- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية ألمانيا تواجه تحولات "الموت الرحيم" بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية

اخبار عربية
هسبريس قبل 2 ساعة و 18 دقيقة

اليكم الان ألمانيا تواجه تحولات "الموت الرحيم" بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

لم يبدأ اهتمامي بقضية الموت الرحيم أو المساعدة على الموت في ألمانيا من متابعة حدث عابر أو جدل سياسي مؤقت؛ بل جاء هذا الاهتمام ضمن بحث مستمر منذ أعوام حول أسئلة نهاية الحياة: كيف يواجه الإنسان لحظة ضعفه الأخيرة؟ ما معنى الكرامة عندما يفقد الإنسان صحته أو استقلاليته؟ وما مسؤولية المجتمع تجاه من يقتربون من نهاية العمر؟

منذ ماي 2025، أعمل رفقة فيرق تصوير وإنتاج ألماني على إنجاز فيلم وثائقي يتناول تجربة مرافقة المحتضرين والمحتضرات في ألمانيا، محاولا الاقتراب من الجانب الإنساني لهذه القضية بعيدا عن الشعارات القانونية والسياسية. تتأسس التجربة السينمائية الجديدة على بحث علمي من زوايا ومجالات مختلفة، في سؤال الموت في البلدان الليبيرالية والرأسمالية. فالموت ليس مجرد قرار فردي أو إجراء طبي، بل تجربة عميقة تكشف علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالمجتمع الذي يعيش فيه.

في هذا السياق، يأتي مقال صحيفة “دي تسايت” الألمانية (Die Zeit)، الذي صدر يوم 23 يوليوز المنصرم، حول تنامي حالات المساعدة على الموت في ألمانيا، ليطرح سؤالا صعبا: هل أصبحت إمكانية إنهاء الحياة سهلة أكثر مما ينبغي، أم أن المجتمع أخيرا يعترف بحق الإنسان في تقرير مصيره؟

من المريض المحتضر إلى الإنسان المتعب من الحياة

لفترة طويلة، ارتبط مفهوم الموت الرحيم بصورة المريض المصاب بمرض عضال؛ مثل السرطان في مراحله الأخيرة أو الأمراض العصبية الخطيرة التي تسبب معاناة شديدة. كان النقاش يدور حول شخص يعيش ألما جسديا لا يمكن تخفيفه، ويرغب في إنهاء معاناته بكرامة.

لكن مقال “دي تسايت” يكشف تغيرا مهما في طبيعة الحالات الموجودة في ألمانيا اليوم. فوفقا لما تنقله الصحيفة عن الجمعية الألمانية للموت الإنساني (DGHS)، فإن نسبة كبيرة من الحالات لم تعد مرتبطة فقط بأمراض مهددة للحياة؛ بل تشمل أشخاصا يعانون من الشيخوخة، أو تعدد الأمراض، أو ما يسمى بـ”الاكتفاء من الحياة (Lebenssatt) ” أي أن الفرد يشعر بأنه عاش ما يكفي ولم يعد لديه ما يتطلع إليه في حياته. ويقصد بهذا المصطلح أشخاصا، غالبا في أعمار متقدمة جدا، يقولون إنهم عاشوا حياة جيدة؛ لكنهم لا يرون قيمة في السنوات المتبقية بسبب فقدان القدرات أو الخوف من الاعتماد على الآخرين. وهنا، يظهر التحول الأساسي في النقاش: لم يعد السؤال فقط كيف نساعد الإنسان الذي يعاني من مرض قاتل؛ بل أصبح السؤال كيف نتعامل مع إنسان يشعر بأن الحياة نفسها فقدت معناها.

حالة توأم كيسلر.. لحظة كشفت تغير المجتمع

يتوقف المقال عند حالة أليس وإيلين كيسلر، الفنانتين الألمانيتين الشهيرتين اللتين أنهتا حياتهما بمساعدة منظمة متخصصة، في سن التاسعة والثمانين. أثارت وفاتهما اهتماما واسعا لأنهما لم تكونا في مرحلة مرض مميت؛ بل عبّرتا عن رفضهما احتمال الوصول إلى حالة تحتاجان فيها إلى الرعاية. أصبحت هذه الحالة رمزا للنقاش الجديد حول الموت الرحيم في ألمانيا؛ فهي تمثل بالنسبة للمؤيدين مثالا على حق الإنسان في تقرير مصيره، كما تثير سؤالا اجتماعيا مهما: هل أصبح الخوف من الشيخوخة وفقدان الاستقلال سببا يدفع الإنسان إلى اختيار الموت؟

الحرية الفردية ليست قرارا خارج المجتمع

يعتمد المدافعون عن المساعدة على الموت على مبدأ أساسي: الإنسان يملك جسده وحياته، وله الحق في اتخاذ القرار بشأن نهايته. وقد دعمت المحكمة الدستورية الألمانية هذا التصور عندما أكدت حق الفرد في تقرير مصيره حتى فيما يتعلق بإنهاء حياته؛ لكن المقال يطرح إشكالية أعمق: هل تكون الإرادة الفردية منفصلة تماما عن الظروف المحيطة بها؟

إن الإنسان الذي يشعر بالوحدة، أو يخشى أن يصبح عبئا على أسرته، أو لا يجد رعاية كافية، قد يتخذ قرارا يبدو حرا من الخارج؛ لكنه قد يكون متأثرا بظروف اجتماعية قاسية.

وتحذر أوته ليفيتسكا، الباحثة في مجال الانتحار، من أن الخطر يكمن في أن يلجأ بعض الأشخاص إلى المساعدة على الموت ليس بسبب مرض مميت؛ بل بسبب الخوف من الشيخوخة أو فقدان السيطرة أو الحاجة إلى الآخرين.

الشيخوخة في ألمانيا.. خلفية اجتماعية

لا يمكن فهم الجدل حول الموت الرحيم بعيدا عن التحولات الديموغرافية في ألمانيا؛ فالمجتمع الألماني من أكثر المجتمعات تقدما في السن في العالم، وعدد الأشخاص الذين تجاوزوا الثمانين عاما في تزايد مستمر.

ويربط مقال “دي تسايت” بين قضية الموت الرحيم وبين تحديات الرعاية: ارتفاع تكاليف دور المسنين، ونقص العاملين في القطاع الصحي، وخوف الكثير من كبار السن من مستقبل قد يعني لهم فقدان الاستقلال والاعتماد الكامل على الآخرين.

هنا، تظهر مفارقة أخلاقية كبيرة: إذا كان المجتمع غير قادر على توفير رعاية كريمة للإنسان في سنوات ضعفه، فهل يكون اختياره للموت تعبيرا عن الحرية فقط، أم نتيجة غير مباشرة لفشل اجتماعي؟

تحول الموت الرحيم إلى مجال منظم وشبه تجاري

يشير المقال أيضا إلى أن المساعدة على الموت أصبحت مجالا له مؤسسات وجمعيات متخصصة؛ فالجمعية الألمانية للموت الإنساني، التي تعد من كبريات الجمعيات في هذا المجال، توسعت بشكل كبير بعد الاهتمام الإعلامي بحالة توأم كيسلر. كما يتحدث المقال عن شركات جديدة تقدم خدمات المساعدة على الموت مقابل مبالغ مالية مرتفعة؛ وهو ما يفتح نقاشا آخر حول حدود العلاقة بين قرار إنساني حساس وبين الخدمات المدفوعة.

الخطر الذي يخشاه بعض المنتقدين هو أن يتحول حق فردي معقد إلى خدمة يمكن الوصول إليها بسهولة؛ بينما يرى المؤيدون أن التنظيم المهني يمنع الممارسات غير القانونية ويضمن حماية الشخص الراغب في الموت.

الأطباء أمام معضلة أخلاقية

يضع الموت الرحيم الأطباء أمام سؤال صعب حول دورهم الأساسي؛ فوظيفة الطبيب تقليديا هي العلاج وتخفيف الألم والحفاظ على الحياة، غير أن قرار المحكمة الدستورية فتح المجال أمام مشاركة الأطباء في حالات المساعدة على الموت.

ويشير المقال إلى أن كثيرا من أطباء الطب التلطيفي يواجهون طلبات من المرضى؛ لكن نسبة قليلة فقط منهم مستعدة للمشاركة في تنفيذها. وهذا يكشف أن القضية ليست قانونية فقط؛ بل تمس الضمير المهني للأطباء أيضا: هل مساعدة الإنسان على الموت جزء من الرعاية، أم خروج عن جوهر الطب؟

مرافقة المحتضرين.. البديل الإنساني

في مقابل النقاش حول إنهاء الحياة، يقدم المقال تجربة العاملين في رعاية المحتضرين، حيث لا يكون الهدف تسريع الموت ولا إطالة المعاناة، بل مرافقة الإنسان في آخر مرحلة من حياته.

تقول إحدى العاملات في هذا المجال إن أهم ما يتعلمه المرافق هو قبول أنه لا يستطيع دائما تغيير الواقع؛ لكنه يستطيع أن يكون حاضرا: يستمع، يمسك اليد، ويمنح الإنسان شعورا بأنه ليس وحيدا. وهذا الجانب يلامس جوهر البحث الوثائقي حول مرافقة المحتضرين في ألمانيا، فطريقة تعامل المجتمع مع الموت تكشف قيمه الأساسية. هل نرى الإنسان الضعيف كعبء، أم كإنسان كامل القيمة حتى اللحظة الأخيرة؟

بين الحق في الموت والحق في حياة كريمة

إن قضية الموت الرحيم في ألمانيا لا يمكن اختزالها في موقف مؤيد أو معارض؛ فهناك حق فردي حقيقي يتعلق بالكرامة والاستقلالية، وهناك في الوقت نفسه مسؤولية اجتماعية تتمثل في حماية الإنسان من أن يصبح الموت نتيجة للوحدة أو الفقر أو غياب الرعاية.

ربما لا يكمن السؤال الأكثر أهمية في: “هل يحق للإنسان أن يموت؟”، بل في سؤال أعمق: “هل فعل المجتمع كل ما يستطيع كي يجعل المواطن والفرد يريد أن يعيش حتى النهاية؟” ففي النهاية، الطريقة التي نرافق بها المحتضرين والمحتضرات ليست قضية تخص الموت فقط، بل هي اختبار لنظرتنا إلى الحياة نفسها.

– كاتب ومخرج مقيم في برلين

ألمانيا تواجه تحولات "الموت الرحيم" بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل ألمانيا تواجه تحولات "الموت الرحيم" بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم