اخبار عربية من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة .. أين تقف "تَمْغْرِبِيّتْ" الحقيقية؟

من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة أين تقف ت م غ ر ب ي ت الحقيقية


اليكم الان من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة .. أين تقف "تَمْغْرِبِيّتْ" الحقيقية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

في هذا الوطن، توجد كلماتٌ ومعانٍ تملك هيبة الجبال، وصفاء الفجر، ودفء الخبز الخارج من أفران الأمهات. ومن بين هذه المعاني تقف “تَمْغْرِبِيّتْ” في مقام عالٍ؛ لا تحتاج إلى طبّالين، ولا إلى تجّار شعارات، ولا إلى فنانين يضعونها على أغلفة أعمالهم الرَّديئة كما يضع البائع الفاسد عطراً رخيصاً فوق سلعة منتهية الصلاحية. تَمْغْرِبِيّتْ ليست قميصاً يرتديه من يريد التصفيق. ليست بطاقة عبور إلى المنصات. ليست وصفة سريعة لصناعة المجد في عشر دقائق. ليست سلّماً يصعد عليه الصغار حتى يطلّوا من نافذة الكبار. إنها ذاكرة، ودم، ولغة، وملح، وكرامة، وأرض، وسماء، وهواء.

ومع ذلك، يظهر في كل موسم قومٌ عجيبون. يخرجون علينا بوجوه مدهونة بحب الوطن، وبجيوب مفتوحة في اتجاه المصلحة. يرفعون كلمة تَمْغْرِبِيّتْ كما يرفع الساحر خرقة ملوّنة ليصرف عيون الناس عن الخدعة. يغنون للوطن بأصوات مكسورة، ثم يبيعون النشاز على أنه عبقرية شعبية. يكتبون عن الهوية بأقلام مستعارة من الفراغ، ثم يطالبون الجمهور بالخشوع أمام الرَّداءة. يا للعجب الأسود، والأحمر، والأزرق، والأصفر، وكلّ الألوان الممكنة! صار الفشل يرتدي الجلباب، وصارت السطحية تضع الطربوش، وصار الوصولي يبتسم للكاميرا وهو يضع يده على قلبه، كأن القلب مكتب تأشيرات يمنح صفة الوطنية لمن أتقن التمثيل. يتحدثون عن المغرب كما يتحدث السمسار عن عقار لا يعرف بابه. يختصرون البلاد في لقطة، وفي أغنية بلا روح، وفي خطاب يابس، وفي صورة مع علم، وفي جملة محفوظة يرمونها على الناس مثل قطعة نقدية صدئة.

تَمْغْرِبِيّتْ لا توقّع على التفاهة

هؤلاء لا يخدمون تَمْغْرِبِيّتْ؛ يضعونها أمامهم حتى تخفي ضآلة المشروع، وضيق الخيال، وفقر الموهبة، وجوع المنصب. في الفن، يحولونها إلى ديكور. في السياسة، يجعلونها شعاراً انتخابياً. في الثقافة، يعاملونها كقناع فاخر. في المجتمع، يلوّحون بها كلما انكشف معدنهم الرخيص. وإذا كشفت الرَّداءة، اتهموك بأنك لا تحب الوطن. لا، أيّها السادة. حب الوطن لا يعني التصفيق لكل عمل ضعيف فقط لأنه رشّ على نفسه قليلاً من الزعفران اللغوي. حب الوطن لا يعني تقديس كل من صاح: أنا مغربي. من يحب المغرب يرفع المستوى، لا ينزل بالمعنى إلى مستنقع الاستعمال الرخيص. من يحب المغرب يحترم ذكاء المغاربة، ولا يعاملهم مثل جمهور ينتشي بأيّ زغرودة فارغة. من يحب المغرب يشتغل، يتعب، يصقل موهبته، يخجل من التفاهة، ويعرف أن الوطن لا يحتاج إلى من يستثمر فيه كلامياً، وإنما إلى من يشرفه فعليّاً.

تَمْغْرِبِيّتْ لا تحتاج إلى طبّالين

تظهر تَمْغْرِبِيّتْ الحقيقية في اللحظات التي لا تقف فيها الكاميرا. هناك، في الظل النظيف، حيث لا يوجد مخرج يصرخ: ابدأوا التصوير. هناك فقط نرى المغرب كما هو: وجهاً صادقاً، ويداً عاملة، وذاكرة واسعة، وحشمة عريقة، وكبرياء لا يطلب اعترافاً من أحد. تَمْغْرِبِيّتْ لا تبدأ من خشبة مهرجان، ولا من برنامج حواري، ولا من صورة واقف فيها شخص نصف موهوب أمام علم كبير كي يخفي وراءه فكرة صغيرة.

تبدأ من خبز ساخن تقسمه أمّ بين أبنائها، من جار يطرق الباب ليسأل عن مريض، من حرفي يضع روحه في قطعة خشب، من امرأة تحمل السوق والبيت والهموم وتمشي مستقيمة كأنها تحمل تاجاً لا يراه أحد. تبدأ من لهجة دافئة، ومن سلام صادق، ومن ضحكة في زقاق، ومن عين تعرف معنى الحياء، ومن قلب لا يحتاج إلى شعار كي ينتمي. غير أن الوصوليين يملكون موهبة غريبة في تلويث الأشياء النقية. يقتربون من تَمْغْرِبِيّتْ كما يقترب البعوض من الضوء: لا يفهمون النور، فقط يطيرون حوله بإزعاج. يأخذون من الهوية القشرة، ويتركون العمق. يأخذون القفطان، وينسون اليد التي نسجته. يأخذون الطاجين، وينسون الفلاح والعرق والتراب. يأخذون الملحون والعيطة وكناوة والحسانية والأمازيغية والدارجة، ثم يضعونها في خلاط تجاري عجيب، ويخرجون لنا عملاً يشبه حساءً فقد ذاكرته.

في الفن، يصرخ بعضهم باسم التراث كما يصرخ البائع في سوق مزدحم. يضع إيقاعاً شعبياً فوق كلمات هزيلة، ثم يطلب منا أن نصفق لأن “العمل مغربي”. يخلط الزليج بالصوت المعدني، والحناء بالفكرة الفارغة، والراية بالمؤثرات الرخيصة، ثم يخرج على الناس مزهواً كأنه أعاد بناء الحضارة في ثلاث دقائق وخمس وعشرين ثانية. يا سلام!

الوطن لا يصفّق للرَّداءة

وفي السياسة، نرى الكوميديا السوداء في أوضح مشاهدها. يدخل المرشح إلى حي شعبي لم يزره منذ آخر موسم انتخابي، يوزع الابتسامات كمن يوزع منشورات منتهية الصلاحية، يصافح الناس بيد، ويحسب المقاعد باليد الأخرى. يتحدث عن تَمْغْرِبِيّتْ، عن القرب من المواطن، عن خدمة الوطن، ثم يعود إلى صالون مكيّف ويغسل يده من غبار الأزقة. يظن أن الوطنية تصريح صحفي، وأن الشعب صورة جماعية، وأن الوفاء جملة يضعها في آخر الخطاب مع موسيقى حزينة. أما في الثقافة، فالمشهد أشدّ طرافة وأكثر مرارة. تجد شخصاً يضع نظارات ثقيلة، ويتحدث ببطء مصطنع، ويستعمل كلمات كبيرة كي يخفي فكرة يتيمة. يبدأ كلامه عن الهوية، ثم يطوف في الهواء مثل طائرة بلا مطار. يقول: “تَمْغْرِبِيّتْ مشروع رمزي مركّب”، ثم ينظر إلى القاعة كأنه فتح للأمة باب الخلاص. والحقيقة أنه لم يفتح غير باب الملل. لو سألته عن امرأة في دوّار بعيد، عن طفل في مدرسة متعبة، عن بحّار يصارع الموج، عن عامل نظافة يبدأ يومه قبل المدينة، لفقد قاموسه الفخم وبدأ يبحث عن جرعة ماء.

تَمْغْرِبِيّتْ لا تحتاج إلى من يشرحها من برج زجاجي. تحتاج إلى من يحترمها في العمل، في الفن، في الإدارة، في الشارع، في المدرسة، في طريقة الكلام مع الناس. تحتاج إلى مسؤول لا يكذب، وفنان لا يسرق، ومثقف لا يتعالى، ومواطن لا يبيع ضميره في أول مزاد. تحتاج إلى إخلاص لا إلى استعراض، وإلى كرامة لا إلى خطب منتفخة. انظروا إلى المفارقة: العامل البسيط الذي يصلح باباً مكسوراً بإتقان يخدم تَمْغْرِبِيّتْ أكثر من فنان يصرخ باسمها فوق عمل رديء. المعلمة التي تشرح الدرس لطفل متعثّر تخدمها أكثر من سياسي يحفظ “الوطنية” كما يحفظ إعلاناً تجارياً. الشاب الذي يرفض الغش في مشروع صغير يرفعها أكثر من مثقف يبيع المواقف حسب الجهة الداعية. الطبيبة التي تبتسم لمريض فقير تجسّدها أكثر من نجم يضع العلم على كتفه ثم يتصرف كأن البلاد خادمة في بيته.

كلّنا مغاربة، ولا أحد يملك السماء

لا، تَمْغْرِبِيّتْ لا تبارك التفاهة. لا توقّع شيكاً على الرَّداءة. لا تمنح حصانة لمن يضعها في الواجهة. من يرفع اسمها عليه أن يرفع مستواه معها. ومن يستحضرها في فنه عليه أن يقدم فناً يستحقها. ومن يستعملها في السياسة عليه أن يخدم الناس لا أن يبتلعهم في موسم الوعود. ومن ينطق بها في الثقافة عليه أن ينزل من غيمة المصطلحات ويصغي إلى نبض الأرض. تَمْغْرِبِيّتْ مقام. والمقام لا يصعد إليه من يحمل سلّماً من كرتون. إنها امتحان يومي، لا زينة موسمية. إنها مسؤولية، لا ورقة تسويق. إنها شرف، لا بطاقة عضوية في نادي الانتهاز.

إنها فسيفساء حيّة: أمازيغية، عربية، صحراوية، أندلسية، إفريقية، متوسطية، أطلسية، مغربية حتى النخاع، متسعة مثل سماء لا تقبل أن يحشرها أحد في جيبه.

تَمْغْرِبِيّتْ: شرف لا بطاقة عبور

لذلك نقول للانتهازيين: اتركوا تَمْغْرِبِيّتْ تتنفس. لا تضعوا فوق وجهها مساحيق مشاريعكم الفاشلة. لا تطلبوا منها أن تغطي عجزكم. لا تجعلوها خادمة في بيت أطماعكم. اذهبوا إلى مرآة صادقة، وانظروا جيداً: الوطن ليس صغيراً كي يسكن في صورتكم، والهوية ليست فقيرة كي تحتاج إلى وساطتكم، والمغاربة ليسوا سذّجاً كي يخلطوا بين الحب الحقيقي والعرض المسرحي الرديء. كلّنا مغاربة، سماءً وأرضاً وهواءً، ولا فضل لمن يصرخ أكثر، ولا شرف لمن يلوّح أكثر، ولا قيمة لمن يحوّل الانتماء إلى مهنة مربحة. القيمة لمن يحب المغرب وهو صامت. لمن يخدمه وهو متعب. لمن يرفعه بعمله لا بحنجرته. لمن يفهم أن تَمْغْرِبِيّتْ لا تحتاج إلى طفيليات حول الضوء، وإنما إلى أرواح تعرف كيف تحافظ على النور.

لنتأمّل؛ وإلى حَديث آخر.

من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة .. أين تقف "تَمْغْرِبِيّتْ" الحقيقية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة أين تقف ت م غ ر ب ي ت الحقيقية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة أين تقف

كانت هذه تفاصيل من تجميل الرداءة إلى التطبيل للتفاهة .. أين تقف "تَمْغْرِبِيّتْ" الحقيقية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم