اخبار عربية الزمن الملكي والزمن الانتخابي

الزمن الملكي والزمن الانتخابي


اليكم الان الزمن الملكي والزمن الانتخابي والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب

في الخطاب الذي وجهه الملك بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، وردت عبارة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد توصيف لمسار التنمية بالمغرب، لكنها في الواقع تقدم مفتاحا مهما لفهم إحدى الخصوصيات البنيوية للنظام السياسي المغربي.

فقد أكد الملك أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”، قبل أن يضيف: “نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.

لا تكمن أهمية هاتين العبارتين في مضمونهما التنموي فحسب، وإنما في كونهما تكشفان، بصورة ضمنية، عن الكيفية التي تشتغل بها الدولة المغربية في إنتاج القرار العمومي. فالخطاب يميز بين مستويين زمنيين متداخلين: زمن يمتد على المدى الطويل، تتحدد داخله التوجهات الاستراتيجية للدولة، وزمن آخر يتجدد مع كل استحقاق انتخابي، تتعاقب خلاله الحكومات والأغلبيات البرلمانية لتدبير تلك التوجهات وتنزيلها. وهذا التمييز ليس جديدا في الممارسة السياسية المغربية، لكنه قلما تم التعبير رسميا عنه بهذه الدرجة من الوضوح.

فالخطاب الملكي لا ينسب المنجزات الكبرى إلى حكومة بعينها أو إلى ولاية تشريعية محددة، وإنما يربطها بمسار تراكمي يمتد لسنوات ويتجاوز تعاقب الحكومات. وبهذا المعنى، تبدو الانتخابات محطة داخل مشروع أطول، لا نقطة انطلاقه ولا نهايته، بينما تمثل الحكومات حلقات متعاقبة في تنفيذ سياسات تتجاوز في امتدادها الزمني عمر الولايات الحكومية والبرلمانية نفسها.

ويفسر هذا المنطق كثيرا من الممارسات التي ميزت الحياة السياسية المغربية ليس فقط قبل اعتماد دستور 2011 وإنما أيضا بعده. فقد تعاقبت حكومات مختلفة المرجعيات السياسية، وتبدلت التحالفات البرلمانية، لكن عددا من الأوراش الكبرى ظل يسير وفق منطق الاستمرارية، من مشاريع البنيات التحتية، إلى تعميم الحماية الاجتماعية، والسياسات الصناعية، والاستثمارات الاستراتيجية، وبرامج التنمية الترابية، والتحضير للتظاهرات الرياضية الكبرى. ولم تكن هذه الأوراش، في الغالب، مرتبطة ببرنامج انتخابي للحزب أو الائتلاف الذي يقود الحكومة، بقدر ما كانت جزءا من رؤية أوسع للدولة.

ومن هنا، يمكن الحديث عن زمنين سياسيين متداخلين. الأول هو زمن استراتيجي طويل، يقاس بمنطق التراكم والاستمرارية، ويتجاوز إيقاع الانتخابات والدورات الحكومية والولايات التشريعية. والثاني زمن انتخابي دوري، تحكمه مدة الولاية الحكومية، وإكراهات الأغلبية البرلمانية، وضغط الرأي العام، والاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وتكشف الممارسة أن الحكومة تجد نفسها، في كثير من الأحيان، مطالبة بتحقيق نتائج آنية داخل مشاريع تمتد على سنوات، بل قد تبدأ قبلها وتستمر بعدها.

ولعل هذا ما يفسر أيضا كيف أن الخطاب الملكي لم يتحدث عن إطلاق “برنامج حكومي جديد” عقب الانتخابات المقبلة، كما قد يوحي بذلك منطق التنافس الانتخابي وما يترتب عليه من تداول مفترض على الأغلبية الحكومية، وإنما تحدث عن تدشين “دورة جديدة” ضمن مسار تنموي واستراتيجي قائم، عنوانها تحصين المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى.

وتكشف هذه الصياغة عن دلالة سياسية ودستورية عميقة، مفادها أن الانتخابات لا تؤسس لقطيعة مع الخيارات الاستراتيجية للدولة أو لإعادة تعريف أولوياتها الكبرى، وإنما تمثل آلية لتجديد النخب السياسية التي ستتولى تدبير مرحلة جديدة من مراحل هذا المسار، في إطار من الاستمرارية المؤسسية والثبات الاستراتيجي. وبذلك، يغدو التنافس الانتخابي موجها أساسا نحو كيفية تنزيل هذه التوجهات وتنفيذها وتدبيرها، أكثر من كونه تنافسا حول تحديد وجهتها أو إعادة صياغة مشروع الدولة ذاته.

كما تكشف هذه الصياغة أن البناء الدستوري المغربي، رغم ما أدخل عليه من تغيير في إعادة ترتيب العلاقات بين المؤسسات، ظل يفرز نمطا خاصا في صناعة وإنتاج القرار العمومي، تتداخل فيه الشرعية الانتخابية مع الشرعية الملكية، في إطار توزيع للوظائف والأدوار لا يكون فيه الفصل بين المجالين قابلا دائما للرسم النظري الواضح، بقدر ما يتجلى في صورة تداخل وتكامل على مستوى الممارسة.

ومن هنا يبرز سؤال سياسي لا يتعلق بالضرورة بالنصوص الدستورية بقدر ما يتعلق بالممارسة: ما هو المجال الحقيقي الذي يدور حوله التنافس الانتخابي؟ فالملاحظة التي تسمح بها التجربة المغربية خلال العقد الأخير هي أن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، وأحيانا سياسات عمومية لا ترقى إلى مستوى هذا التنصيف، تبدو أكثر استقرارا من أن تكون موضوع تنافس انتخابي مباشر، بينما ينصرف جانب كبير من التنافس بين الأحزاب السياسية إلى كيفية تدبير هذه الاختيارات، وترتيب أولويات تنفيذها، ومستوى النجاعة في تنزيلها، أكثر مما ينصرف إلى إعادة تعريفها من الأساس.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الانتخابات تفقد كل أهميتها أو أن نتائجها لا تترك أي أثر في الحياة السياسية، وإنما يعني أن أثرها يتجلى أساسا في إعادة تشكيل الأغلبية الحكومية، وتجديد النخب السياسية، وإعادة توزيع المسؤوليات داخل السلطة التنفيذية، أكثر مما يتجلى في إعادة صياغة المشروع الاستراتيجي للدولة. ولذلك، فإن فهم الانتخابات المغربية يقتضي النظر إليها باعتبارها جزءا من منظومة أوسع لإنتاج القرار العمومي، لا باعتبارها المصدر الوحيد لهذا القرار.

ومن هذه الزاوية، يمكن أيضا فهم جانب من النقاش العمومي الذي يرافق كل استحقاق انتخابي. فحين يلاحظ المواطن أن عددا من المشاريع الكبرى يستمر بغض النظر عن تغير الحكومات، قد يتولد لديه انطباع بأن الاقتراع يغير الأشخاص أكثر مما يغير السياسات.

وقد لا يكون هذا الانطباع مطابقا تماما لتعقيدات الواقع، لكنه يفسر، إلى حد بعيد، طبيعة الأسئلة التي تتكرر حول حدود تأثير الانتخابات في توجيه الاختيارات العمومية، كما يفسر جانبا من تراجع الرهان الانتخابي لدى بعض الفئات، ومن النقاش المتجدد حول وظيفة الأحزاب السياسية داخل النسق الدستوري والسياسي المغربي.

وإذا كانت الأحزاب السياسية تتنافس، من حيث المبدأ، على نيل ثقة الناخبين لتدبير الشأن العام، فإن الممارسة تكشف أن هامش هذا التنافس يتركز، في كثير من الأحيان، في مستوى التدبير والتنفيذ أكثر مما يتركز في مستوى إنتاج الخيارات الاستراتيجية للدولة. وهو ما يفسر تقارب خطاباتها الانتخابية في عدد من الملفات الكبرى، مقابل احتدام التنافس حول الكفاءة في الإنجاز، والقدرة على التدبير، واستقطاب النخب المحلية، وإدارة التحالفات.

ولذلك، فإن ما يمنح خطاب العرش الأخير أهميته أنه لم يقتصر على تقديم حصيلة لما تحقق أو رسم رؤية لما ينبغي إنجازه، وإنما وفر مدخلا تفسيريا إضافيا لفهم طبيعة اشتغال النظام السياسي المغربي. فقد أعاد تأكيد إحدى السمات التي طبعت الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة في أن إنتاج القرار العمومي يجري داخل زمنين متداخلين: زمن استراتيجي طويل يضمن استمرارية الدولة، وزمن انتخابي دوري يعيد تشكيل الحكومات والأغلبيات ويؤثر في أساليب التدبير والتنفيذ. وليس المقصود بهذا التمييز إقامة ثنائية جامدة أو متعارضة، بقدر ما هو توصيف لآلية من آليات اشتغال النظام كما تعكسها الممارسة السياسية.

ومن ثم، فإن استحضار ثنائية “الزمن الملكي والزمن الانتخابي” ليس الغرض منه إضفاء الشرعية على هذا النمط من توزيع السلطة أو تقديمه باعتباره نموذجا معياريا، بقدر ما يروم تفسير إحدى الآليات التي تنتظم بها الممارسة السياسية في المغرب، وإبراز ما تثيره من إشكالات دستورية وسياسية. فكلما اتسع المجال الذي تصاغ فيه الاختيارات الاستراتيجية خارج دائرة التنافس الانتخابي، تعاظمت التساؤلات بشأن حدود الفعل الحكومي، ووظيفة الأحزاب السياسية، ومدى قدرة الانتخابات على التأثير في توجيه السياسات العمومية، وليس فقط في اختيار النخب المكلفة بتدبيرها.

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي يتجدد مع كل استحقاق انتخابي لا يقتصر على معرفة الحزب السياسي الذي سيتصدر النتائج أو الأغلبية التي ستتشكل، وإنما يمتد إلى مساءلة المجال الفعلي الذي تستطيع داخله الإرادة الشعبية، عبر المؤسسات المنتخبة، أن تسهم في إنتاج القرار العمومي. وفي هذا المستوى تحديدا تتقاطع حدود الممارسة السياسية مع رهانات التطور الديمقراطي، بما يجعل النقاش يتجاوز نتائج الانتخابات في حد ذاتها إلى موقع الشرعية الانتخابية داخل عملية صناعة القرار العمومي.

الزمن الملكي والزمن الانتخابي صوت المغرب.

الزمن الملكي والزمن الانتخابي



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


صوت المغرب الزمن الملكي والزمن الانتخابي

كانت هذه تفاصيل الزمن الملكي والزمن الانتخابي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم