اخبار محلية الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية: عُمان نموذجاً

الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية ع مان نموذجا


اليكم الان الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية: عُمان نموذجاً والان إلى التفاصيل من المصدر وهج الخليج

بقلم : لارا إبراهيم، باحثة دكتوراه في الاتصال الجماهيري

في عالم ينضح ويضج بالانقسامات والنّزاعات عبر الاستقطابات السياسية والصراعات الإقليمية التّي تكاد لا تنتهي، وتخضع فيه سياسات كثير من الدول لوطأة توازنات القوى واستحقاقات التحالفات، تتجلّى سلطنة عُمان كنموذج سياسي مُتفرّد وقادر على الحفاظ على مدى استقلالية القرار السياسي وثبات السّياسة الخارجيّة في عالم مضطرب. اذ لم تُتخزل الإرادة السياسية العُمانية على رُدود فعل آنية حيال أزمة أو موقف مُعيّن فرضته التطورات الإقليمية، بل هي ثمرة تراكم حضاري وتاريخي طويل ووعي عميق للجغرافيا السياسية وطبيعة المنطقة ومصالحها المتشابكة والمعقدة في كثير من الأحيان.

ويمكن توصيف الإرادة السياسية في السياسة الخارجية للدول على أنها قدرة دولة مُعيّنة على صياغة مواقفها وقراراتها وفق مصالحها الوطنية ورؤيتها الاستراتيجية المستقلّة أولًا، دون أن ترضخ للاستقطابات أو الضغوط الخارجية. ومن هذا المنطلق، تمكّنت السّلطنة من أن ترسخ لنفسها نهجاً دبلوماسياً يستمّد قوته وألقه من التوازن والحوار والحياد الإيجابي واحترام سيادة الدول الأخرى، مع المحافظة على هذا النهج الأصيل رغم التحولات الجذريّة التي عصفت بالمنطقة خلال فترة العقود الخمسة الماضية مثل حرب اليمن.

ويزداد هذا النّهج وضوحاً بما شهدته منطقة الشّرق الأوسط خلال العقود الخمسة الماضية من تحولات جذريّة شملت انهيار النظام الثنائي القطبية بعد الحرب الباردة وما تبعه من هيمنة أمريكيّة شبه مُطلقة على النّظام الدّولي، ثُمّ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 والذّي أعاد رسم خرائط النفوذ وفتح المجال أمام صُعود الدّور الإيراني بشكل غير مُسبق. كما جاءت ثورات الربّيع العربي محدثة زلازل اجتماعيّة وسياسيّة وبالتّالي إطاحتها لأنظمة وإرباكها لأخرى. وفي الوقت ذاته، برز صعود النفوذ التركي كلاعب إقليمي مؤثّر في المنطقة ومحاولات دمج إسرائيل الحثيثة في النظام الإقليمي عبر اتّفاقيات التّطبيع والسّلام ووصولا أخيراً إلى الحروب المتكررة على غزة والتّي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي بعد أن غابت عن صدارة الاهتمام الدّولي.

غير أنّ هذا الثّبات لم يكن وليد اللّحظة ولم يتشكّل من فراغ، بل هو حصيلة لتفاعل طويل الأمد بين التاريخ والجغرافيا. فعُمان دولة تمتلك إرثاً حضارياً مُتجذّرا يمتد لآلاف السنين فهي لم تكن أبداً كياناً سياسيا معزولاً بل كانت عبر تاريخها القديم مهداً وملتقى للحضارات ومركزًا للتجارة البحرية بين الشرق والغرب. هذا الدور التجاري لم يكن مجرد تبادل سلع، بل كان تبادلًا ثقافيًا وفكريًا، حيث تداخلت اللغات والعادات والأديان، مما منح المجتمع العُماني قدرة استثنائية على استيعاب التنوع والتفاعل معه دون خوف أو انغلاق. كما أكسبها موقعها التاريخي فهمًا عميقًا للتنوع الثقافي وأهمية التواصل مع الشعوب المختلفة، كما رسّخ لديها قناعة بأن بناء الجسور أكثر فاعلية من بناء المتاريس، وأن الحوار أكثر استدامة من الصراع.

حين تروي الصحافة ما لا تقوله البيانات

وإذا كانت الإرادة السياسية العُمانية قد تشكلت من تفاعل التاريخ والجغرافيا، فإن الصحافة هي الأداة التي تتيح للجمهور فهم هذا التفاعل وتحويله إلى سردية سياسية واضحة. فالصحفي ليس مجرد ناقل للبيانات أو الأحداث، بل هو محلل يفسر كيف تتحول الجغرافيا إلى معادلة أمنية، وكيف يصبح التاريخ رصيدًا دبلوماسيًا. ومن خلال التغطيات الإعلامية، تُبنى صورة السلطنة كدولة حياد إيجابي، وتُترجم مواقفها إلى قصص يمكن للجمهور المحلي والدولي استيعابها والاستفادة منها.

هنا تبرز مسؤولية الصحافة الدّولية في تقديم نموذج عُمان كحالة فريدة، بعيداً عن خطاب الاستقطاب الذي يطغى على كثير من وسائل الإعلام في المنطقة. فالصحفي الذي يتناول السياسة الخارجية العُمانية يجد نفسه أمام تجربة مختلفة، تتطلب أدوات تحليلية دقيقة ولغة متوازنة، لأن السلطنة لا تنخرط في المحاور ولا تلهث وراء العناوين الصاخبة، بل تقدم سياسة هادئة تحتاج إلى قراءة معمقة.

حين تتحول الجغرافيا إلى بوصلة للقرار

إلى جانب التاريخ، لعبت الجغرافيا السياسية دورًا حاسمًا في تشكيل الرؤية العُمانية للعلاقات الدولية. فالسلطنة تقع في قلب منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، وتشرف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، كما تمتد سواحلها على بحر العرب والمحيط الهندي، وتجاور المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية. وقد فرض هذا الموقع على عُمان أن تتعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

ومن هنا نشأت القناعة العُمانية بأن الأمن لا يتحقق عبر الانحياز لمحور ضد آخر، وإنما من خلال بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف. فالدول لا تختار جغرافيتها ولا جيرانها، ولذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي إدارة العلاقات مع المحيط الإقليمي وفق منطق التعاون والتفاهم لا منطق الصراع الدائم.

عُمان كما يراها الإعلام العالمي

لقد ساعد هذا الإدراك الجيوسياسي على بناء فلسفة السياسة الخارجية العُمانية، التي انعكست بدورها في التغطيات الإعلامية الدولية. فبينما اعتمدت بعض الدول على مقاربات تقوم على الاستقطاب والمواجهة، تبنت السلطنة ما يمكن وصفه بالنمط التعاوني في العلاقات الدولية. الصحافة العالمية كثيرًا ما أبرزت هذا الدور، ووصفت مسقط بأنها “منصة الحوار” و”الوسيط الموثوق”، وهو ما منح الصحفيين مادة غنية للتحليل حول أسرار مفهوم الدبلوماسية الهادئة.

الدبلوماسية الهادئة… حين تتحدث الوقائع

ولذلك ارتكزت السياسة الخارجية العُمانية على مجموعة من المبادئ الثابتة، أبرزها حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام القانون الدولي، ودعم القضايا العربية والإسلامية العادلة، وعدم الانحياز للمحاور المتصارعة، وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية. وقد منحت هذه المبادئ السلطنة قدرة استثنائية على الحركة في بيئة سياسية معقدة دون أن تفقد استقلاليتها أو مصداقيتها.

ولعل أبرز تجليات هذه الإرادة السياسية المستقلة يظهر في علاقة سلطنة عُمان مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فعلى الرغم من أن العلاقات الخليجية الإيرانية شهدت توترات متكررة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، اختارت السلطنة مقاربة مختلفة قائمة على الحوار والتواصل المستمر. الصحافة هنا لعبت دورًا مهمًا في تفسير هذا الخيار، حيث أبرزت أن الموقف العُماني ليس خروجًا عن محيطه الخليجي، بل قراءة واقعية للجغرافيا السياسية التي تجعل من إيران دولة مؤثرة لا يمكن تجاهلها.

وقد ساعدت هذه الرؤية على بناء علاقة مستقرة بين البلدين، مكّنت السلطنة من أداء دور مهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية. فبفضل احتفاظها بقنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، أصبحت مسقط منصة موثوقة للحوار وملتقى للدبلوماسية الهادئة، وأسهمت في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة خلال المفاوضات التي مهدت للتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015. الصحافة الدولية آنذاك أبرزت الدور العُماني كعامل توازن في لحظة حرجة، وهو ما عزز صورة السلطنة كوسيط لا يبحث عن الأضواء بل عن الاستقرار.

ولم يقتصر هذا النهج على الملف الإيراني، بل برز كذلك في تعامل السلطنة مع الأزمة اليمنية، حيث حرصت منذ اندلاع الصراع على الاحتفاظ بقنوات تواصل مع مختلف الأطراف، مع دعم جميع الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي دائم. وقد أسهم هذا الموقف في ترسيخ صورة عُمان كطرف يحظى بثقة الجميع، وهو ما انعكس في التغطيات الإعلامية الدولية التي كثيرًا ما أشادت بالدور العُماني بوصفه عامل استقرار في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدًا.

 

ولم يتوقف حضور الدبلوماسية العُمانية عند الأزمات السابقة، بل تجدد خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، حيث تمسكت السلطنة بموقفها الداعي إلى التهدئة ووقف التصعيد، مؤكدة أن الحوار والوسائل الدبلوماسية تظل السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات الإقليمية. وقد عكست التغطيات الإعلامية الدولية هذا الموقف، مبرزةً استمرار عُمان في أداء دورها التقليدي كصوت يدعو إلى الاستقرار وتغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية، بما ينسجم مع نهجها الراسخ في السياسة الخارجية.

وفي الختام… تبقى السياسة الهادئة الأعلى صوتًا

إن الإرادة السياسية العُمانية ليست مجرد قدرة على اتخاذ القرار، بل هي قدرة على التمسك بالمبادئ في بيئة متغيرة، وعلى تحقيق التوازن في منطقة تعج بالتناقضات، وعلى تحويل الجغرافيا من تحدٍ إلى فرصة، والتاريخ من إرثٍ للماضي إلى دليلٍ للمستقبل. وهنا يأتي دور الصحافة في نقل هذه التجربة إلى الجمهور، ليس فقط كأخبار، بل كدروس في كيفية صناعة سياسة خارجية مستقلة وسط العواصف.

فالصحافة، حين تفسر التجربة العُمانية، تقدم نموذجًا للصحفيين أنفسهم: أن الحياد الإيجابي ليس ضعفًا، بل قوة تصنع الاستقرار، وأن قراءة التاريخ والجغرافيا ليست مهمة السياسي وحده، بل أيضًا مهمة الصحفي الذي يسعى إلى بناء وعي عام متوازن.

Share on: WhatsApp

ظهرت المقالة الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية: عُمان نموذجاً أولاً على صحيفة وهج الخليج الإلكترونية.

الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية ع مان نموذجا



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


وهج الخليج الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية ع مان نموذجا

كانت هذه تفاصيل الدبلوماسية الهادئة والإرادة السياسية: عُمان نموذجاً نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على وهج الخليج و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم