اليكم الان “وسأظل أحبك أنت”.. أحدث إبداعات مدحت الخطيب والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء
ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة.. وضيفنا في هذه السطور الأديب القاص مدحت الخطيب والذي أهدي بوابة الجمهورية والمساء أون لاين أحدث إبداعاته في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان: و”سأظل أحبك أنت”.. ننشرها عبر هذه السطور.
?
وسأظل أحبك أنت
لم يكن هذا الصباح كأي صباح مر على حمزة، فقد كان رافضا كل الرفض أن يستيقظ من نومه الشهي ليذهب إلى المدرسة ويقضي فيها الساعات بعيدا عن أمه وألعابه، وكلما حاولت أمه إقناعه بضرورة الذهاب إلى المدرسة كان يقول لها بلسان المقتنع برأيه :
ـ أنا لا أعرف أحدا في المدرسة .. فلماذا سأذهب إليها ولا احد يعرفني هناك ؟ .
ولكن أمه أجبرته على الاستيقاظ ، فلما ألبسته الزي المدرسي أخذته من يده إلى المدرسة ، ولم تتركه حتى اطمأنت أنه دخل فصله ، ولم تنس أن توصي معلمته عليه ، فهذا هو أول يوم في العام الدراسي الجديد ، وهذا هو اليوم الأول في رحلته التعليمية .
كانت تتوقع أنه سيتمكن من الهرب والعودة إلى البيت ، أو سيملأ المدرسة بكاء واعتراضا على وجوده في المدرسة ، والعجيب أنه خيب ظنها ، فلا هو بكى ، ولا حاول الهروب ، بل نسي البيت كله ، ونسي ألعابه كذلك ، وعاش أجمل لحظات عمره بجوار زميلته مروة التي شاء حظه أن تجلس بجواره في ذات المنضدة الثنائية .
لم يعد يتذكر شيئا في المدرسة سواها، فسبحان من يؤلف القلوب ، إذ صارت هي حديثه وشغله الشاغل ، حتى أنه في صباح اليوم التالي استيقظ من تلقاء نفسه ليجلس بجوار مروة ، ويحادثها وتحادثه ، فحديثها محبب إلى قلبه ، وحديثه سر فرحتها.
مر عامان ، وفي منتصف الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي الثالث، كانت أمه تنتظره كالمعتاد بسيارتها أمام باب الخروج ، فلما رآها ، اتجه ومروة إليها ، فاحتضنتهما وقبلتهما ، فدلفا داخل السيارة ، وجلست الأم على مقعد القيادة ، فأدارت محركها ، ثم انطلقت بهما ، فلما وصلت إلى العمارة التي تسكن فيها مروة ، جنحت بمحاذاة الرصيف ثم أوقفت المحرك ، فنزلت مروة متجهة إلى باب العمارة ملوحة بكلتا يديها لحمزة ووالدته ، وابتسامتها لا تفارق وجهها .
واصلت الأم المسير بالسيارة، وفي منتصف طريق العودة شب حريق هائل في السيارة ، فتوقفت الام على الفور وحاولت النزول ، لكن النيران أتلفت أجهزة التحكم في فتح وغلق الأبواب ، ومن ثم لم تستطع وحمزة الخروج من السيارة ، ولولا المارة الذين هرولوا من كل الأماكن فحطموا الزجاج وانتشلوا حمزة وأمه ، لانتهت حياتهما بالدخان اختناقا ، وباللهيب المستعر احتراقا .
كانت النيران لا تزال تلتهم ساقي حمزة حين انتشله رجال الإنقاذ مع أمه من السيارة التي تحولت إلى كتلة من اللهب ، كأنها قطعة من جحيم انفلتت إلى الأرض ، ولم تكن النار قد اكتفت بما فعلته ، فقد أكلت اللحم حتى انكشف العظم وانكمش الجلد المحترق والتصق به التصاقا مرعبا ، بينما كانت رائحة الشواء البشري تملأ المكان وتتصاعد مع ألسنة اللهب في مشهد يعجز اللسان عن وصف قسوته .
اجتمع شيوخ الأطباء والجراحين في غرفة الكشف لفحص الحالة ، وبعد ما يقرب من ساعة من الفحوصات والتحاليل والأشعة اتخذوا قرارا بالإجماع على ضرورة بتر الساقين ، وإلا ستتفاقم الحالة ، وربما يحدث تسمم ثم وفاة .
كان القرار في غاية الصعوبة بالنسبة للأم التي لم يسلم وجهها من الحريق فتشوه أكثره، ولكن لم يكن في مقدورها غير الانصياع لأهل الطب ، والموافقة على عملية بتر الساقين لحمزة ، طالما أنه هو الحل الوحيد لإنقاذه من الموت.
ولكن مروة التي لم تفارقه لحظة منذ وصوله المستشفى اعترضت على البتر ، وهددت بالانتحار حال حدوث ذلك ، وبكت أمامهم جميعا ، وتوسلت إليهم لإبقاء الساقين ، فلا مستحيل في الطب ، وما يعجز الطب اليوم عنه قد لا يعجزه غدا ، ومهما استعصت حالة حمزة ، فهناك بصيص أمل في الغد ، أما البتر فيقضي على كل الآمال المستقبلية ، ومن ثم تعاطفت الام معها ، وتم العدول عن قرار البتر .
وحين استرد وعيه وقعت عيناه أول ما وقعتا على مروة التي كانت تجلس على يمينه ، فارتسمت على وجهه ابتسامة أنارت المكان ، فلم يخطر في باله وقتئذ أنه في المستشفى ، وكل ما كان يعنيه أن مروة معه الآن وكفى .
لم يتذكر حريق السيارة ، فقلبه مشتعل بنار لها مذاق جميل ، ولم يشعر بساقيه ، ففي عيني مروة سحر يحول الألم راحة وسعادة ، وحين أخبروه ، أقسم ليردن المعروف بأن يكون عند حسن الظن ، وبر بالقسم ، فلم يترك لحظة الا وقد جاء على نفسه ، فتحمل جلسات العلاج الطبيعي ، وتحمل جرعات الأدوية والجراحات والتمارين الرياضية ، فهناك بصيص أمل في تحقيق المستحيل ، ويكفي أن مروة هي التي وضعت بذرة الأمل ، وقد تثمر البذرة طالما ظل يرويها بالحب والوفاء والأمل .
مر الشهر يعقبه الشهر وهو لا يكل ولا يمل من العلاج الصعب والتمارين الشاقة العنيفة ، ولا دليل على أنه سيستعيد شيئا من قدميه ، وكل ما هنالك أن آلام الحريق بدأت تخف قليلا ، وهو ما اعتبرته مروة نجاحا باهرا ودليلا ظاهرا على شدة العزيمة وقوة الإرادة ، فكانت هي الطاقة التي تشعل فتيل الحماس والرغبة في مواصلة العلاج مهما بلغت مشقة العلاج وتكاليفه .
وقبل انتهاء بضع سنين بدأ اليأس يدخله ويسكن جسده ، فقد طال الانتظار ، وتواصل العلاج ، واستمرت التمارين ، ولكن لا جديد سوى اختفاء آلام الحريق ، فلا استطاع أن يحرك الساقين ، ولا أن يقف عليهما ولو بعض لحظة ، وفي الوقت ذاته هناك استنزاف من الوقت والجهد والمال بلا نتيجة إيجابية مرئية ، مع استمرار الألم المصاحب للتمارين والعلاج الطبيعي ، أو الذي يعقبه .
على أن مروة رغم السقوط والإحباط الذي لازم حمزة ، كانت على قناعة وثقة في غد سيكون هو الأفضل على الإطلاق ، وأن الصعاب والشدائد إلى زوال ، وأنه لا مجال لليأس ، فالارض تدور ، والحياة مستمرة ، ومع الوقت والتحمل والصبر سيلين الحديد .
وما إن يبدأ اليأس من التمكن منه حتى ينقشع ، إرضاء لمروة ، فكثير على قلبه الجمع بين ألم الساقين التالفتين وكسر خاطرها ، بل ألم الساقين يهون ، وكسر خاطرها يكسر الحياة التي لم يعد فيها غيرها ، ويبدد المعاني الجميلة التي انقرضت الا في عينيها ، ومن ثم تحامل وتحمل الصعاب ، وعاود العلاج والتمارين ، وبعد رحلة امتدت سنوات ذاق خلالها مرار الحنظل ، وتجرع كؤوس العلقم ، رأت مروة المعجزة بعينيها ، وأن بمقدوره تحريك أحد أصابع قدمه اليسرى .
وهكذا كان لها بعد الله الفضل أن واصل حمزة بكل ما أوتي من قوة وعزم التمارين والعلاج ، حتى جاءته يوما فوقفت أمام مقعده المتحرك فدست يدها في حقيبة يدها وأخرجت قطعة من الحلوى المحببة إليه ، ومدت يدها تجاهه ، فلما مد يده لتناولها رجعت خطوة إلى الوراء ، فأراد أن يتقدم بمقعده ، لكنها أشارت إليه أن توقف ، فتعجب ، وتعجب من معهما ، فلما أعلنت أنها لن تناوله حلواه إلا إذا وقف على قدميه وتقدم بها نحوها ليلتقط منها قطعة الحلوى ، زاد عجبه ، وزاد عجب من معهما .
ولكنها أعلنت أنه قادر على الوقوف والتحرك ، ويبدو أنها كانت في حلم عميق ، أو أن الخيال بلغ بها مبلغا فاق الخيال ، ورغم ذلك فقد أصرت أنه قادر على الوقوف والتحرك ، وكل ما هنالك أن يتحامل على نفسه ويجري المحاولة ، فما ضره لو حاول ؟ ، مجرد محاولة قد تنجح وقد تفشل ، وليس هناك ضرر حال الفشل ، ولكن ابتسام القمر سيزداد جمالا حال النجاح .
وحاول .. وفشل .
ومرت شهور .
ثم حاول .. وفشل .
ومرت شهور .
وتعددت المحاولات .. وتعدد الفشل .
وبعد عشرات الشهور .
وبعد مئات المحاولات التقط قطعة الحلوى من يدها .
كان يشعر بألم شديد في كل خطوة يخطوها ، لكنه كان يتحرك وبخطو ويمشي ويتنقل من غرفة إلى غرفة ، ويدخل الحمام على قدميه بلا أي جهاز مساعد ، ثم اكتشف أنه كلما أسرع الخطى قل الألم في قدميه ، فهناك علاقة عكسية بين سرعة المشي وتخفيف الألم .
لم يعد البيت مناسبا لسرعة المشي ، فشاركته مروة المشي في الشوارع ، وكلما أسرع الخطى قل ألم القدمين ، ثم اكتشف أن الألم يختفي تماما إذا ركض ، فإذا ازداد الركض شعر براحة وهدوء في الأعصاب ، ومن ثم شاركته الركض فكان يركض كمن يفر من وحش ضار جائع يلاحقه ليشبع جوعه .
وفي يوم مطير من أيام يناير قدمت مروة أوراقه في أحد الأندية المتواضعة في ألعاب القوى ، فواظب على التمارين ، وفاز بجميع المسابقات التي اشترك فيها ، وحصد النادي البطولات ، وتحول من ناد متواضع إلى ناد يشار إليه بالبنان ، ثم انضم حمزة إلى المنتخب ، ومثله إن لم ينضم إلى منتخب بلده فمن ينضم إذن ؟ .
وفاز ..
وصار ذا مال ..
وفي ليلة صيفية وفي حضور الأهل والأصدقاء والجيران والمحبين ، وضع حمزة يده في يد والد مروة ، وأخذ يردد وراء المأذون .. وأنا استخرت الله .. وتوكلت على الله .. وقبلت .. زواج ابنتك وموكلتك .. مروة .. زواجا شرعيا .. على كتاب الله .. وعلى سنة رسول الله .. وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان .. وعلى كل مذهب يصح العقد عليه .. وعلى الصداق المسمى بيننا .
انتهى شهر العسل وعاد إلى التمرين مع المنتخب ، فقد اقتربت الأولمبياد ، وارتدى الجميع ثوب الجد والمسئولية ، فالدولة والجماهير تعقد الآمال على لاعبي المنتخب في حصد الميداليات الذهبية هذه الدورة ولا سيما على حمزة ، وبالفعل كان عند حسن الظن به ، فلم يذهب الذهب إلا إليه عن جدارة واستحقاق .
وقف على منصة التتويج ، وتم عزف السلام الوطني لبلده ، وتسلم الذهب والجوائز وسط تصفيق وصافرات آلاف المشاهدين وعيون الكاميرات التي تنقل الاحتفال على الهواء عبر الأقمار الصناعية إلى كل العالم ، ولكنه لم ير غير مروة التي كانت تشاركه الفرحة من المدرجات ، ولم تكن الفرحة فرحة النصر و الفوز بالذهب فقط ، ولكن فرحة النصر والتغلب على الإعاقة واليأس والإحباط .
ولكنه لم ينس الجمهور الذي يحبه وجاء من أجله ، وبينما كان يتقدم لتحيتهم دوى فجأة صوت هائل ، إذ انفصل جزء من أحد المدرجات وسقطت كتلته الخرسانية إلى أرض الملعب ، فتناثرت شظاياه في كل اتجاه فأصابته في ساقيه وأنحاء متفرقة من جسده إصابات بالغة الخطورة ، فسقط مغشيا عليه ، وعلى الفور تحركت سيارة الإسعاف الموجودة داخل الملعب ، فشقت الطرق كالريح المرسلة إلى المستشفى .
حاول الأطباء علاج ما يمكن علاجه ولكنهم لم يجدوا للعلاج الناجع سبيلا ، وأجمعوا على ضرورة بتر الساقين في الحال ، وأن كل لحظة تمر دون البتر تعجل من موته ، ولكن حمزة رفض كل الرفض عندما استرد وعيه ، فقديما قالوا مثل قولهم ، ومن قبل رأى أسلافهم مثل رؤيتهم ، ورغم ذلك خيب رأيهم وصار بطل الأولمبياد في الركض ، وبشيء من الصبر والتمارين سيستعيد ساقيه اليوم كما استعادهما أمس .
ولكن مروة التي رفضت البتر قبل سنين وهددت بالانتحار ، هي أول من وافقت على البتر اليوم ، فالظروف اختلفت بين الزمنين ، وما كان باستطاعته أن يفعله من قبل لن يستطيعه من بعد ، فلما سألها متعجبا من تصرفاتها المتناقصة ، ابتسمت وقالت :
ـ أردت الحفاظ على ساقيك في الماضي ، وأريد الحفاظ على حياتك مستقبلا .
وشبكت أصابع كفيها بأصابع كفيه ، وتاهت عيناها في عينيه ، ثم أردفت :
ـ أنا لم أحب ساقيك يوما .. ولكني أحببتك أنت .. ولا زلت أحبك أنت .. وسأظل أحبك أنت .
[* ملحوظة : تم استلهام الفكرة من السيرة الحقيقية للعداء الأمريكي جلين كونينجهام ، بينما جميع الشخصيات والأحداث والحوارات والتفاصيل الواردة في العمل من خيال المؤلف ] .
ظهرت المقالة “وسأظل أحبك أنت”.. أحدث إبداعات مدحت الخطيب أولاً على جريدة المساء.
وسأظل أحبك أنت أحدث إبداعات مدحت الخطيب
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جريده المساء وسأظل أحبك أنت أحدث إبداعات مدحت الخطيب
كانت هذه تفاصيل “وسأظل أحبك أنت”.. أحدث إبداعات مدحت الخطيب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

