اليكم الان كتاب (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت) في حِلّةِ جديدة والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز
بقلم: أحمد صالح
حين يهبط الظلامُ على وادي حضرموت، ويشتعل القمرُ في سمائها الصافية، تنساب من بيوتها القديمة نغماتُ الدان، ويعلو صوتُ الهاجر، فتتذكّر الأرضُ أنّها ما زالت تحفظ في وجدانها ما لم تكتبه الوثائقُ الرسمية، وما لم تسجّله كتبُ التاريخ. تلك النغماتُ، وتلك الأهازيجُ، وتلك الحكاياتُ التي تناقلتها الأجيالُ مشافهةً، هي ما نذر الدكتور مسعود عمشوش قلمَه لحفظه ودراسته في كتابه القيّم (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت)، الذي يصدر اليوم في طبعته الثانية، مزيدةً ومنقّحة.
حين يصبح الأدب الشعبي وثيقةً للحياة
في زمنٍ باتَ فيه الأدبُ الشعبيُّ يحتلّ مكانةً أوسع من الأدب الفصيح، وأقربَ إلى نبض الناس وهمومهم، تأتي هذه الطبعةُ الثانية لتؤكّد حقيقةً باتت راسخةً في الدراسات المعاصرة: أنّ الأدب الشعبي لم يعد يُنظر إليه بوصفه لوناً أدنى منزلةً من الأدب الفصيح، أو مجرّد نتاجٍ شفهيٍّ محدود القيمة، بل غدا — كما يقول المؤلف — “فرعاً علمياً تتداخل فيه الدراساتُ الأدبيةُ واللغويةُ والأنثروبولوجيةُ والتاريخية، لأنه يمثّل التعبير الأكثر صدقاً عن وجدان المجتمع، والأقرب إلى الحياة اليومية لأفراده”.
ولعلّ أبلغَ ما يلخّص فلسفة هذا الكتاب تلك العبارةُ التي اختارها الناشرُ لتتصدّر غلافَه الأخير:
“الأدب الشعبي ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل ذاكرة حيّة تحفظ هوية المجتمع وتجسّد وجدانه).
بين الأصالة والحداثة: مشروعٌ في خدمة التراث:
يمثّل هذا الكتاب حلقةً في مشروعٍ علميٍّ متكامل كرّس له المؤلفُ سنواتٍ طويلة من عمره؛ فالدكتور مسعود عمشوش، أستاذُ الأدب المقارن والدراسات الثقافية بجامعة عدن، والحاصلُ على الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1988 عن أطروحته حول (تأثير فن السرد في حكايات ألف ليلة وليلة في الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر)، قد نذر جانباً كبيراً من نتاجه الغزير — الذي يتجاوز الثلاثين مؤلَّفاً — لدراسة التراث الحضرمي وتوثيقه، بدءاً من أدب الرحلة والسيرة الذاتية، مروراً بالرواية والمقامات، وصولاً إلى الشعر الشعبي والحكايات والأمثال.
ما الجديد في الطبعة الثانية؟
يشير المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية إلى أنّ الطبعة الأولى، التي صدرت عام 2024، “لقيت من القرّاء والباحثين والمهتمين بالتراث الحضرمي عنايةً واهتماماً لم نكن نتوقّعه”، وهو ما شجّعه على إعداد هذه الطبعة، مزيدةً ومنقّحة.
وقد جاءت الإضافاتُ والتعديلاتُ على مستويين:
أولاً -على مستوى الموضوعات: أضاف المؤلف أربع دراساتٍ جديدة، هي:
– دراسةٌ عن شعر الزوامل والمراجز في حضرموت.
– دراسةٌ عن الشاعر الشعبي مستور سليمان حمادي.
– دراسةٌ عن الشاعر الشعبي الحضرمي علي بن زامل، حياتِه وحبِّه وشِعرِه.
– دراسةٌ عن أغاني السناوة في حضرموت.
ثانياً – على مستوى الإخراج: خضع الكتاب لمراجعةٍ لغويةٍ وطباعيةٍ شاملة، صُحّح فيها ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء، وأُعيد ضبطُ النصوص الشعرية ونماذجها، وأُضيفت مجموعةٌ من الصور والخرائط. بل إنّ المؤلف — مواكبةً لروح العصر — ضمّن كتابه باركوداتٍ ورموزاً يستطيع القارئ بواسطتها الاستماعُ إلى الأغاني التي تضمّن الكتابُ كلماتها أو أشار إليها، فتنبض النصوصُ المكتوبةُ بأصواتها الأصلية، ويجد القارئُ نفسَه أمام تجربةٍ حسّيةٍ لا تقتصر على القراءة وحدها.
رحلةٌ في فصول الكتاب:
يمتدّ الكتابُ على نحو مئتين وستين صفحة، تتوزّع على اثنتي عشرة دراسةً غنية، تفتتحها دراسةٌ رائدةٌ عن الأديب الشعبي أحمد عبد الله بركات الشبامي (1857–1929)، ذلك الشاعرُ الحدّادُ الذي مزج في مقاماته وقصائده ونوادره بين اللهجة العامية والفصحى، وسخر بأسلوبه اللاذع من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية في شبام مطلع القرن العشرين. وقد قدّم المؤلفُ قراءةً تحليليةً معمّقة لمقامتيه المشهورتين (الحبوب والثمار) و(إرشاد البليد إلى أحكام العصيد)، كاشفاً عن براعته في توظيف التناص مع القرآن الكريم.
ثم ينتقل الكتابُ إلى دراسةٍ حيّةٍ عن الشاعر الشعبي مستور سليمان حمادي (1897–1975)، ذلك (قتيل الدان) — كما وصف نفسه — الذي جمع بين قرض الشعر وتلحينه وأدائه غناءً، وهو أمّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب. ومن أجمل ما نقرأه في هذه الدراسة قولُه الذي بات علامةً على شخصيته الشعرية:
قتيل الدان ما نبغى التجاره من اتجر *** يغلق ما معه والدان نسم كل مزرور
عالمٌ من الحزايا والزوامل:
ويفرد المؤلفُ دراسةً موسّعة عن الحزايا الحضرمية، تلك الحكاياتِ الشعبيةِ الموجّهةِ للأطفال، التي تتولّى سردَها الجدّاتُ والأمهاتُ في جلسات المساء. وقد قدّم فيها قراءةً موضوعيةً وفنية لستة عشر نموذجاً، متناولاً موضوعاتٍ عميقةً كصورة زوجة الأب (الخالة)، والصراع بين الحماة والكنّة، ووفاء الزوجة وخيانتها، والعناصر الخارقة. وقد ربط المؤلفُ — بحسّه المقارن — بين هذه الحزايا ونظائرها العالمية، من ساندريالا شارل بيرو إلى حمدة وفسيكرة القطرية، مؤكّداً أنّ الأدب الشعبي يجمع بين المشترك الإنساني والخصوصية المحلية في آنٍ واحد.
ومن أطرف ما يحفظه هذا الكتابُ تلك الدراسةُ عن الزوامل والمراجز الحضرمية كما وثّقها المستشرقُ السويديُّ كارلو دي لاندبرج في كتابه (لهجة حضرموت) سنة 1900، وهي نصوصٌ سياسيةٌ وحربيةٌ ووجدانيةٌ تكشف عن تاريخ حضرموت في نهاية القرن التاسع عشر، وعن علاقة الإنسان بالمكان واللغة في آنٍ واحد.
قصة حبٍّ حضرمية خالدة:
ولعلّ من أبهى صفحات الكتاب تلك الدراسةَ المطوّلة عن الشاعر الشعبي علي بن أحمد بن زامل، التي يقف فيها المؤلفُ عند قصة حبّه المأساوية التي غدت من أشهر قصص العشق العذري في الوجدان الحضرمي. تلك القصةُ التي تنتهي بمشهدٍ مؤثّر، حين يقف الشاعرُ في ليلة زفاف حبيبته من غيره، فيرفع صوتَه بالغناء:
يقولُ بن زامِلْ مساكِ الخيرْ يا أميرَ المِلاحْ
يا فايقَ الغِزلانْ يا نعسانْ يا نجمَ الصَّباحْ
فتسقط العروسُ جثّةً هامدة، وتنقلب الأفراحُ إلى أتراح، لتبقى سيرةُ ابن زامل شاهداً — كما يقول المؤلف — «على قدرة الأدب الشعبي على حفظ التجربة الإنسانية وتحويلها إلى ذاكرة جماعية خالدة».
النخلة في وجدان الحضارم:
ويختم المؤلفُ رحلتَه بدراستين لافتتين؛ أولاهما عن أغاني السناوة، تلك الأهازيج التي كان يردّدها المزارعون وهم ينزحون الماء من الآبار قبل عصر المكائن، وثانيتهما عن النخلة في الأمثال الحضرمية، حيث يرصد كيف كانت النخلةُ حاضرةً في وجدان الحضارم ومثلهم الشعبية، ثم كيف تراجع حضورُها مع تحوّلات الحياة المعاصرة، حتى صار المثلُ القائل ماشي كما التمر في الدار شاهداً على زمنٍ ولّى.
كلمةٌ أخيرة:
في هذه الطبعة الثانية، لا يقدّم الدكتور مسعود عمشوش مجرّد كتابٍ في الأدب الشعبي، بل يمدّ جسراً يصل بين الماضي الذي حفظ هذا التراث، والحاضر الذي يتيح اليوم وسائل جديدة لتوثيقه ودراسته وإحيائه.
أحمد صالح
كتاب (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت) في حِلّةِ جديدة سما نيوز.
كتاب دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت في ح ل ة جديدة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
سما نيوز كتاب دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت في ح ل ة جديدة
كانت هذه تفاصيل كتاب (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت) في حِلّةِ جديدة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

