اليكم الان قراءة في مقال البوسعيدي: سقوط وهم احتواء إيران ومستقبل الأمن الإقليمي والان إلى التفاصيل من المصدر وهج الخليج
بقلم : جمال بن ماجد الكندي
نشر معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، مقالًا مهمًا ومفصليًا، يُعد من أجرأ المقالات التي تصدر عن شخصية تتبوأ قمة الهرم السياسي والدبلوماسي في السلطنة. ولا تكمن جرأة المقال في مضمونه فحسب، بل في الجهة التي صدر عنها؛ إذ نادرًا ما يخرج وزير خارجية في موقع المسؤولية بمراجعة علنية لإحدى أهم النظريات التي حكمت أمن المنطقة طوال العقود الخمسة الماضية، وهي نظرية احتواء إيران.
وتنبع أهمية هذا المقال من أنه يصدر عن رجل دولة ودبلوماسي مخضرم، مطلع على خفايا الملفات الإقليمية والدولية، وليس عن كاتب أو محلل سياسي يقرأ الأحداث من خارج دوائر صنع القرار. فالبوسعيدي كان شاهدًا على كثير من المحطات المفصلية، وفاعلًا في مسارات التفاوض الشائكة التي شهدتها المنطقة، الأمر الذي يمنح ما يطرحه وزنًا سياسيًا يتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى قراءة تستحق التوقف عندها.
لذلك، أثار المقال، المنشور في 13 يوليو 2026 بصحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية، اهتمامًا واسعًا، لسببين رئيسين في تقديري.
السبب الأول، أنه يصدر عن مسؤول خليجي واكب الأزمة الإيرانية الأمريكية عن قرب، وأسهم في مسارات التفاوض بين الطرفين، كما عبّر في أكثر من مناسبة عن موقف رافض للحرب، سواء خلال حرب الاثني عشر يومًا أو خلال حرب الأربعين يومًا، وهو ما يجعل رؤيته نابعة من تجربة سياسية مباشرة، لا من قراءة نظرية للأحداث.
أما السبب الثاني، فهو أن الوزير طرح قضية بالغة الأهمية تتمثل في الدعوة إلى احتواء إيران، وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما المقصود بهذا الاحتواء؟ هل هو احتواء سياسي؟ أم أمني؟ أم أنه يعني القبول بإيران دولةً إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة أمنية تخص المنطقة، بما يستوجب مراعاة أمنها القومي واحتياجاتها المشروعة، بعيدًا عن سياسة الإملاءات والشروط المسبقة التي حكمت العلاقة معها لعقود؟ وهل آن الأوان للانتقال من منطق «افعل ولا تفعل» إلى منطق الشراكة في بناء منظومة أمن إقليمية أكثر استقرارًا؟
هذه الأسئلة تمثل، في تقديري، جوهر الرسالة التي أراد البوسعيدي إيصالها، وهي التي سأحاول الوقوف عندها وتحليلها في هذا المقال. ولن تقتصر هذه القراءة على عرض ما ورد في مقاله، وإنما ستحاول استنباط أبرز المحاور التي بنى عليها رؤيته السياسية، والكشف عن الدلالات التي أراد إيصالها إلى صانع القرار الإقليمي والدولي.
ومن خلال قراءة متأنية للمقال، يتضح أنه لم يكن معنيًا بالأزمة الإيرانية الراهنة وحدها، ولم يكتب تعليقًا سياسيًا على الحرب الأخيرة فحسب، بل كان يستحضر مسارًا تاريخيًا امتد لأكثر من أربعة عقود، بدأ مع سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، وما ترتب على ذلك من تحولات جذرية في بنية النظام السياسي الإيراني، وفي طبيعة علاقاته الإقليمية والدولية.
فمنذ قيام الثورة الإسلامية، تبنت إيران رؤية أيديولوجية وسياسية مغايرة لما كان قائمًا في عهد الشاه، فجعلت القضية الفلسطينية إحدى ركائز سياستها الخارجية، ورفعت شعار التحرر من الهيمنة الأمريكية، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي أعادت تشكيل كثير من التحالفات والحسابات الأمنية.
يرتكز مقال البوسعيدي، في تقديري، على ثلاث ركائز رئيسية شكّلت بنيته الفكرية والسياسية، وكانت السبب الرئيس في الجدل الذي أثاره داخل الأوساط السياسية والإعلامية؛ إذ تضمن مراجعة جريئة لعدد من المسلّمات التي حكمت السياسة الإقليمية تجاه إيران طوال العقود الخمسة الماضية، ولا سيما في عدد من العواصم الخليجية والعربية.
وتتمثل ركيزتين أساسيتين وهما:
أولًا: إعادة النظر في مفهوم احتواء إيران.
طرح البوسعيدي تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت سياسة احتواء إيران، التي انتهجتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، قد حققت أهدافها في حفظ أمن المنطقة، أم أنها أسهمت، على العكس، في تكريس حالة الصراع وعدم الاستقرار. ومن وجهة نظري، فإن هذا المحور يمثل الركيزة الأهم في المقال؛ لأنه الأساس الذي بنى عليه البوسعيدي بقية أفكاره واستنتاجاته.
وعند قراءة ما بين سطور هذا المحور، يتضح أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه البوسعيدي ليس: كيف نحتوي إيران؟ وإنما: ماذا جنت منطقة الخليج من سياسة احتواء إيران طوال العقود الخمسة الماضية؟ فالمقصود بالاحتواء لا يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، وإنما يشمل مجمل السياسات التي استهدفت عزل إيران، وإضعافها، ومحاصرة نفوذها الإقليمي، وصولًا إلى الرهان على إعادة تشكيل سلوكها السياسي أو تغيير نظامها.
ويبدو أن جوهر الفكرة التي أراد البوسعيدي إيصالها يتمثل في أن الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، تعاملتا مع إيران بمنطق استعادة مرحلة انتهت تاريخيًا بسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، بينما كانت الثورة الإسلامية قد دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإيرانية، برؤية سياسية وأيديولوجية مختلفة. فمنذ ذلك التاريخ، تبنت إيران، وفق رؤيتها، مشروعًا يقوم على الاستقلال السياسي ورفض الهيمنة الخارجية، وجعلت من القضية الفلسطينية أحد أبرز مرتكزات سياستها الخارجية، الأمر الذي أدخلها في مواجهة استراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هذا المنطلق، يرى البوسعيدي أن سياسة الاحتواء لم تحقق أهدافها، رغم ما رافقها طوال خمسة عقود من عقوبات اقتصادية، ومحاولات للعزل السياسي، والرهان على تغيير النظام من الداخل، واستنزاف إيران في الحرب العراقية الإيرانية، ثم الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، كان آخرها حرب الاثني عشر يومًا، ثم حرب الأربعين يومًا، وصولًا إلى المواجهة الأمريكية المباشرة التي انتهت بتوقيع مذكرة الإطار لوقف الحرب.
ويخلص البوسعيدي إلى أن استمرار هذه السياسة لم يؤدِّ إلى تعزيز أمن الخليج، بل أفضى إلى نتائج معاكسة. فقد أظهرت الحرب الأخيرة تحولًا واضحًا في قواعد الاشتباك، بعد أن أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج ضمن بنك الأهداف الإيرانية، وهو تطور كان يُعد، حتى وقت قريب، من المحظورات العسكرية. كما أفرزت الحرب معادلات ردع جديدة فرضتها القدرات الصاروخية الإيرانية، الأمر الذي يدفع، في رأي البوسعيدي، إلى إعادة تقييم السياسات التي حكمت العلاقة مع إيران طوال العقود الماضية.
غير أن قراءة هذا الطرح يجب ألا تُفهم على أنها تبرير للسياسات الإيرانية أو دفاع عنها، فالبوسعيدي لا يناقش مدى صواب أو خطأ مواقف إيران، وإنما يقيّم حصيلة سياسة الاحتواء نفسها، ويسأل عمّا إذا كانت قد نجحت في تحقيق الأمن والاستقرار، أم أنها أنتجت واقعًا أكثر تعقيدًا واضطرابًا. وهنا تكمن أهمية هذا المحور؛ إذ ينقل النقاش من إصدار الأحكام على إيران إلى تقييم الاستراتيجية التي اعتمدتها القوى الكبرى وحلفاؤها في التعامل معها.
ومن هذه النتيجة ينتقل البوسعيدي إلى الركيزة الثانية في مقاله، وهي الدعوة إلى بناء نظام إقليمي جديد، انطلاقًا من قناعته بأن استمرار سياسة الاحتواء لن يحقق الأمن المنشود، وأن الوقت قد حان للبحث عن مقاربة مختلفة تقوم على إشراك جميع دول المنطقة في منظومة أمنية مشتركة، بدلًا من استمرار دوامة الصراع والاستنزاف التي دفعت المنطقة أثمانها السياسية والعسكرية والاقتصادية على مدى عقود.
الركيزة الثانية: بناء نظام إقليمي جديد… من الاشتباك إلى التشابك
بعد أن انتهى البوسعيدي إلى أن سياسة احتواء إيران لم تحقق الأمن والاستقرار اللذين سعت إليهما الولايات المتحدة وحلفاؤها، ينتقل بتسلسل منطقي إلى الركيزة الثانية، وهي الدعوة إلى بناء نظام إقليمي جديد يقوم على إشراك جميع دول المنطقة، بما فيها إيران، في منظومة أمنية مشتركة، تنطلق من المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول، بدلًا من سياسات الاستبعاد والاستقطاب التي أثبتت، في رأيه، محدودية جدواها .
وفي تقديري، فإن البوسعيدي لا يدعو هنا إلى مجرد تغيير في آليات إدارة الأزمات، وإنما يطرح تحولًا في فلسفة الأمن الإقليمي نفسها؛ أي الانتقال من منطق الاشتباك، القائم على المواجهة، وتوازنات القوة، وسياسات الاحتواء، إلى منطق التشابك، الذي يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، والتكامل الإقليمي، والحوار السياسي، باعتبارها أدوات أكثر قدرة على صناعة الاستقرار من الحروب المتكررة .
فكلما تعمقت المصالح الاقتصادية والاستثمارية بين دول المنطقة، وارتبط أمنها بمشروعات تنموية مشتركة، تراجعت فرص الانزلاق إلى المواجهة العسكرية، لأن تكلفة الحرب تصبح أكبر بكثير من مكاسبها. وهذه هي الفلسفة التي يبدو أن البوسعيدي يسعى إلى ترسيخها في مقاله، بوصفها بديلًا عن السياسات التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية .
غير أن هذا الطرح، على أهميته، يواجه تحديًا بالغ التعقيد، يتمثل في الموقف الإسرائيلي من أي نظام إقليمي يضم إيران. فمنذ قيام الثورة الإسلامية، تنظر إسرائيل إلى النظام الإيراني باعتباره أحد أبرز التحديات الاستراتيجية لأمنها القومي، وترى أن استمرار نفوذه الإقليمي يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها، وهو ما يجعل قبولها بمنظومة أمنية تكون إيران أحد أركانها أمرًا بالغ الصعوبة في ظل المعطيات الحالية .
وفي تقديري، فإن نجاح هذه الرؤية لن يتوقف على مواقف دول الخليج أو إيران وحدها، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالموقف الأمريكي. فإذا اقتنعت واشنطن بأن استمرار دوامة الحروب والاستنزاف لم يعد يحقق مصالحها الاستراتيجية، وأن أمن الخليج يمكن أن يُبنى من خلال شراكات إقليمية أكثر استقرارًا، فقد تميل إلى دعم هذا التحول، حتى وإن واجه اعتراضات إسرائيلية. أما إذا بقيت السياسة الأمريكية أسيرة المقاربة التقليدية التي تقوم على إدارة الصراع واحتواء الخصوم، فإن فرص ولادة هذا النظام الإقليمي الجديد ستظل محدودة.
ولعل أهم ما يميز طرح البوسعيدي أنه لا يقدم مشروعًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بل يطرحه بوصفه نتيجة طبيعية لفشل المقاربة السابقة. فإذا كانت سياسة الاحتواء قد أخفقت في تحقيق الأمن، فإن المنطق السياسي يقتضي البحث عن مقاربة مختلفة، لا تقوم على عزل القوى الإقليمية، بل على إدماجها ضمن منظومة أمنية تحقق مصالح الجميع، وتحد من احتمالات الانزلاق إلى حروب جديدة
وفي تقديري، فإن الرسالة الأعمق التي يبعث بها البوسعيدي لا تتمثل في الدعوة إلى إشراك إيران فحسب، وإنما في الدعوة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن في الخليج. فالأمن الحقيقي لا يتحقق عندما يشعر طرف بأنه انتصر عسكريًا، وإنما عندما تقتنع جميع الأطراف بأن مصالحها أصبحت متشابكة إلى درجة تجعل الحرب خيارًا خاسرًا للجميع. ومن هنا، فإن الانتقال من الاشتباك إلى التشابك ليس مجرد شعار سياسي، بل يمثل، إذا ما توافرت الإرادة السياسية، تحولًا استراتيجيًا قد يعيد رسم معادلات الأمن في المنطقة لعقود قادمة.
ختاماً يؤكد البوسعيدي أن الحوار والدبلوماسية، لا المواجهة العسكرية، يمثلان الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن العقود الماضية أثبتت أن الحروب قد تُغيّر موازين القوى مؤقتًا، لكنها لا تؤسس لسلام دائم.
وفي تقديري، فإن أهمية مقال البوسعيدي لا تكمن في دفاعه عن إيران أو نقده لسياسات الولايات المتحدة وحلفائها، بقدر ما تكمن في دعوته إلى مراجعة إحدى أكثر النظريات تأثيرًا في أمن الشرق الأوسط منذ عام 1979، وهي سياسة الاحتواء. فالمقال لا يطرح سؤالًا حول إيران وحدها، بل يطرح سؤالًا أكبر يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي: هل يمكن الاستمرار في الاعتماد على السياسات نفسها، رغم أنها لم تحقق النتائج التي سعت إليها طوال ما يقارب نصف قرن؟.
Share on: WhatsApp
ظهرت المقالة قراءة في مقال البوسعيدي: سقوط وهم احتواء إيران ومستقبل الأمن الإقليمي أولاً على صحيفة وهج الخليج الإلكترونية.
قراءة في مقال البوسعيدي سقوط وهم احتواء إيران ومستقبل الأمن الإقليمي
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
وهج الخليج قراءة في مقال البوسعيدي سقوط وهم احتواء إيران ومستقبل
كانت هذه تفاصيل قراءة في مقال البوسعيدي: سقوط وهم احتواء إيران ومستقبل الأمن الإقليمي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على وهج الخليج و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

