اليكم الان أرجوحة الحب والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس
الحب، الحب، ما هو الحب؟
الحب إحساس قوي بالغ التعقيد وله ألف وجهة وباب: هناك حب الله، حب الحبيب للحبيبة، حب الأسرة، حب الأصدقاء، حب الطبيعة بل وحب الذات أيضا. الحب منفاخ التعاطف والسر المكنون لكل الكائنات الاجتماعية –التي تزداد هشة- فلا يمكنها أن تعيش دون أن تُحِب وتُحَب. الحب إذن ميزة تطورية.
غير أنه من اللافت للانتباه أن علاقة الإنسان بالحب علاقة متباينة ومتناقضة: يزعم أنه يحب الشمس مثلا، لكنه يحتمي بالظل حين تلفحه سياط أشعتها، يدعي حب البحر بَيد أنه يُفضل اليابسة حين تعلو أمواجه ويهيج زبده. يُسِر بأنه يحب البرد لكنه قبل أن يخرج للشارع يلبس الكنزة والمعطف والوشاح والقفازتين ولا يتوانى عن استعمال جميع أنواع التدفئة في منزله. الريح فتى الليل يقول لوركا، لكننا نسد النوافذ والأبواب كي نتقي لسعاته ونكتُم عواءه.
هذا السلوك المتناقض -والصحي- يسري أيضا على العلاقات بين الأزواج، نتبادل الحب ولكنه يزعجنا حين يخنق أنفاسنا، نبحث عن ملجأ لنا في الآخر لكننا نعُض على حُريتنا بالنواجد.
نحن إزاء آلية دفاعية تُبعدنا عن التطرف وتقربنا من التجانس والتوازن الداخلي Homéostasie ، وكما يحدث مع أي شيء وكل شيء ، الحكمة في الجُرعة إذ أن كل زيادة عن الحد تخنقنا وتُحفز ميكانيزمات التغيير والبحث عن الراحة.
المسافة الصحيحة، الحل الوسط، تعبيران يشرحان جيدا كيف ندير علاقاتنا وحماساتنا. مثل قنافذ شوبينهاور، نحتاج الاقتراب كي يُدفئ بعضُنا البعض، لكن شريطة ترك مسافة لازمة كي لا يجرح شوكنا بعضنا البعض أيضا.
الحب بين الأزواج من الناحية العلمية: تعاقب مراحل وتغير مستمر
من منظور علمي، الحب بين الأزواج ليس عاطفة مجردة فقط، بل هي عملية أو مسار عصبي-بيولوجي مُعقد لا يكِف عن التحول والتطور. وقد وقفت العديد من الدراسات التي تعتمد على الصدى المغناطيسي على التغيرات البيوكيميائية الكثيرة التي تحدث داخل العقل حسب مرحلة العلاقة.
-في البداية أو المرحلة الأولى التي تمتد إلى سنتين تقريبا، نحن أمام شلال هادر من هورموني الدوبامين والسيروطونين يؤدي إلى إضفاء المثالية على الآخر والوله الشديد به.
-بعدها، تأتي مرحلة الارتباط أو الصلة أو بداية الاستقرار والتي تحدث بين السنة الثانية والثالثة. خلالها، يتسلم هورمونا الأوكسيتوسين والفازوبريسين المِشعل فيخفت الشغف الأعمى لفسح المجال أمام التعلق المشترك الهادئ.
-المرحلة الثالثة تسمى مرحلة التعايش، وهي مرحلة دقيقة لا تخلو من تهديد حقيقي.. مرحبا إلى أرض الواقع! مدة هذه المرحلة تختلف حسب الأزواج، فيها تستقر نسبة الهورمونات وتبدأ النزاعات الأولى بسبب انحسار النظرة المثالية للأخر.
-المرحلة الرابعة تدعى التأكيد الذاتيAuto-affirmation ، فيها تستقر العواطف ويغدو البحث عن استرجاع الفضاء الخصوصي أمرا مُلحا. هو إذن طور في غاية الصعوبة، فإما أن نُحسِن التفاوض أو زاد احتمال القطيعة والافتراق.
-أخيرا، إذا سارت الأمور بشكل جيد، ندخل مرحلة الحب الناضج. نحن أمام مرحلة طويلة الأمد قِوامها هورمون الأندورفين، الاتصال فيها قوي بين الطرفين، اختيار الآخر أضحى حرا وعقلانيا، وجذور الحياة المشتركة قوية وضاربة في الأرض.
العلاقة بين الزوجين من وجهة نظر ثقافية:
لِنر الآن ما تقوله الثقافة، الثقافات، حول هذه العلاقة. إليكم بعض الأمثلة:
في الثقافة المسيحية، يتعاهد الزوجان على الوفاء في السراء والضراء، في الصحة كما في المرض، وعلى الحب والاحترام كل يوم من حياتهما إلى أن يأتي هازم اللذات ومُفرق الجماعات، التزام مطلق أمام أي حالة مستقبلية كيفما كان نوعها.
في الإسلام، يُلح القرآن الكريم على المودة والتراحم، على السكينة والتساكن، ويستعمل كلمة اللباس كاستعارة بليغة لوصف الاتحاد التام بين الطرفين والستر المتبادل والدفئ والحماية والمساواة: “هن لباس لكن وأنتم لباس لهن”.
في البوذية، يتعاهد الزوجان على أربعة نذور: الحب النافع (ميطا)، الرأفة (كارونا) في اللحظات الحرجة، الفرح التعاطفي (موديطا)، و الاتزان (أوبيخا) أي الحبَّ الحر والقبول بالآخر كما هو، دون رغبة في التملك أو التعلق المرضي.
عند اليهود، يتم الحديث عن سبع بركات (شيبا براشوت) تدور حول الفرح، المُصادقة، السلم، الحب والانسجام داخل المنزل.
أما في إفريقيا السوداء، وعند قبائل اليوروبا تحديدا، فيتذوق الزوجان يوم الزفاف العناصر الأربعة أي المذاقات الأربعة التي ترمز لمختلف مراحل الحياة: المر (قشرة الليمون) لتحمل الخيبات والإحباطات، الحامض (الخل) لتجاوز الغضب والصعاب، الحار (الإبزار) للحفاظ على شرارة الشغف والطاقة، والحلو (العسل) للاستمتاع بلحظات الفرح والوفرة.
هذا يعني أن كل الثقافات تتقاطع في أن الحب يعني اقتسام الحلو والمر، الفرح والقرح، لحظات الوفرة والإغداق، والصفاء والإشراق، كما لحظات المخمصة والإملاق، أو حين يطل الوجه المظلم الذي يحمله كل منا في ثنايا روحه.
لكن، وكما هو الحال دائما، شتان ما بين القول والفعل.
تقلص زمن العلاقة بين الزوجين في المجتمعات المعاصرة: بعض الأسباب
ليس ثمة شك في أن هذه المدة أضحت اليوم مما كانت عليه من قبل. أسباب هذا التراجع معقدة ومتداخلة، لكنها تعود بشكل كبير إلى عجز مجتمعات اليوم على إدارة أو موازنة الأقطاب. نمر من الوله المطلق إلى الهجران التام، دون أن نمنح للزمن إمكانية تحويل الحب إلى مأوى دافئ. من بين الأسباب التي تقف وراء هذا العجز، نذكر:
-أسبابا نفسية-عاطفية: تعود أساسا إلى توجُّس مبالغ فيه من خيبة الظن والإحباط، تقديس مرحلة الهيام والوله الأولى، البحث عن المكافئة الفورية، والخوف من فقدان الحرية الفردية.
-أسبابا اجتماعية-ثقافية-اقتصادية: مرتبطة بثقافة فردانية عالمية جديدة تركز على البحث عن النجاح والتطور الذاتي، عن كل ما يوفر المتعة الآن وهنا، مع استبعاد كل ما من شأنه أن يخلق لنا بعض التعب والصعوبة، معرضة بذلك عن كل مجهود يروم البناء على المستوى البعيد. أكيد أن الاستقلال المادي للنساء وتراجع الوصمة الاجتماعية للطلاق يجعلان من هذا الأخير خيارا سهلا عند كل مطبَّة أو خلاف بين الزوجين.
-أسبابا تكنولوجية: بفعل تناسل شبكات اللقاءات والمواعدات، صرنا نتوهم بأنه على مسافة نقرة هناك شخص أفضل. التعرض أو التعاطي المفرط لشبكات التواصل الاجتماعي يُشوه ويُحرف الانتظارات ويخلق مقارنات مع أزواج وعلاقات لا توجد إلا في الخيال.
أمام مثل هذا المشهد، من المشروع التساؤل: أليس هذا الانحسار في زمن العلاقة لا يعزى إلى جهلنا بمراحل الحب التي تحدثت عنها قبل قليل، وإلى عجزنا عن إدارة كل واحدة منها؟ هناك عمل كبير ينتظرنا على هذا المستوى، ومعرفة الأمور خير من جهلها كما يقول المثل، وهذا هو الهدف الرئيسي من هذا المقال.
المشكل في نظري لا يكمن في نقص الحب بل في عدم قدرة المجتمعات الحالية على المرور من الشغف والصخب الهورموني إلى الهدوء دون التضحية بالحب. استشراء الثقافة التجارية، ثقافة “الاستعمال والرمي”، لا يمكنها إلا أن تصيب العلاقات بين الزوجين في مقتل.
هناك حكاية مغربية تحكي عن طفل سأل والديه عن مدة زواجهما، ثلاثون سنة أجاباه، مضيفين: “اسمع يا ولدي، نحن من زمن لم نكن نرمي فيه الأشياء التي يعتريها عطب، بل نقوم بإصلاحها، من جيل يعرف بأن قيمة الشيء أو العلاقة تكمن في قابِليَتهما للإصلاح، والعائلات، حين كانت تتدخل، فلِمَدِّ الجسور لا لنسفها، وذلك لحماية الزوجين من الوقوع بين مخالب الآلية القضائية التي في أغلب الأحيان، لا تجلب إلا الضغائن والإحساس الدفين بالغبن والظلم”.
معطى آخر يزيد من تعقيد الوضع ولو أن النتيجة واحدة:
جاءت بعض الدراسات الأخيرة بنتائج تسير عكس القناعة الرومانسية الغربية الحديثة التي تحث على الحب قبل الزواج، إذ أكدت على أن هذا النوع من الحب يخفت تدريجيا خلال العقد الأول بسبب السأم والرتابة، بينما يزدهر مع الوقت في الحالة المناقضة أي الزواج ثم الحب، “الولف” كما كان يسميه من سبقنا.
وتشير هذه الدراسات إلى أنه ابتداء من مرحلة التعايش التي أسلفنا ذكرها، تتساوى نِسب الحب والحميمية والرضا بين الحالتين وأحيانا تكون الغلبة للنموذج الثاني.
لكن، أظن بأنه على الرغم من أن الانتظارات العاطفية تبقى ضعيفة في النموذج الثاني، أي الزواج ثم الحب، مما يحد من الإحباط ويحث على الاجتهاد من أجل إنجاح المشروع، يبقى الاحتمال واردا ألا يفضي التعايش إلى حب، فتتحول بذلك العلاقة إلى مؤسسة باردة، إلى قفص من الواجبات دون كيمياء أساسية.
عموما، هو نقاش مفتوح، وكيفما كان التسلسل، الحب في الوضعيتين شيء متحرك متحول، له صعود وهبوط، خطوط مستقيمة ومنعرجات ومضايق. وعاجلا أم آجلا، سيواجه سؤال المسافة الصحيحة وتحدي الجرعة المناسبة.
ختاما، بعض الشعر
في مقطع من قصيدة “سيرة الحب” الرائعة، يخاطب الشاعر مرسي جميل عزيز منتقدي الحب بهذه الأبيات البليغة:
يا لي ظلمتو الحب، وقلتو وعبتو عليه مش عارف إيه
يا العيب فيكم، يا فحبايبكم، أما الحب يا روحي عليه
في الدنيا مافيش أبدا أحلى من الحب
نتعب، نغلب، نشتكي منو لكن بنحب
يا سلام على الحب وتنهيدو في وصال وفراق
وشموع الشوق لما يقيدو ليل المشتاق
يا سلام عا الدنيا وحلاوتها، فعين العشاق
يا سلام يا سلام على حلاوتها، يا سلام يا سلام
تشير هذه الأبيات إلى سوء الفهم والشقاء التي يعاني منهما المحبوبان حين يخلطان بين الحب والسقوط في الحب أو العشق. الثاني منة من الله فيما الأول قرار واعي، بناء ومشروع بين اثنين.
لقد رأينا بأن مرحلتي التعايش والتأكيد الذاتي هما الأصعب، فيهما تغدو الكلمات باردة صماء، الالتفاتات نادرة، يخيم الصمت ويعشعش الضجر.
أن نفهم بأن الحب، مثلَ كل ما تضُج به الحياة، محكوم بالتحول والتغير، مسألة مفصلية حتى نتمكن من التأقلم والتجدد. التحولات الهورمونية كما رأيناها، يجب أن تُصاحب بتغير في المنظور والانتظارات.
صحيح أن الحب خلطة بيولوجية، نفسية واجتماعية، لكمه أيضا فن يُتعلم.
ألا يقوم الزوجان بذلك يعني إعلان الحداد تجاه شخص حاضر معك، الاستمرار في الحب لا يعني أبدا أن نتحول إلى شحَّاذين للسلم.
اجتناب هذه الوضعية يفترض الاستباق لاجتناب عين السخط التي لا تبدي إلا المساوئا، والعناية بعين الرضا التي هي عن كل عيب كليلة، ويَفترض أيضا أن نُحسن الحفاظ على تلك المسافة الصحيحة كي لا نحترق ولا نتجمد، توازن بين قرب لا يخنق واستقلال لا يُفرق ويُبعد، كما يَفترض خصوصا، امتلاك الرغبة الصادقة في الإصلاح وعدم الانسياق وراء ثقافة الاستعمال والرمي.
حسن الإصغاء في هذه الحالة يسهل مأمورية الإصلاح متى تطلب ذلك عبر معانقة هشاشتنا وتناقضاتنا وتحويلها إلى قوة ونضج.
أظن أنه في الموازنة بين هذه العناصر الثلاثة يكمن السر في أن يستمر الحب في الحياة.
أرجوحة الحب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
أرجوحة الحب
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
هسبريس أرجوحة الحب
كانت هذه تفاصيل أرجوحة الحب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

