اليكم الان ياسين أقطاي: لماذا تأخرت تركيا في تأسيس جامعة إسلامية دولية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس
ترك برس
يتساءل الأكاديمي التركي ياسين أقطاي عن أسباب تأخر تركيا في تأسيس جامعة إسلامية دولية، رغم مشاركتها المبكرة في النقاشات التي انطلقت منذ مؤتمر مكة عام 1977، معتبرا أن الجامعة الجديدة في إسطنبول قد تمثل فرصة تاريخية للجمع بين الرؤية الحضارية الإسلامية وعلوم المستقبل.
وفي مقال له على موقع "الجزيرة نت" قال أقطاي: في يومنا الأخير في بنغلاديش، أُتيحت لنا فرصة الاستماع إلى إحاطة بالغة الإثراء في مقر "المعهد البنغلاديشي للفكر الإسلامي (BIIT)"، حول فكرة الجامعة الإسلامية وما يُبذل في سبيلها من جهود ومشروعات.
وأضاف: ومنذ نحو خمسة وثلاثين عاما، حين أعددت في جامعة الشرق الأوسط التقنية (METU) رسالة الماجستير حول واقع كليات الإلهيات في تركيا وفكرة الجامعة الإسلامية، وأنا أتابع هذا الموضوع بعين مفتوحة وأذن مصغية. وما سمعناه خلال اللقاء لم يترك أذهاننا في داكا وحدها، بل حملنا في طريق العودة إلى إسطنبول، بل إلى قلب إسطنبول تحديدا.
وفيما يلي تتمة المقال:
ذلك أن قصة الفكرة لا تكون محفوظة دائما في النصوص التي ترويها، بل قد تكون كامنة في المكان المختار لها. فالمبنى أو الحرم الجامعي أو المدينة التي تُخصَص لجامعة ما هي أحيانا أقصر بيان وأقوى إعلان يعبران عن تلك المؤسسة. فالمكان، قبل الكلمات في كثير من الأحيان، هو الذي يقول لنا ما الذي تطمح إليه الجامعة، ومن أي ذاكرة تستمد مشروعها، وبأي صيغة تتقدم نحو المستقبل.
وكان هذا أول ما لفت انتباهي وأنا أفكر في جامعة تركيا الدولية للعلوم الإسلامية والتكنولوجيا (TİBÜ) التي أعيد إحياؤها بمرسوم رئاسي في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
فاختيار موقع الجامعة في إسطنبول، التي كانت على مدى قرون أحد المراكز السياسية والعلمية الكبرى للعالم الإسلامي، لم يكن اختيارا عاديا. إن ذلك المكان الذي يواجه صمت آيا صوفيا الممتد منذ 1500 عام، ويطل في الوقت نفسه على جلال جامع السلطان أحمد، يبدو كأنه إعلان فكرة تتكلم فيه الحجارة نفسها.
فالمقصود هنا ليس مجرد تأسيس جامعة جديدة، بل إقامة جسر جديد بين ذاكرة الحضارة الإسلامية وآفاق العلم والتكنولوجيا في المستقبل.
وفي شبه الجزيرة التاريخية من إسطنبول، بين طبقات حضارية تمتد من بيزنطة إلى الدولة العثمانية من جهة، وتحديات المعرفة والتكنولوجيا في العالم الحديث من جهة أخرى، توحي هذه الجامعة منذ النظرة الأولى بأنها أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية.
إن المكان نفسه يعيد إلى الذاكرة السؤال الكبير الذي طالما بحث عنه العالم الإسلامي: كيف نستطيع أن ننتج معرفة المستقبل مع الحفاظ على تراكم الماضي؟
ومن هنا يظهر الرابط الخفي بين تجربة الجامعة الإسلامية التي استمعنا إليها في بنغلاديش وبين جامعة تركيا الدولية للعلوم الإسلامية والتكنولوجيا التي بدأت تنبت من جديد في قلب إسطنبول. فنحن لا نقف أمام محاولة لإنشاء جامعة فحسب، بل أمام تجلٍ جديد لسعي العالم الإسلامي إلى إعادة بناء تصوره للمعرفة والحضارة والمستقبل.
ومن خلال حديثنا مع رئيس الجامعة الدكتور محمد غورماز، أدركنا بسرور أن المشروع لا يُنظر إليه بوصفه مؤسسة جديدة للتعليم العالي فقط، بل باعتباره حلقة معاصرة في مسيرة فكرية تجاوز عمرها نصف قرن.
ولفهم هذه الجامعة فهما صحيحا، ينبغي ألا تُقرأ فقط في سياق إصلاحات التعليم العالي في تركيا، بل ضمن المسار التاريخي لفكرة "الجامعة الإسلامية" التي تطورت في العالم الإسلامي منذ سبعينيات القرن الماضي.
حين يُذكر اليوم مصطلح "الجامعة الإسلامية"، يتبادر إلى أذهان كثيرين تصور مؤسسة يغلب عليها تدريس العلوم الشرعية. غير أن ظهور هذه الفكرة كان قائما، على العكس من ذلك، بالسعي إلى إعادة وصل العلوم الحديثة بالرؤية الإسلامية للعالم. فلم تكن القضية الأساسية هي تدريس العلوم الدينية، بل إعادة التفكير في إنتاج المعرفة الحديثة من داخل منظور حضاري إسلامي.
أزمة ما بعد الاستعمار
في منتصف القرن العشرين، كان أهم واقع يحدد مصير البلدان الإسلامية التي ظنت أنها نالت استقلالها السياسي هو أن هذا الاستقلال نفسه لم يكن في الحقيقة إلا شكليا في كثير من الأحيان. وكان أبرز تجليات ذلك استمرار الأنظمة التعليمية في حمل عقلية الحقبة الاستعمارية.
أما في تركيا، وحتى عام 1950، فقد أُغلقت في ظل قبضة علمانية غريبة وراديكالية جميع الطرق المؤدية ليس فقط إلى التعليم الإسلامي العالي، بل حتى إلى أبسط أشكال التعليم الإسلامي.
ولم يبدأ هذا الوضع بالتغير إلا بعد الخمسينيات، مع الانتقال إلى الحياة الديمقراطية. ومع ذلك، بقيت فكرة الجامعة الإسلامية، حتى في أفضل الظروف، ترفا فكريا بعيد المنال.
وفي كثير من البلدان، كان هناك نظامان تعليميان منفصلان يعيشان جنبا إلى جنب. من جهة، المدارس والمؤسسات التقليدية للتعليم الإسلامي، ومن جهة أخرى، المدارس العلمانية ذات الطراز الغربي. ولم يكن هذا الانقسام مؤسسيا فقط، بل كان يُنتج انقساما ذهنيا أيضا.
فمن جهة، كانت تتشكل نخب متمكنة من العلوم الحديثة لكنها مغتربة عن تراكمها الحضاري؛ ومن جهة أخرى، كانت تتشكل فئات ذات تكوين ديني قوي، لكنها بعيدة عن التطورات العلمية المعاصرة.
وقد أدرك عدد كبير من مفكري العالم الإسلامي أن استمرار هذه الثنائية على المدى الطويل أمر غير ممكن.
مكة 1977.. محطة تاريخية فاصلة
كانت إحدى أهم المحطات في هذا المسار "المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي" الذي عُقد في مكة المكرمة بين 31 مارس/آذار و8 أبريل/نيسان 1977، وشارك فيه 313 أكاديميا ومفكرا من أربعين دولة، وقُدمت خلاله نحو 150 ورقة علمية.
وشارك من تركيا عدد من الأسماء المهمة في ذلك الوقت، من بينهم صباح الدين زعيم، ونوزت يالتشينطاش، وصالح توغ، وعلي شفق، وعثمان أوزتورك، وناهد دينتشر.
وكان السؤال الأساسي لمؤتمر مكة هو:
كيف يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تنتج العلم والتكنولوجيا الحديثة، من دون أن تفقد هويتها الحضارية؟
رأى منظمو المؤتمر أن الأزمة الأساسية التي يعيشها العالم الإسلامي هي في جوهرها أزمة تعليم. فبحسب رؤيتهم، جرى تقليد التقدم العلمي والتقني الغربي، لكن الرؤية العلمانية للعالم استُوردت معه، في كثير من الأحيان من غير وعي. وكانت النتيجة ظهور انقسام ثقافي وذهني داخل المجتمعات الإسلامية.
ولهذا حدد المؤتمر ثلاثة أهداف أساسية:
بيان المبادئ الأساسية للتصور الإسلامي للتعليم.
مناقشة كيفية تطبيق هذه المبادئ في الأنظمة التعليمية.
تطوير التعاون الدولي بين الأكاديميين المسلمين.
أسلمة المعرفة
من الجوانب التي منحت مؤتمر مكة أهميته أن فكرة "أسلمة المعرفة"، التي ستصبح لاحقا موضوعا واسع النقاش، بدأت تتبلور فيه بصورة واضحة.
وبرز في المؤتمر كل من المفكر الماليزي السيد محمد نقيب العطاس، والمفكر الفلسطيني إسماعيل راجي الفاروقي. وعلى الرغم من أنهما سيطوران في السنوات التالية مقاربتين مختلفتين، فقد انطلقا من السؤال نفسه:
هل المعرفة الحديثة محايدة حقا؟ وهل النظريات العلمية والعلوم الاجتماعية والاقتصاد والسياسة والنماذج التعليمية محايدة بالكامل، أم إنها نتاج رؤية معينة للعالم؟
وكان الجواب بالنفي. فبحسبهما، تشكلت المعرفة الحديثة إلى حد كبير داخل التجربة التاريخية الغربية، وتحمل افتراضات علمانية. ومن ثم لم تكن مهمة المسلمين رفض المعرفة الحديثة، بل إعادة تقييمها بصورة نقدية.
وقد تُفهم هذه الفكرة اليوم بطرق مختلفة، لكن هدفها الأصلي لم يكن إدخال دوغمائية بديلة إلى مجال الإنتاج العلمي، بل إظهار الافتراضات الفلسفية الكامنة وراء المعرفة.
مسألة الجامعة
كان من أكثر نتائج مؤتمر مكة عمليا إدراج مشروعات الجامعات الجديدة على جدول الأعمال.
وبعد المؤتمر، تعززت داخل منظمة التعاون الإسلامي فكرة تأسيس جامعات إسلامية دولية. وظهرت نماذج مختلفة في ماليزيا، وباكستان، وبنغلاديش، وأوغندا، والنيجر.
وتُعد الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا (IIUM)، التي تأسست عام 1983، من أنجح تطبيقات هذه الفكرة.
لم يكن الهدف من هذه الجامعة تقديم التعليم الشرعي وحده، بل تدريس الهندسة والطب والقانون والاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على منظور الحضارة الإسلامية. ولذلك لم تُصمم الجامعة الإسلامية العالمية بوصفها "جامعة دينية"، بل بوصفها "جامعة حضارية".
وفي الحقيقة، هذا هو السؤال الأساسي الذي يقف اليوم أمام الجامعة الجديدة التي أُنشئت في تركيا: هل ستكون هذه المؤسسة مجرد جامعة دولية تستقطب طلابا من العالم الإسلامي، أم ستحمل شعار تطوير نموذج جديد في إنتاج المعرفة؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد الأهمية التاريخية للجامعة.
لماذا تأخرت تركيا؟
المثير للاهتمام أن تركيا لم تكن خارج هذه النقاشات. بل على العكس، كان الأكاديميون الأتراك من المشاركين الفاعلين في مؤتمر مكة عام 1977. لكن هذه الفكرة لم تجد لها في السنوات التالية مقابلا مؤسسيا داخل تركيا.
وكان لذلك أسباب متعددة. فمن جهة، كانت هناك التجربة العلمانية الخاصة بتركيا؛ ومن جهة أخرى، كان هناك الطابع المركزي لنظام التعليم العالي بعد عام 1980. وقد صعب ذلك نقل النقاشات التي تطورت في العالم الإسلامي إلى أرضية مؤسسية داخل تركيا.
وهكذا لم تظهر في تركيا تجربة مماثلة لما نشأ في ماليزيا، أو باكستان، أو بنغلاديش.
ومن هذه الزاوية، لا يعني تأسيس جامعة تركيا الدولية للعلوم الإسلامية والتكنولوجيا اليوم افتتاح جامعة جديدة فحسب، بل يعني أن نقاشا بدأ في مكة قبل نحو نصف قرن قد وجد أخيرا تعبيره المؤسسي في تركيا.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: هل يمكن إعادة التفكير في العلم والتكنولوجيا من منظور حضاري إسلامي؟ أم ستبقى هذه الفكرة مجرد مثال جميل؟
نواصل الحديث في مقالنا القادم. لكن قبل ذلك أود أن أسجل ملاحظة أساسية: أن فكرة الجامعة الإسلامية تتضمن في ذاتها العلم والتكنولوجيا وجميع العلوم الضرورية. ولذلك أرى أن إضافة عبارتي "العلوم" و"التكنولوجيا" إلى اسم الجامعة أمر زائد لا حاجة إليه.
ياسين أقطاي لماذا تأخرت تركيا في تأسيس جامعة إسلامية دولية
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
ترك برس ياسين أقطاي لماذا تأخرت تركيا في تأسيس جامعة إسلامية دولية
كانت هذه تفاصيل ياسين أقطاي: لماذا تأخرت تركيا في تأسيس جامعة إسلامية دولية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

