اخبار عربية «الصمت الاستراتيجي» في السياسة العالمية

الصمت الاستراتيجي في السياسة العالمية


اليكم الان «الصمت الاستراتيجي» في السياسة العالمية والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس

كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

تمر السياسة العالمية عبر نوع غريب من الصمت، صمت يحتاج إلى تفكير عميق وتأمل جاد. ومع ذلك، يقف العالم اليوم عند عتبة تاريخية تتشابك فيها العديد من الملفات الحاسمة في وقت واحد. فقد دخلت الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، بينما أدى الإبادة الجماعية التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية الصهيونية في غزة إلى زعزعة عميقة في التوازنات الإقليمية، وغرق مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في حالة من الغموض، وفتح حلف الناتو النقاش حول بنية أمنية جديدة، في حين انتقلت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى مرحلة أشد في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع.

في مواجهة هذا المشهد المعقد والفوضوي إلى هذا الحد، كان يُفترض في الظروف العادية أن يسمع الرأي العام العالمي مزيداً من التصريحات السياسية، ومزيداً من خطاب الأزمات، ومزيداً من رسائل التوتر الدبلوماسي. لكن على العكس تماماً، يهيمن على النظام الدولي صمت لافت. فهل هذا الصمت علامة على الارتياح؟ أم أنه صمت استراتيجي يسبق عاصفة كبرى قادمة؟ لقد علمنا تاريخ العالم خلال آخر 150 عاماً أن أهم لحظات الدبلوماسية غالباً ما تكون تلك التي لا تنعكس على الرأي العام العالمي. فالقرارات الكبرى، والتفاهمات الكبرى، أو حتى الانفصالات الكبرى، تتشكل في الغالب خلف الأبواب المغلقة لا أمام الكاميرات.

نحن اليوم نمر بعملية مشابهة. ففي أحدث تقييمات مراكز الفكر الرائدة ووسائل الإعلام الدولية المرموقة، يبرز موضوع مشترك؛ وهو أن القوى الكبرى لم تعد تتحدث بصوت مرتفع، بل تعيد تثبيت مواقعها الاستراتيجية. ففي خط واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين ولندن وباريس وبرلين وطهران وتل أبيب، يجري نشاط دبلوماسي خلفي أكثر كثافة بكثير مما يظهر في التصريحات العلنية.

في جبهة الناتو، تتم مناقشة مستقبل أوكرانيا، والعبء الدفاعي لأوروبا، والإطار الجديد لردع روسيا، والموقف المشترك تجاه الصين. أما في خط الولايات المتحدة ـ إيران، فإن الملف النووي، والعقوبات، وصراع النفوذ الإقليمي، والضغط الشديد الذي تمارسه إسرائيل على إدارة ترامب، كلها موضوعة على طاولة واحدة كعناوين متوازية. ولذلك فإن الصمت الموجود في البيئة العالمية ليس فراغاً، بل هو علامة على كثافة التحركات.

وفي هذه النقطة تحديداً، تكتسب التحضيرات الدبلوماسية التي تقوم بها تركيا معنى خاصاً. إن الزيارات الرسمية التي استضافها رئيس جمهوريتنا في الفترة الأخيرة، والدبلوماسية الهاتفية التي يجريها مع القادة، والاتصالات الحساسة، تؤكد مرة أخرى أن أنقرة تقوم بتحليل التطورات بعمق، وأنها فاعل يؤثر في الاتجاه الأساسي للأحداث. كما أن التحركات المكثفة لوزير الخارجية هاكان فيدان في آسيا تُعد جزءاً مكملاً لهذه الاستعدادات الواسعة. لأن آسيا اليوم أصبحت أحد أهم مراكز أمن الطاقة، وطرق التجارة، والمنافسة التكنولوجية، والتعاون الدفاعي، والبحث عن توازن عالمي جديد.

تركيا تدير دبلوماسية متعددة المستويات على خط جيوسياسي واسع يمتد من البحر الأسود إلى القوقاز، ومن البلقان إلى الشرق الأوسط، ومن الخليج إلى أفريقيا، ومن آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي. وهذا المشهد يقول لنا بوضوح: إن صمت أنقرة هو مؤشر على استعداد شامل واستباقي للتحديات والمواجهات العالمية المقبلة. ففي السياسة العالمية لم يعد العامل الحاسم هو القوة العسكرية أو الحجم الاقتصادي فقط، بل أيضاً القدرة على قراءة الأزمات، وفك شيفرة المفاوضات التي تجري في طبقات الصمت، واتخاذ الخطوة الدبلوماسية الصحيحة في اللحظة المناسبة، وهي قدرات لا تقل أهمية عن عناصر القوة الاستراتيجية.

وقد برزت تركيا في السنوات الأخيرة تحديداً بهذه القدرات. فهي تركيا التي تستطيع التحدث مع جميع الأطراف في حرب أوكرانيا ـ روسيا، وتستطيع خلق توازن في البحر الأسود، وتتحمل مسؤولية إنسانية ودبلوماسية في أزمة غزة، وتستطيع في ملفات سوريا والعراق والقوقاز وأفريقيا دمج الواقع الميداني بالدبلوماسية على الطاولة. لذلك فإن كثافة أنقرة داخل هذا الصمت الاستراتيجي يجب قراءتها بعناية. ولهذا فإن الأسابيع المقبلة ليست مجرد أجندة قمم دولية، بل هي أيضاً عتبة حاسمة ستُعاد فيها مناقشة البنية الأمنية العالمية الجديدة، وممرات الطاقة، وعلاقات التحالف، وبحث التوازنات الإقليمية.

أحياناً تسكت البحار قبل العواصف. وأحياناً تصمت العواصم الكبرى قبل تشكل نظام جديد. الصمت الذي نعيشه اليوم ليس ركوداً دبلوماسياً عادياً، بل هو صمت استراتيجي في السياسة العالمية. وداخل هذا الصمت، تُعد تركيا واحدة من الدول المركزية التي تستعد لتأخذ مكانها بقوة على طاولة النظام العالمي الجديد، وتبني خطتها الخاصة، وتُعد لعبتها الخاصة.

 

الصمت الاستراتيجي في السياسة العالمية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


ترك برس الصمت الاستراتيجي في السياسة العالمية

كانت هذه تفاصيل «الصمت الاستراتيجي» في السياسة العالمية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم