًا إلى ما أنتِ عليه اليوم؟
ج: نشأت في محافظة الطائف، مدينة الورد والجمال والثقافة، حيث تشكّلت ملامح طفولتي، وتفتّحت مداركي الأولى على قيم الأصالة والانتماء وحب المعرفة. وفي رحاب هذه المدينة بدأت علاقتي بالتعليم، ونما شغفي بالقراءة والتعلّم، وتكوّنت البذور الأولى لطموحي.
حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة أم القرى، إلى جانب التأهيل التربوي، ثم بدأت رحلتي المهنية معلمةً للمرحلة الثانوية لمدة عشرين عامًا، أعقبتها اثنتا عشرة سنة في الإشراف التربوي والمهام القيادية، تنقّلت خلالها بين رئاسة قسم اللغة الإنجليزية والإشراف على دعم نواتج التعلّم.
وامتدت تجربتي إلى التدريب والبحث العلمي والكتابة والإعلام والعمل التطوعي، مع مواصلة تطوير معارفي في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي. وأنا حاليًا باحثة ماجستير في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
وحين أستعيد هذه الرحلة، أدرك أن الطائف كانت أكثر من مكان للنشأة؛ كانت حاضنةً لأحلامي، وشاهدةً على تحولات مسيرتي، وجزءًا أصيلًا من هويتي. لقد علّمتني الحياة أن البدايات تمنحنا الجذور، والتجارب تمنحنا النضج، أما الأثر الذي نتركه في الآخرين، فهو الذي يمنح رحلتنا معناها الحقيقي.
س٢: في رحلة الإنسان بين الدراسة والعمل والتجارب، تتشكّل قناعاته وتتغير رؤيته للحياة؛ ما المحطة التي أحدثت التحول الأعمق في شخصيتكِ؟ ومن كان له الأثر الأكبر في صناعة طموحكِ؟
ج: أرى أن التحولات الكبرى في حياة الإنسان قد تبدأ من لحظة وعي، يدرك فيها أن قدراته أوسع من حدود الدور الذي اعتاد أداءه.
وكان انتقالي من التعليم المباشر إلى الإشراف التربوي والقيادة إحدى المحطات التي أحدثت تحولًا عميقًا في رؤيتي؛ فقد انتقلت من مسؤولية تعليم الطالبات إلى مسؤولية أوسع تتصل بتمكين المعلمات، وتطوير الممارسات، وصناعة بيئات تعليمية أكثر فاعلية.
هناك أدركت أن التأثير الحقيقي يتضاعف حين نساعد الآخرين على اكتشاف قدراتهم، وأن القيادة الناجحة تصنع قادة آخرين.
أما صناعة الطموح، فهي في تجربتي ثمرة تراكمية لقيم الأسرة، وتوجيهات المعلمين، وثقة من آمنوا بقدراتي، والتجارب التي اختبرت صبري وعزيمتي.
وكان للتحديات ذاتها دور كبير في تشكيل شخصيتي؛ فقد علّمتني أن بعض العقبات تأتي لتكشف لنا قدرات لم نكن نعرف أننا نمتلكها.
وأعمق ما تعلّمته أن الإنسان ينضج حين يتحول طموحه من إثبات ذاته إلى صناعة قيمة تتجاوز ذاته.
س٣: في زمن تتسارع فيه التحولات التعليمية، هل تعتقدين أن مؤسساتنا التربوية بحاجة إلى تطوير أدواتها، أم إلى إعادة النظر في فلسفتها لصناعة الإنسان؟ وأين تكمن الفجوة الحقيقية بين التعليم الذي نطمح إليه والواقع الذي نعيشه؟
ج: أعتقد أن تطوير الأدوات ضرورة، لكن مراجعة فلسفة التعليم أعمق أثرًا؛ لأن التقنية، مهما بلغت كفاءتها، تظل وسيلة، بينما الإنسان هو الغاية.
إن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يحكم تطوير التعليم هو: أي إنسان نريد أن نُعدّ للمستقبل؟
نريد إنسانًا يمتلك المعرفة، ويُحسن توظيفها، ويفكر باستقلالية، ويتحلى بالمسؤولية والقيم، ويملك القدرة على التعلّم المستمر والتكيف مع المتغيرات.
وقد حققت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة في تطوير منظومتها التعليمية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، إلا أن التحدي المستمر يتمثل في تحويل التوجهات التطويرية إلى ممارسات راسخة داخل الصفوف والمدارس.
وأرى أن إحدى الفجوات التي تستحق الاهتمام تكمن بين المعرفة التي يكتسبها المتعلم والمهارات التي يستطيع توظيفها في حياته، وبين قياس التحصيل وقياس القدرة على التفكير والإبداع وحل المشكلات.
كما أن بناء الإنسان يتطلب تمكين المعلم، وتعزيز استقلاليته المهنية، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة.
فالتعليم الذي يملأ الذاكرة بالمعلومات يحقق جانبًا من رسالته، أما التعليم الذي يوقظ العقل، ويبني الضمير، ويحرر الإمكانات، فهو الذي يصنع المستقبل.
س٤: القيادة ليست منصبًا بقدر ما هي اختبار يومي للقيم؛ متى تنجح القائدة إداريًا لكنها تُخفق إنسانيًا؟ وكيف يمكن للذكاء العاطفي أن يصنع الفرق بين قيادة تُدار بالتعليمات وأخرى تُلهم الإنسان؟
ج: قد تنجح القائدة في تحقيق المؤشرات وإنجاز المهام وضبط الإجراءات، لكنها تُخفق إنسانيًا حين تتحول بيئة العمل إلى مساحة للخوف، أو حين تصبح النتائج أكثر أهمية من كرامة الإنسان واحتياجاته النفسية والمهنية.
ومن واقع تجربتي في التعليم والإشراف والقيادة، أدركت أن الإنسان يمنح أفضل ما لديه حين يشعر بالتقدير والإنصاف والأمان النفسي.
وهنا تتجلى قيمة الذكاء العاطفي؛ فهو القدرة على فهم المشاعر وإدارتها، والإنصات بوعي، والتعامل مع الاختلاف بحكمة، واتخاذ القرارات بموازنة تجمع بين الحزم والرحمة.
والقيادة المتعاطفة تعني فهم الظروف الإنسانية دون الإخلال بالمسؤولية المهنية، والتمييز بين الخطأ الذي يحتاج إلى تصحيح، والإنسان الذي يحتاج إلى دعم وتمكين.
وقد تناولت هذه العلاقة في اهتماماتي البحثية المتعلقة بالقيادة المتعاطفة والأمان النفسي والاحتراق المهني لدى المعلمين.
وأؤمن أن القائدة الحقيقية تُعرف بما توقظه في الآخرين من ثقة، وما تتركه في نفوسهم من احترام، وما تمنحهم من قدرة على النجاح حتى في غيابها.
س٥: تُنفق المؤسسات الكثير على التدريب والتنمية المهنية، لكن أثر بعض البرامج يتلاشى بانتهاء قاعاتها؛ أين يكمن الخلل؟ وكيف ننتقل من ثقافة جمع الشهادات إلى بناء الكفاءات وصناعة التحول الحقيقي؟
ج: تكمن المشكلة حين يتحول التدريب من وسيلة لتطوير الأداء إلى نشاط يُقاس بعدد الساعات والمشاركين والشهادات.
فالتدريب الحقيقي يبدأ قبل انعقاد البرنامج، بتشخيص الاحتياج المهني، ويستمر بعد انتهائه بقياس التغير في السلوك والأداء والنتائج.
ومن خلال تجربتي في التدريب وتطوير الكفاءات، أرى أن البرامج الأكثر تأثيرًا هي التي ترتبط بمشكلات واقعية، وتمنح المتدرب فرصة للتطبيق، وتوفر له التغذية الراجعة والمتابعة المهنية.
ولذلك أؤمن بضرورة الانتقال من سؤال: كم برنامجًا قدّمنا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي تغيّر في أداء المستفيدين بعد التدريب؟
كما أن المؤسسات مطالبة ببناء ثقافة تعلّم مستمر، وتفعيل مجتمعات التعلّم المهنية، وربط التنمية المهنية بمؤشرات أداء واضحة.
أما المدرب الناجح، فهو الذي يستطيع تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى كفاءة، والكفاءة إلى أثر مؤسسي مستدام.
فالشهادة توثّق حضور المتدرب، أما الكفاءة فتشهد على أثر ما تعلّمه، والتحول الحقيقي يظهر حين تصبح المعرفة سلوكًا يوميًا.
س٦: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل التعليم والحياة المهنية؛ هل نحن أمام ثورة تُحرّر العقل من الأساليب التقليدية، أم أمام اعتماد تقني قد يُضعف ملكة التفكير والإبداع؟ وكيف نحافظ على إنسانية التعليم وسط هذا التحول المتسارع؟
ج: نحن أمام تحول معرفي وتقني بالغ التأثير، يحمل فرصًا استثنائية وتحديات تستدعي وعيًا تربويًا وأخلاقيًا.
فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم التعلّم الشخصي، وتحليل البيانات، وتخفيف الأعباء الإدارية، ومساندة المعلم في التخطيط والتقويم وتصميم الخبرات التعليمية. لكن الخطر يبدأ حين يتحول من أداة تعزز التفكير إلى بديل يمارس التفكير نيابةً عن الإنسان.
ومن خلال اهتمامي الأكاديمي والتدريبي بالذكاء الاصطناعي في التعليم، أرى أن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء ثقافة الاستخدام الواعي، وتعليم المتعلمين مهارات التحقق والنقد والتحليل وصياغة الأسئلة، إلى جانب الالتزام بالأمانة العلمية وحماية الخصوصية.
وينبغي أن تتطور أساليب التقويم كذلك، بحيث تقيس الفهم العميق والقدرة على الاستدلال والإبداع، بدل الاكتفاء بإنتاج إجابات يمكن للأدوات الذكية توليدها بسهولة.
أما إنسانية التعليم، فتظل مرتبطة بالمعلم الذي يفهم احتياجات طلابه، ويكتشف مواهبهم، ويمنحهم الثقة، ويغرس فيهم القيم.
وأرى أن مستقبل التعليم سيكون للأقدر على الجمع بين ذكاء الآلة وحكمة الإنسان؛ فالآلة تستطيع معالجة المعلومات، أما التربية فتصنع الوعي الذي يحدد كيف نستخدم تلك المعلومات ولماذا.
س٧: نادية الجودي الكاتبة، ماذا تجدين في الحروف مما لا تجدينه في ميادين القيادة والتدريب؟ وهل الكتابة عندكِ وسيلة للتعبير عن القناعات، أم رحلة لاكتشاف الذات وإعادة قراءة الإنسان والمجتمع؟
ج: الكتابة بالنسبة لي مساحة ألتقي فيها بذاتي بعيدًا عن صخب المسؤوليات، وأعيد من خلالها ترتيب الأسئلة التي تتركها الحياة في داخلي.
في القيادة أتعامل مع القرارات والمواقف والمسؤوليات، وفي التدريب أسعى إلى نقل المعرفة وإحداث التغيير، أما في الكتابة فأمنح التجربة صوتًا، وأبحث عن المعاني الكامنة خلف السلوك الإنساني.
أكتب لأن بعض القضايا تستحق أن نتوقف عندها طويلًا؛ كالكرامة، والوفاء، والوعي، والخذلان، والعدالة، والعلاقات الإنسانية، وقيمة الأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله عن المواقع والمناصب.
وقد وجدت في المقالة الأدبية والفكرية مجالًا رحبًا لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا الاجتماعية والتربوية والإنسانية، وفي التأليف فرصة أوسع للتأمل في تعقيدات النفس البشرية.
والكتابة عندي تعبير واكتشاف معًا؛ أبدأ أحيانًا بقناعة واضحة، ثم تقودني الفكرة إلى أسئلة أعمق، فأخرج من النص برؤية أكثر نضجًا واتساعًا.
فأنا أؤمن أن الكاتب يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الكلمة؛ فبوسعه أن يوقظ وعيًا، أو يجبر خاطرًا، أو يعيد إلى قضية إنسانية مكانتها في الضمير.
الكتابة هي المساحة التي أترك فيها للروح أن تتحدث، وللعقل أن يتأمل، وللحياة أن تكشف ما تخفيه التفاصيل.
وأجمل النصوص تلك التي تنتهي على الورق وتبدأ حياة جديدة في وجدان القارئ.
س٨: الإعلام الثقافي اليوم يقف بين عمق الرسالة وسرعة الانتشار؛ هل أصبحت صناعة المحتوى أكثر اهتمامًا بما يجذب الجمهور من اهتمامها بما يثري وعيه؟ وكيف يمكن للكلمة الواعية أن تستعيد تأثيرها في زمن الشهرة الرقمية؟
ج: أعتقد أن التحول الرقمي منح الإعلام فرصًا واسعة للوصول والتأثير، لكنه أوجد في المقابل منافسة شديدة على انتباه الجمهور، وأصبحت بعض الممارسات الإعلامية تقيس النجاح بحجم التفاعل أكثر من قيمة المحتوى.
وهنا ينبغي التمييز بين الانتشار والتأثير؛ فقد يحقق المحتوى ملايين المشاهدات دون أن يترك أثرًا معرفيًا، بينما تستطيع كلمة صادقة وواعية أن تغيّر قناعة أو تفتح أفقًا فكريًا لدى قارئ واحد.
ومن خلال اهتمامي بالكتابة والإعلام الثقافي والمشاركة في الفعاليات الأدبية والفكرية، أرى أن الإعلام الثقافي مطالب بتقديم المعرفة بلغة قريبة من الناس، دون التضحية بعمقها أو مصداقيتها.
كما أن الصحفي والمثقف مسؤولان عن التحقق من المعلومات، واحترام عقل المتلقي، والابتعاد عن الإثارة التي تختزل القضايا المعقدة في عناوين عابرة.
ولكي تستعيد الكلمة الواعية تأثيرها، ينبغي أن تجمع بين جودة الفكرة وجمال الأسلوب وفهم الوسائط الرقمية الحديثة.
فالشهرة قد تمنح صاحبها جمهورًا، لكن المصداقية وحدها تمنحه مكانة في الوعي، والكلمة التي تحترم عقل الإنسان هي الأقدر على البقاء في ذاكرته.
س٩: تؤمنين بالعمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، لكن بعض المبادرات ينتهي أثرها بانتهاء مناسباتها وصورها التذكارية؛ كيف نميّز بين مبادرة تصنع حضورًا إعلاميًا وأخرى تُحدث تغييرًا حقيقيًا في حياة الناس؟ وما المبادرة التي تركت في نفسكِ أثرًا لا يُنسى؟
ج: أؤمن أن العمل التطوعي من أصدق صور المسؤولية المجتمعية، وأن قيمته الحقيقية تتجلى في حجم الاحتياج الذي يلبّيه، والتغيير الذي يحدثه في حياة المستفيدين.
فالمبادرة المؤثرة تبدأ بسؤال واضح: ما المشكلة التي نسعى إلى معالجتها؟ ثم تنتقل إلى التخطيط والتنفيذ وقياس النتائج والاستدامة.
أما الحضور الإعلامي، فهو وسيلة مهمة للتعريف بالمبادرات ونشر ثقافة العطاء، شريطة أن يكون انعكاسًا لإنجاز حقيقي، وأن تظل كرامة المستفيد وخصوصيته في مقدمة الاعتبارات.
وقد أتاحت لي مشاركاتي في العمل التطوعي والتدريب المجتمعي، التي تجاوزت ثلاثة آلاف وستمائة ساعة تطوعية، الاقتراب من احتياجات إنسانية وتعليمية متنوعة، ورسّخت لدي قناعة بأن أعظم العطاء ما يمنح الإنسان قدرة على الاعتماد على ذاته.
ومن التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي المبادرات التعليمية والتدريبية التي أسهمت في تمكين الآخرين وتطوير مهاراتهم؛ لأن أثرها يمتد من الفرد إلى أسرته ومجتمعه، ويتجدد كلما استخدم ما تعلّمه في تحسين حياته أو مساعدة غيره.
وأجد في المبادرات القائمة على نشر المعرفة وتمكين الإنسان قيمة خاصة؛ لأنها تحوّل العطاء من مساعدة مؤقتة إلى فرصة ممتدة للنمو والاستقلال.
فالمبادرة الناجحة تُقاس بعدد الفرص التي تخلقها، والحياة التي تحسّنها، والأثر الذي يستمر بعد انطفاء أضواء المناسبة.
س١٠: لو غابت الألقاب والمناصب والشهادات، ولم يبقَ من نادية الجودي سوى أثرها في ذاكرة الآخرين؛ ما الأثر الذي تتمنين أن يبقى؟ وما الحقيقة التي علّمتكِ إياها الحياة ولم تتعلميها من كتاب أو قاعة تدريب؟
ج: أتمنى أن أبقى في ذاكرة الآخرين إنسانة أنصفت حين امتلكت القرار، وساندت حين استطاعت، وحفظت للناس كرامتهم، وتركت في أرواحهم شيئًا من الطمأنينة والثقة والأمل.
أتمنى أن تتذكرني طالبة ساعدتها على اكتشاف قدراتها، ومعلمة منحتها الثقة، ومتدربة وجدت في كلمة أو موقف دافعًا لتجاوز حدودها، وقارئة لامس نص من نصوصي شيئًا من تجربتها الإنسانية.
أما الحقيقة التي علّمتني إياها الحياة، فهي أن الإنسان قد ينسى تفاصيل ما قدّمته له، لكنه يحتفظ طويلًا بالشعور الذي تركته في نفسه.
علّمتني التجارب أيضًا أن القوة الحقيقية تتجلى في القدرة على الإنصاف عند الاختلاف، والرحمة عند المقدرة، والثبات على المبادئ حين تصبح المساومة عليها أسهل الطرق.
وأدركت مع مرور السنوات أن الألقاب تمنح الإنسان تعريفًا مؤقتًا، بينما تمنحه أخلاقه ومواقفه هويته الباقية.
ولو اختصرت فلسفتي في الحياة لقلت: أريد أن أعبر هذا العالم خفيفةً على القلوب، عميقةً في الأثر، وأن يكون حضوري سببًا في خير، وغيابي مقرونًا بدعوة صادقة وذكرى طيبة.
س١١: وفي ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تودّين توجيهها إلى منسوبي صحيفة «الرأي» بمكتبها في منطقة جازان؟ وما رسالتكِ للإعلاميين الذين يحملون مسؤولية الكلمة وأمانة الرسالة، ويسعون إلى صناعة أثر يتجاوز حدود الخبر إلى وعي المجتمع وذاكرته؟
ج: يسعدني في ختام هذا الحوار أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى صحيفة «الرأي»، وإلى منسوبي مكتبها في منطقة جازان، على هذه الاستضافة الكريمة والمساحة الحوارية التي تتيح تبادل الرؤى والتجارب، وتؤكد أهمية الإعلام في إبراز الخبرات الوطنية وإثراء النقاش المجتمعي.
وأخص بالشكر الأستاذ إبراهيم القصادي، مدير مكتب الصحيفة بمنطقة جازان، على مبادرته المهنية واهتمامه بتقديم حوار يتجاوز التعريف بالشخصية إلى مناقشة قضايا التعليم والقيادة والثقافة والإعلام والعمل المجتمعي.
أما رسالتي إلى الإعلاميين، فهي أن يستشعروا عظمة الأمانة التي يحملونها؛ فالكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، والمصداقية رأس مال الإعلامي، ووعي المجتمع أمانة تستحق أن نصونها.
إن الإعلامي المؤثر هو الذي يبحث عن الحقيقة بضمير مهني، ويمنح القضايا حقها من الفهم والتحليل، ويضع المصلحة العامة فوق إغراءات الشهرة والسبق.
وفي وطننا الغالي، المملكة العربية السعودية، تتعاظم مسؤولية الإعلام في مواكبة التحولات التنموية، وإبراز المنجزات الوطنية، وتعزيز الوعي، وتقديم صورة صادقة تعكس طموح المجتمع وقيمه وهويته.
أتمنى لصحيفة «الرأي» ومنسوبيها مزيدًا من التميز والنجاح في أداء رسالتهم الإعلامية والثقافية والمجتمعية.
وأختم بقناعة أؤمن بها: الخبر قد يعيش يومًا، أما الكلمة الصادقة فتعيش في الوعي أعوامًا؛ والإعلام العظيم هو الذي يكتب للإنسان، وينحاز للحقيقة، ويترك في ذاكرة الوطن ما يستحق أن يُروى.
خاتمة الحوار
هكذا تُغلق نادية الجودي صفحات هذا الحوار، لكنها تترك أسئلته مفتوحة على قضايا تتجاوز تجربتها الشخصية إلى جوهر التعليم والقيادة والإعلام والحياة.
فليست القضية كم عامًا أمضينا في مواقع المسؤولية، ولا كم شهادة حملنا، ولا كم إنجازًا سُجّل بأسمائنا؛ بل كم عقلًا أيقظنا، وكم قدرةً حرّرنا، وكم إنسانًا غادر حضورنا وهو أكثر ثقةً بنفسه وكرامةً ووعيًا.
وبين طفولة الطائف وتجارب القيادة واتساع آفاق المعرفة، تتجلى فلسفة الجودي في حقيقة لا تحتاج إلى منصب يؤكدها ولا إلى شهادة تُثبتها: أن أعظم ما ينجزه الإنسان ليس أن يترك اسمه في سجلات النجاح، بل أن يترك أثره في حياة الآخرين.
فالمناصب تنتهي بانتهاء التكليف، والشهادات تبقى على الجدران، أما الأثر الصادق فيسكن الوجدان؛ وحين يطوي الزمن أسماءنا من دفاتر المناصب، لن يسأل التاريخ عمّا كنّا نملك من سلطة، بل عمّا منحناه للإنسان من قيمة.
Likes(0)Dislikes(0)
نادية الجودي لـ الرأي المناصب لا تصنع العظماء والقيادة بلا إنسانية فشل مهما تجم لت بالإنجازات
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صحيفة الراي الالكترونية نادية الجودي لـ الرأي المناصب لا تصنع العظماء
كانت هذه تفاصيل نادية الجودي لـ«الرأي»: المناصب لا تصنع العظماء.. والقيادة بلا إنسانية فشلٌ مهما تجمّلت بالإنجازات! نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صحيفة الراي الالكترونية و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

