اليكم الان اقتصاد الأسرة… بين زيادة الرواتب وحكمة الإنفاق والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24
رفع الرواتب…خطوة في الاتجاه الصحيح
جاء قرار الحكومة بزيادة رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين العاملين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن (600) دينار بمقدار (30) ديناراً اعتباراً من مطلع عام 2027 في توقيت بالغ الأهمية، بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل أصحاب الدخول المحدودة. فالأسعار واصلت ارتفاعها، وتكاليف المعيشة تضاعفت، بينما بقيت رواتب العاملين في القطاع العام دون مراجعة هيكلية حقيقية لما يزيد على ثلاثة عشر عاماً، الأمر الذي أدى إلى تآكل جزء كبير من قوتها الشرائية.
ولا شك أن هذه الزيادة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وهي ضرورة اقتصادية واجتماعية لتخفيف جزء من الأعباء عن عشرات الآلاف من الأسر الأردنية، لكنها في الوقت ذاته لا تكفي وحدها لمعالجة آثار التضخم وارتفاع كلف المعيشة. فهي، بلغة الاقتصاد، ضرورية ولكنها غير كافية، إذ إن مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة تتطلب مسارين متوازيين؛ الأول، مواصلة تحسين مستويات الدخل وتعزيز النمو الاقتصادي، والثاني، وهو لا يقل أهمية، إعادة النظر في ثقافة الإنفاق وأنماط الاستهلاك، وترسيخ قيم الاقتصاد في المعيشة وحسن إدارة الموارد.
الاقتصاد في المعيشة… ليس حرماناً
فالاقتصاد في المعيشة لا يعني الحرمان أو التقشف المرهق، وإنما يعني الحكمة في الإنفاق، وترتيب الأولويات، والتمييز بين الضروريات والكماليات. فكم من أسرة ذات دخل محدود استطاعت أن تحقق الاستقرار المالي بحسن التدبير، وكم من أسرة ذات دخل أعلى استنزفتها الديون بسبب الإنفاق غير المحسوب.
لقد أصبحت ثقافة الاستهلاك في كثير من الأحيان تتجاوز حدود الحاجة إلى البحث عن المظاهر والتفاخر الاجتماعي. فالفارق كبير بين الحاجة الحقيقية والرغبة في مجاراة الآخرين. فهناك حلاق يقدم خدمة جيدة بثلاثة دنانير وآخر بعشرة، وخياط ينجز العمل بإتقان بخمسة وعشرين ديناراً وآخر يتقاضى مئات الدنانير، وكوب شاي لا يتجاوز نصف دينار وآخر بخمسة دنانير، وهاتف يؤدي جميع الاحتياجات الأساسية بمائة دينار وآخر يتجاوز الألف دينار، وكيلو سمك يمكن إعداده في المنزل بأقل من خمس كلفة تناوله في أحد المطاعم. والخدمة في النهاية تؤدي الغرض نفسه، لكن الفرق يكمن في أسلوب الإنفاق لا في الحاجة الحقيقية.
ولا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بحرمان نفسه من متع الحياة، بل المطلوب أن تكون الكماليات في حدود الإمكانات، وألا تتحول إلى التزامات تستنزف الدخل. فإعداد الطعام في المنزل، وشرب القهوة مع الأسرة بدلاً من جعل المقاهي عادة يومية، واختيار المنتج المناسب بدلاً من الأغلى ثمناً لمجرد العلامة التجارية، كلها قرارات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحدث فرقاً كبيراً في ميزانية الأسرة على مدار العام.
ثقافة المظاهر… استنزاف للدخل
من أخطر التحولات التي شهدها مجتمعنا خلال العقود الأخيرة أن بعض الكماليات أصبحت تُعامل وكأنها من الضروريات، بفعل ثقافة الاستعراض ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات البعض ينفق جزءاً كبيراً من دخله ليبدو أكثر ثراءً مما هو عليه في الواقع وخاصة في مناسبات الأفراح والأتراح. فأصبحت الجاهات التي يدعى لها مئات الأشخاص وحفلات الأعراس وولائم العزاء من المظاهر الإجتماعية التي ترهق تكاليفها الناس وتوقع الكثير منهم بالديون. ومن هنا يمكن فهم المقولة التي تختصر هذا التحول: كان الأثرياء يتظاهرون بالتواضع، أما اليوم فأصبح بعض الفقراء يتظاهرون بالثراء.
كما شهد المجتمع تغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة؛ فقبل عقود كان دخل فرد واحد يكفي لإعالة أسرة كاملة، أما اليوم فقد تعمل الأسرة بأكملها لتلبية احتياجاتها. واتسعت قائمة المتطلبات، بعضها حقيقي، وكثير منها صُنِع بفعل الإعلانات وضغط التقليد والمنافسة الاجتماعية، حتى أصبح الإنفاق في بعض الأحيان وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية أكثر منه وسيلة لتلبية الاحتياجات.
مسؤولية مشتركة
تبقى مسؤولية الدولة ثابتة في مواصلة مراجعة الرواتب بصورة دورية، وتحفيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وضبط الأسواق، ومكافحة الاحتكار، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، لأن المواطن لا يستطيع وحده مواجهة موجات التضخم العالمية.
وفي المقابل، فإن المواطن شريك في مواجهة هذه التحديات من خلال حسن إدارة دخله، وترشيد إنفاقه، والابتعاد عن الاستهلاك غير الضروري، والادخار، والتخطيط المالي السليم. فتكامل الجهدين هو السبيل الحقيقي لتحسين مستوى المعيشة.
إن بناء اقتصاد أسري متماسك يبدأ من داخل المنزل؛ من إعداد موازنة شهرية، وتأجيل المشتريات غير الضرورية، والادخار ولو بمبالغ بسيطة، وتعليم الأبناء منذ الصغر أن قيمة الإنسان فيما ينجزه لا فيما يستهلكه أو يتباهى به أمام الآخرين.
واليوم، وبعد قرار زيادة الرواتب، تبدو الفرصة سانحة لتحويل هذه الزيادة إلى نقطة انطلاق نحو سلوك مالي أكثر وعياً، بدلاً من أن تذوب سريعاً في موجة جديدة من الإنفاق الاستهلاكي. فالتحسن الحقيقي في مستوى المعيشة لا يتحقق فقط بزيادة الدخل، وإنما أيضاً بحسن إدارة هذا الدخل.
الإسلام يدعو إلى الاعتدال
لقد سبق الإسلام كثيراً من النظريات الاقتصادية الحديثة في الدعوة إلى الاعتدال في الإنفاق، فنهى عن الإسراف كما نهى عن التقتير، وجعل التوازن هو الطريق الأمثل لإدارة المال. يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ الفرقان: 67
كما قال رسول الله ﷺ: «ما عال من اقتصد»، أي أن من أحسن تدبير معيشته واعتدل في إنفاقه كان أقرب إلى الاستقرار والعيش الكريم.
رسالة المرحلة
إن الاقتصاد في المعيشة ليس مجرد خيار شخصي، بل ثقافة وطنية، وقيمة دينية، وسلوك حضاري، وهو بحق نصف العيش. وإذا كانت زيادة الرواتب ضرورة لمواجهة الغلاء، فإن حسن إدارة هذه الزيادة هو الضمان الحقيقي لتعظيم أثرها وتحويلها إلى تحسن ملموس في حياة الأسر الأردنية.
فالطريق إلى تحسين مستوى المعيشة لا يمر فقط عبر زيادة الدخل، بل يمر أيضاً عبر ترشيد الإنفاق، ومحاربة ثقافة المظاهر، وإعلاء قيم الاعتدال والإنتاج والمسؤولية. وعندما تلتقي السياسات الحكومية الرامية إلى تحسين دخول المواطنين مع وعي مجتمعي يحسن إدارة هذه الدخول، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود، وتغدو الأسرة الأردنية أكثر استقراراً وثقة في مواجهة تحديات المستقبل.
.
اقتصاد الأسرة بين زيادة الرواتب وحكمة الإنفاق
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جو 24 اقتصاد الأسرة بين زيادة الرواتب وحكمة الإنفاق
كانت هذه تفاصيل اقتصاد الأسرة… بين زيادة الرواتب وحكمة الإنفاق نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

