اليكم الان هجرَة النبيّ : ميلاد مفهومٍ جديد للسّيادة والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24
بداية عامٍ هجريٍّ جديد ليست، في قراءتي الذاتيّة لها، ذكرى دينية تُروى بالغيب، وإنّما هي محطةٌ لاستعراض أبرع عمليّات "إعادة التموضُع السياسي" في التاريخ القديم. فحين هاجَرَ نبيّنا، محمد بن عبد المطلب، مكة، لم يكن يُهاجِر بدافعِ الاضطهادِ فقط، بل كانَ يُنفِّذ خطةً ذكيّةً لإعادةِ بناء السُّلطة من الصفر، مُدرِكًا أنَّ مكةَ، بقبليَّتِها ونُخبَتها التجارية، قد استنفذت كُلّ إمكانيّاتها كمسرحٍ لتطبيقِ ما يُصطَلح عليه اليوم " الرؤية الإدارية". فكانت يثرب (المدينة) بمثابة الورقة البيضاء التي تُتيح لهُ كتابَة دستورَ دولةٍ جديدة، بعيدًا عن جُمود التقاليد القُرشيّة.
وعند وصولِه إلى المدينة، لم يتعامَل نبيّنا محمد مع الأنصار كمؤمنين مُتحمّسينَ فقط، بل كحُلفاءٍ سياسيينَ يمتلكونَ العصبيّة والنُّفوذ، وهُنا تكمُن عبقريّته التنظيمية. لقد أدركَ أنَّ التفوُّقَ العسكريّ والمَنعة لا يمنحها إّلّا التّحالُفَ مع القوّة الأكثر نُفوذًا في المدينة. فكان خياره المُباشر هو "سعد بن عبادة"، زعيمُ الخزرج، ذلك الرَّجُل الّذي لم يكن مُجرّدَ تابع، بل شريكًا استراتيجيًّا، يملك جاهًا وقبيلةً وجيشًا. هذا التحالف المُزدوَج بين "المُهاجر" الوافِد و"الأنصاريّ" المكين، هو، عمليًّا، أوّل حزبٍ سياسيٍّ مُنظَّم في شبهِ الجزيرة، حيث جمع بين المال والجاه المحليّ (سعد) والخبرة الدبلوماسية والرؤية الخارجيّة نبيّنا (محمد)، وتمكّنَ، عبر هذه الثُنائيّة، من فرضِ هيبة الدَّولة الناشئة على جميع القبائلِ المُتفرِّقة.
لم يكتفِ نبيّنا مُحمّد بهذا التَّحالُف، إذ حوّلهُ إلى مشروعٍ إمبراطوريٍّ مُصغّر من خلال "وثيقة المدينة"، التي كانت بمثابة العقد التأسيسيّ لحكومةٍ شبيهٍ بالحُكومة الّتي تُُسمّى اليوم ب "حكومة كونفدرالية". ولقد ضمَّ هذا النشروع اليهودَ والمُشركينَ تحت مِظلَّة "الأمة" ككيانٍ سياسيٍّ موحّد. هذه الخطوة لم تكن وليدة قُدسيّة، بل نتاجَ حسٍّ واقعيٍّ صارم، إذ أدركَ أنَّ استمرارَ الدولة يتطلَّب تحييدَ الخُصوم الداخليينَ عبر منحهم حقوقًا مدنيّة في مُقابل انصياعهم للسيادة الجديدة، وفي الوقت ذاته، استخدمَ هذا الدّستور لتقييد حركة القبائل المُستقلّة وتحويل ولائها من العصبيّة القبليّة إلى عصبيّة الدّولة، ممّا غيّر جذريًّا مفهوم الحكم من "الشيخَة والقبيلة" إلى "سيادة المؤسّسة".
والأكثر إثارة للإعجاب أنَّ هذا الصُّعود السياسيّ لم يمرّ دونَ أن يقرّ به ألدّ أعدائه. فقُريش الّتي حاربته عسكريًّا، بمالِه وعِرضه، اعترَفت به سياسيًّا في صُلحِ الحديبية حين تعاملَت معهُ ك"قائد دولة" لا ك"زعيم دين"، وذلك قبل أن تُصبح الهيمنة الإسلاميّة أمرًا واقعًا.
وإذا ما أردنا أن نعرفَ أكثَر عن حجمِ الذّكاء العمليّاتي لنبيّنا مُحمّد، فإنّهُ ليسَ هناكَ أفضَل مِن التوقُّف عند القدَر الذي قُدِّرهُ من قبلِ خُصومه، الّذينَ وصفوهُ، في أوّل الأمر، ب "الجنون". لكن، بعدما رأوا كيفَ كانَ يُحوِّل الهزيمة العسكريّة في بعضِ المعارِك إلى فُرصٍ دبلوماسيّة، وكيفَ كانَت إدارَته، فائقة الذّكاء، لملفّات الحَرب والسّلام، وكيفَ أنّهُ كانَ قائدًا يحرِصُ، كُلّ الحِرص، على توازُن القِوى، لا على تقديسه، ولا تعظيمه كفَرد، أقرّوا لهُ بهذا الذّكاء، وأنّهُ قائدٌ مُختَلف عن كُلّ القيادات الّتي عرفوها في ذاكَ الزمان. فبدأوا يشيدونَ به، ويتحدّثونَ عنه، ويحذّرونَ من دهائه وفطنَته، ويحرصونَ على إسقاطِ ما كانوا قد اتّهموهُ به.
لو نظرنا اليوم إلى ذكرى الهجرة بعيونٍ مُحلّلة، بعيدًا، كُلّ البُعد، عن أكاذيب التقديس، التي نبيّنا بريء منها، لرأينا فيها نموذجًا فريدًا لرجُلٍ استطاعَ، بذكاءٍ سياسيٍّ بحت، أن ينتقلَ من موقع "داعية مُضطهَد" إلى "رئيس دولة مُتحالِفة" في أقلّ من عقد. إنّ استغلال نبيّنا مُحمّد للفراغ المؤسسيّ في المدينة، وتفوُّقه في حياكة التحالُفات، وتوقيته الدّقيق لكُلِّ خطوةٍ عسكريّة أو سياسيّة، هي التي جعلتهُ أبرز قياديٍّ مرّ على هذه المنطَقة، ليس لأنَّه نبيّ، بل لأنّهُ كان، قبل كُلّ شيء، مُهندسًا للسُّلطة، مُتقنًا لعبة التوازنات كمن يُحرِّك قطعَ الشطرنج، تاركًا لنا إرثًا سياسيًّا لا يزال يُدرّيس حتى اليوم، بغض النَّظر عن أيّ عباءةٍ دينيّة قد تُلفّ حوله. .
هجر ة النبي ميلاد مفهوم جديد للس يادة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جو 24 هجر ة النبي ميلاد مفهوم جديد للس يادة
كانت هذه تفاصيل هجرَة النبيّ : ميلاد مفهومٍ جديد للسّيادة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

