اليكم الان ريح سوداء فعلا! والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب
لم أكن أعرف المهدي اليوبي. لم يسبق أن صادفت اسمه، ولا توقفت عند أي من أغانيه، ولا عرفت أن له اسما فنيا هو «بلاك ويند». الذي عرّفني به هو اعتقاله. والذي دفعني إلى البحث عن أغانيه لم يكن نجاح حملة ترويجية أو صدور ألبوم جديد، بل قرار منعه من السفر، ثم استدعاؤه، ثم وضعه رهن الحراسة النظرية، قبل أن ينتهي به الأمر في السجن الاحتياطي، متابعا على خلفية تعبيرات منسوبة إلى أعماله الفنية.
إذا كان في تلك الأغاني ما يراه البعض إساءة أو تجاوزا أو مسا بواجب الاحترام تجاه الملك أو ولي العهد، فإن اعتقال صاحبها لم يخف تلك المضامين، بل أخرجها من دائرة جمهور محدود إلى فضاء عام واسع. صار من لم يسمع به يبحث عنه، ومن لم يعرف أغانيه يتداولها، ومن لم يكن معنيا بخطابه يحاول فهم سبب الغضب منه. أي إن الأداة التي اختيرت لمنع أثر التعبير تحولت إلى أكبر حملة لترويجه. وهذا وحده كاف لكي نسأل عن عقلانية السياسة الجنائية، قبل أن نسأل عن صرامتها.
لست ممن يعتقدون أن حرية التعبير تعني الإعفاء من المسؤولية. فمن يشهر بالناس، أو يمس بحياتهم الخاصة، أو يلحق بهم ضررا ثابتا، يجب أن يتحمل تبعات فعله. لكن المسؤولية شيء، وسلب الحرية شيء آخر. ويمكن للقانون أن يحمي الحقوق والكرامة من خلال التعويض، والرد، والتصحيح، والجزاءات المدنية، دون أن يتحول كل قول جارح أو تعبير مستفز إلى باب يفتح على السجن.
الدفاع عن حرية المهدي اليوبي لا يعني الاتفاق معه في كل قناعاته، ولا تزكية كلماته، ولا الاستحسان المسبق لما ينتجه. يمكن للمرء أن يرفض كلامه كله، وأن يجد فنه رديئا أو مبالغا أو عدائيا، ثم يظل في الوقت نفسه معارضا لسجنه. هذا ليس تناقضا، بل جوهر الحرية نفسها. فالحرية التي لا نحميها إلا لمن يعجبنا كلامه هي امتياز نمنحه لمن يشبهوننا.
يستطيع أي شخص أن يطالب بالإفراج عن «بلاك ويند»، دون أن يستمع إلى أغنية واحدة له. لأن المسألة هنا أوسع من ذوق فني، وأكبر من خلاف حول كلمات أغنية. بل تتعلق بالسؤال الذي يعود إلينا كل مرة: هل ينبغي أن يدفع الإنسان حريته ثمنا لتعبيره؟
المغرب الذي يقدم نفسه، بحق، باعتباره دولة صاعدة، ويقود صناعات متطورة في إفريقيا، ويبني القطارات فائقة السرعة، ويستعد لتنظيم كأس العالم، ويعتز بأبناء جاليته الذين يحملون اسمه في أكبر الملاعب، لا يمكنه أن يقبل هذه الصورة المناقضة تماما: مغاربة يعيشون أحرارا خارج البلاد، ثم يتحول وصولهم إلى مطاراتها إلى بداية منع واستدعاء واعتقال ومحاكمة.
هذه الصورة قاسية، لأنها تجعل المغرب يبدو كما لو أنه سجن كبير. من يوجد خارجه حر، ومن تطأ قدماه أرضه يصبح معرضا لأن يُسأل عن كل ما قاله وكتبه وغناه في سنوات غيابه.
رأينا في فترة متقاربة قضايا مست صحافيين وفنانين ومغاربة مقيمين في الخارج. ومهما اختلفت الملفات والوقائع والتهم، فإن تكرار مشهد التوقيف في المطارات، أو المنع من السفر، أو الاستدعاء مباشرة بعد الوصول، يبعث برسالة سلبية تتجاوز الأشخاص المعنيين إلى ملايين المغاربة الذين يعيشون خارج البلاد، وأخرى قاسية لمن يعيشون داخله. الوطن ينبغي أن يكون مجالا للعودة والأمان، لا محطة خوف ومساءلة مفتوحة عن كل كلمة قيلت في المنفى.
أما الفن، فله منطقه الخاص. لا يمكن قراءة أغنية راب كما يُقرأ تصريح بالشرف مصحّح التوقيع في “المقاطعة”، ولا يمكن محاكمة قصيدة كما يُفحص محضر رسمي، ولا تفكيك استعارة فنية كما تُفكك تعليمات إدارية. الفن يقوم على المبالغة والمجاز والخيال والتناقض والصورة الصادمة. يتعمد أحيانا أن يزعجنا، وأن يدفع اللغة إلى حدودها القصوى، وأن يقول ما لا يمكن أن يقال في خطاب رسمي.
رحم الله الفنان محمد شبعة، الذي كان يدرّسنا الفن التشكيلي في معهد الصحافة، وكان يغضب كلما حاول أحد الطلبة أن يحول لوحة تجريدية إلى بيان خطابي مباشر بدعوى أنه فهم رسالتها. كان يرى أن اللوحة ليست نصا يجب استنطاقه، وأن الفن إحساس قبل أن يكون خطابا. وهذا ينطبق على الموسيقى والسينما والمسرح والراب.
لا يعني ذلك أن الفنان يوجد خارج القانون. لكنه يعني أن القانون، عندما يقترب من الفن، يحتاج إلى قدر مضاعف من الحذر والذكاء والتمييز بين التعبير الحرفي والتخييل، وبين التحريض المباشر والصورة الفنية، وبين الإساءة المحددة والنبرة الاحتجاجية. وإلا سنجد أنفسنا أمام عبث كامل.
إذا طبقنا المنطق نفسه على مجمل الأغاني الشعبية وأغاني الراي والراب، وعلى ما تتضمنه من أوصاف وصور واستعارات وإيحاءات، فسنحتاج إلى بناء سجون جديدة تتسع لعشرات الفنانين وآلاف الراقصين والمتمايلين مع ما “يقترفونه”. كثير مما يتردد في الأعراس والسيارات والمقاهي، لو أخرج من سياقه الفني ووضع على طاولة محقق، يمكن أن يتحول بسهولة إلى ملف جنائي، وقد يكون أخطر مما يقوله المهدي اليوبي في أغانيه.
لكن الناس لا يستمعون إلى الفن لكي يتلقوا تعليمات تنفيذية. بل يذهبون إليه ليخرجوا من واقعهم، وليعيشوا للحظات في عالم مواز، فيه خيال وغضب ومتعة وفوضى وسخرية ومبالغة. ومن الخطأ أن نتعقبهم قانونيا إلى ذلك العالم، ثم نحاكم الفنان كما لو أنه كان يصدر أوامر ميدانية.
المشكل الأكبر أن الاعتقال الاحتياطي يتحول في مثل هذه القضايا إلى عقوبة قبل الحكم. فحتى قبل أن تقول المحكمة كلمتها، يكون المتهم قد خسر حريته، وعمله، وتنقله، واستقراره الأسري، وربما سمعته. وقد انتهت الجلسة الأولى لمحاكمة “بلاك ويند” برفض طلب متابعته في حالة سراح، وتأجيل الملف، مع استمرار اعتقاله. هكذا يصبح الشخص في السجن، لا لأن حكما نهائيا أدانه، بل لأن مسطرة المحاكمة لم تنطلق بعد.
الأصل أن الاعتقال الاحتياطي استثناء، لا قاعدة. خصوصا عندما يتعلق الأمر بفنان معروف الهوية والإقامة، ويتوفر على ضمانات الحضور، ولا تظهر في الملف، وفق المعطيات المتاحة، خطورة إجرامية تبرر سلبه حريته قبل المحاكمة. فالمهدي لن يشكل خطرا على الأمن العام إن هو بقي حرا إلى حين النطق بالحكم النهائي في حقه.
يمكن للدولة أن تكون صارمة دون أن تحول الوطن إلى سجن كبير. ويمكنها أن تحمي المؤسسات دون أن تجعل الحبس جوابها الأول على التعبير. بل إن قوتها الحقيقية تظهر عندما تحتمل النقد، حتى حين يكون خشنا أو جائرا أو سيئا. الدولة القوية لا يخيفها مغنٍّ، ولا تهتز بسبب أغنية، ولا تحتاج إلى السجن لكي تثبت هيبتها.
الهيبة التي تحتاج إلى اعتقال فنان كي تستمر، هي هيبة هشة. أما الهيبة الحقيقية فتبنيها الشرعية والثقة والعدل والقدرة على استيعاب الاختلاف.
من حق المجتمع المغربي أن يحافظ على خصوصياته الثقافية، وأن يصون مكانة مؤسساته ورموزه. لكن هذه الحماية لا ينبغي أن تكون على حساب جوهر دولة القانون، ولا أن تتحول إلى قيد دائم على الإبداع.
الاحترام لا يُفرض بالزج بالفنانين في السجون، بل يتأسس على الثقة والاقتناع، وعلى مؤسسات تحتمل السؤال والانتقاد ولا تخشى المبالغة الفنية.
لهذا، فإن الدفاع عن الإفراج عن المهدي اليوبي ليس دفاعا عن كل كلمة قالها، مهما كان المبرر الفعلي لمحاكمته، بل عن فكرة أن التعبير لا ينبغي أن يقود إلى السجن، وأن الحرية لا يجوز أن تكون رهينة الذوق أو الرضا السياسي أو الاجتماعي.
سيكون المغرب أقوى عندما يخرج «بلاك ويند» من السجن. وسيكون أكثر مناعة عندما يثبت أن الدولة قادرة على مواجهة الكلام بالكلام، والاختلاف بالقانون المتوازن، والضرر بالتعويض، لا بالحرمان من الحرية.
إن ما نعيشه بين الحين والآخر من اعتقالات بسبب التعبير ليس مجرد حوادث متفرقة. إنه مناخ يثقل الصدور ويفسد صورة البلاد، ويجعل الخوف يتسلل إلى الفنان والصحافي والمدون والمواطن العادي.
وهو، في النهاية، ريح سوداء فعلا، تهب علينا من حيث لا نحتسب.
ريح سوداء فعلا! صوت المغرب.
ريح سوداء فعلا
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صوت المغرب ريح سوداء فعلا
كانت هذه تفاصيل ريح سوداء فعلا! نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

