- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية الصندوق الأسود لمدينتين

اخبار محلية
جو 24 قبل 3 ساعة و 25 دقيقة

اليكم الان الصندوق الأسود لمدينتين والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24:

 

لم أكتب هذه الملاحظات في دفتر الرحلات، ولم أسجّلها في سجل الطائرة؛ فقد تقاعدت منذ زمن، وسلّمت مقعد القيادة إلى جيل آخر. لكن بعض الرحلات تبدأ بعد أن يتوقف الطيار عن الطيران، وبعض الصناديق السوداء لا تكون في ذيل الطائرة، بل في أعماق الذاكرة.

وصلت إلى توركوي زائرًا ابني وحفيدي. كنت أظن أن الرحلة انتهت عند باب بيتهما، وأن ما تبقى منها عناق طويل يعوض غيابًا طال. لكنني اكتشفت أن عمّان كانت قد وصلت معي، وجلست بصمت في المقعد المقابل.

في صباح اليوم الأول، خرجت أمشي.

لم يكن في الشارع ما يلفت النظر، وربما كان هذا هو أكثر ما لفت نظري. لا شرطي عند التقاطع، ولا صراخ أبواق، ولا مركبة تتقدم على حق غيرها، ولا عابر طريق يختبر حظه بين السيارات. كان كل شيء يؤدي وظيفته بهدوء: الرصيف يحمل المشاة، والطريق يحمل المركبات، والإشارة تفصل بين الحركة والتوقف، والحاوية تحفظ ما ينبغي أن يُخفى عن وجه المدينة.

شعرت كأنني أمام طائرة تحلق من دون اضطراب؛ لا لأن الطقس مثالي، بل لأن كل جزء فيها يعرف مهمته.

عندها سمعت عمّان تسألني من داخلي:

— أأعجبتك المدينة الجديدة إلى هذا الحد؟

قلت لها:

— لم يعجبني جمالها بقدر ما آلمني انتظامها.

سكتت قليلًا، ثم قالت:

— وهل تراني قبيحة؟

قلت:

— أنت أجمل مما تعرفين، لكن الجمال حين يُترك بلا رعاية يتحول إلى ذكرى.

لم يكن حزني على حفرة في شارع، ولا على حاوية مفتوحة، ولا على سيارة صعدت فوق رصيف. كان حزني على المعنى الذي يجمع هذه الصور كلها: أن بعضنا لم يعد يرى المكان العام امتدادًا لبيته، بل أرضًا لا صاحب لها.

نغضب إن وضع أحدهم النفايات أمام باب منزلنا، ثم قد نلقيها في شارع يمر أمام منازل الآخرين. نرفض أن يسد أحد مدخل بيتنا، ثم نوقف سياراتنا أمام أبواب غيرنا. نطالب باحترام حقوقنا كاملة، لكننا نتعامل مع حقوق الآخرين كأنها مسألة قابلة للتفاوض.

هنا فهمت أن الفوضى لا تبدأ من الطريق، بل من الفكرة التي يحملها الإنسان عن نفسه: هل هو جزء من المجتمع، أم مركزه الوحيد؟

في الطيران، لم يكن مسموحًا لنا أن نقول: إن الخطأ صغير ولا يستحق الانتباه. فالخطأ الصغير، إن تكرر، يصبح عادة، والعادة إذا تسللت إلى قمرة القيادة تحولت إلى خطر. والمدن كذلك؛ لا تفقد نظامها في لحظة، بل في آلاف التنازلات اليومية: سيارة تعتدي على رصيف، متجر يبتلع مساحة المشاة، نفايات تُلقى بلا اكتراث، ومخالفة يراها الناس ثم يواصلون طريقهم كأن شيئًا لم يحدث.

قلت لعمّان:

— مشكلتك ليست أن أبناءك لا يحبونك، بل أن بعضهم يظن أن الحب كلام.

فأجابتني بحزن:

— أتراهم لا يعرفون أن المدن تتألم؟

قلت:

— يعرفون، لكن الإنسان يعتاد الألم إذا طال، ثم يسميه واقعًا.

غير أنني لم أرد أن يكون حديثنا مأتمًا. فكما تعلمت من الطيران، لا قيمة لاكتشاف الانحراف إن لم يتبعه تصحيح للمسار. وعمّان ليست مدينة فقدت وجهتها؛ إنها مدينة تحتاج إلى من يعيد ضبط بوصلتها.

تحتاج إلى قانون لا ينام، ومسؤول لا يختبئ خلف مكتبه، ومواطن يفهم أن النظافة ليست فضلًا، وأن الرصيف ليس مساحة فائضة، وأن الإشارة الحمراء ليست إهانة لكرامته. وتحتاج قبل ذلك كله إلى طفل يتعلم أن الوطن يبدأ من الشيء الصغير الذي يفعله حين لا يراقبه أحد.

وفي المساء، عدت إلى بيت ابني، وكان حفيدي ينتظرني عند الباب. نظرت إليه وفكرت: ربما لا يكون واجبنا أن نورث أبناءنا مدينة كاملة، فهذا أكبر من قدرة الفرد، لكن واجبنا ألا نورثهم أعذارنا.

أما الحكمة التي بقيت في صندوق الرحلة الأسود، فهي أن النظام لا يولد من الخوف، بل من احترام الإنسان لأثره في حياة غيره. وأن المدينة لا تصبح حضارية لأن شوارعها واسعة، بل لأن أنانية أهلها تضيق.

وحين يسكن القانون في الضمير، تصبح الشرطة حارسًا أخيرًا.

أما حين يسكن الإنسان خارج مسؤوليته، فإن كل شوارع المدينة تتحول إلى تقاطعات بلا إشارات.

 

.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل الصندوق الأسود لمدينتين نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم