- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ

اخبار عربية
هسبريس قبل 2 ساعة و 6 دقيقة

اليكم الان جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

من أعْجبِ مُفارقات الإنسان المعاصر أنه الكائن الوحيد الذي اخترع لنفسه ألف وسيلة للراحة، ثم نهض كل صباح ليركض كأن أحدًا يطارده. لقد صنع السيارة، والمصعد، والسّلم الكهربائي، والتّوصيل المنزلي، والعمل عن بُعد، ثم وقف بكلّ وقار حضاري ليقول: ” لا، هذا لا يكفي… يجب أن أجريَ.”

ليس الجري مجرد حركة عضليّة بريئة، إنه إعلانٌ وجودي: الإنسان لا يزال يجهل ماذا يفعل بنفسه إذا توقّف. كأن السّكون يفضحُه، كأن الجُلوس لحظةً واحدة أمام روحه أخطر عليه من التّعب، ومن العرق، ومن الرّكبتين اللّتين تتآكلان في صمتٍ أخلاقيّ نبيلٍ. كان أسلافُنا يركضون لأن وراءَهم وحشًا، أو أمامهم فريسة، أو لأن الحرب بدأت، أو لأن النّجاة لا تنتظرُ المتأخّرين. في الحضارات القديمة، كان الجري فعلًا مشحونًا بالمعنى: رسولٌ يحمل خبرًا يغيّر مصير مدينة، مُحاربٌ يندفع نحو المجد أو الهلاك، عبدٌ يلهث تحت سلطة لا ترحم. كان للجري ثمنٌ ورهبةٌ وضرورة.

أما الآن فقد صار نشاطًا اختياريًا، مدفوعًا بالرغبة في “حرق السّعرات” و”تحقيق أفضل نسخة من الذاتّ”، وهي عبارة مهذبة جدًا لوصف فشل الإنسان في التصالح مع نسخته الحالية. من هنا، لا يجري الإنسان المعاصر نحو شيء بقدر ما يجري هربًا من كلّ شيء: يهرب من القلق، من الفراغ، من تراكم الأيام في وجهه، من فكرته الغامضة عن التأخر، من شعوره بأنه مهما أنجز سيبقى متأخرًا عن شخصٍ ما، في وظيفة ما، في مدينة ما، على تطبيق ما. لذلك، نراهُ يركض على جهاز ثابت في صالة رياضية، وهذه وحدها تكفي لتلْخيص العَصر: حركةٌ من غير انتقال؛ جهدٌ هائل، بدون قطع أيّ مسافة. ولعلّ أكثر ما يثير السّخرية أن الإنسان الحديث يتحدَّث عن الجَري كما لو كان اكتشافًا ميتافيزيقيًا. يقول لك بنبرة العَارف: “الجرْيُ حرَّرني “، في الجَري أجدُ نفسي”، “الطريق يعلّمني الصَّبر”. كأن أفلاطون نفسه لم يكن ينقصه إلا حذاء رياضي جيِّد ليُؤسِّس الأكاديمية على مِضْمار. والحق أن الجَري لا يكشف دائمًا عن جوهر الإنسان، يكشف أحيانًا عن عجزه البديع عن البقاء مع نفسه دون مؤثرات كيميائية يفرزها الجسد أثناء الإرهاق.

الجريُ بوصفه سيرةً حضارية للقَلق

يحملُ الجري في أعماقه أثرًا من ذاكرة النوع البشري؛ فالجسد لا يكفّ عن تذكيرنا بما يتغافل عنه العقل: أننا عشنا طويلًا كائناتِ عُبور، لا كائناتِ إقامة، وسلكنا الطريق قبل أن نطلب الاستقرار. لذلك يجيء الجري مألوفًا على نحوٍ غامض، كأنّه يردّنا إلى إيقاعٍ أقدم من المدن، وأسبق من اللغة المهذّبة، وأعرى من ذلك الوهم الاجتماعي الذي نسمّيه “نمط حياة متوازن”. كانت الحضارات كلها، على اختلاف وجوهها، تجري بشكل أو بآخر وراء الخلود، وراء السلطة، وراء الذَّهب، وراء حدودٍ جديدة للنّفوذ. والإنسان الحديث لم يقطع مع هذا الإرث، ذلك أنه جعله أكثر أناقة فقط. استبدل السيف بسمّاعة لاسلكية، واستبدل صهيل الخيل بقائمة تشغيل تحفيزية، واستبدل سؤال “إلى أين؟” بسؤال أكثر تفاهة لكنه أكثر ربحية: “كم خطوة مشيت اليوم؟” هنا تبلغ المأساة ذروتها: كانت الحضارات القديمة تسعى وهي تظنّ أنها تعرف وجهتها، أمّا الإنسان المعاصر فقد جرّد السَّعي من غايته، ثم رفعَه إلى مرتبة الغَاية نفسها. لم يعُد يعنيه الوُصول بقدر ما يعنيه أن يظلّ ظاهرًا في هيْئة المتحرّك؛ كأن الحركة هي التي تمنحه وهْمَ الشّرعية والحياة.

أجْري إذن أنا قَلق

الجري، بهذا المعنى، هو الطقس الأصدق لعصرنا. إنه يلخّص عبقرية الإنسان في إنتاج الوهم الوظيفي:

أن تتعب لتشعر أنك تستحقّ الرّاحة، أن تتحرّك لتقنع نفسك أنك لا تضيع، أن تلهث لتؤجِّل سماع السُّؤال الأقدم والأبْشع: وماذا بعد؟ لذلك يبدو العدَّاء المعاصر كاهنًا مدنيًا لِدِينِ السُّرعة. يعدّ أنفاسه كما كان القدماء يعدّون صلواتهم، ويؤمن بالأرقام كما آمن غيره بالنّجوم، ويثق أن الخلاص، أو بعضه، قد يكمن في كيلومتر إضافي. وهو لا يدري أن المعضلة لم تكن يومًا في بطء القَدَم، وإنما في تِيه الوِجْهة. ورُبّما لهذا كلّه يظلّ الجَري مشهدًا إنسانيًا عظيمًا ومُضحكًا في آنٍ واحد: عظيمًا لأنه يكشف إصرار الإنسان المذهل على مقاومة التلاشي، ومضحكًا لأنه يفعل ذلك غالبًا دون أن يعرف إلى أين يمضي.

طُمأنينةٌ تخَافُ الوُقُوف

“جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ”: عبارة في ظاهرها بسيطة، دارجة، تكاد تبدو كأنها مجرد عبارة يومية ساخرة، لكنها في الحقيقة تختصر فلسفة كاملة في الرغبة، والسّلطة، والمسافة بين النّاس. لا يتحدث هذا المثل عن الجري بمعناه الحرفي، يتحدث عنه بوصفه اقتصاد النّدرة العاطفية: حين يلاحقك الآخر تهرب، وحين تنسحب يشتعل فيك الطلب. كأن الإنسان لا يحب الشيء في ذاته، يحب، في المقابل، مسافته عنه.

في هذا المثل تكمن خبرة شعبية حادّة بطبيعة النّفس البشرية التي تملّ المتاح، وترغب في الممتنع، وتستيقظ فيها الرغبة كلما شعرت أن سلطتها مُهددّة. فالذي “يجري عليك” يمنحك، دون أن يقصد، شعورًا بالتفوق الرمزي: أنتَ المطلوب، إذن أنت الأعلى موقعًا في ميزان التَّعلُّق. لكن ما إن تتوقف المطاردة حتى يختل هذا الميزان، ويبدأ القلق: كيف انسحب؟ لماذا لم يعُد يطلب؟ هل فقدتُ قيمتي؟ هنا ينقلب المشهد، ويبدأ الجريُ المعاكس. يفضح هذا المثلُ، إذن، كثيرًا من العلاقات التي لا تُبنى على المحبة بقدر ما تُبنى على اللُّعبة: لعبة الأخذ والرّد، القُرب والانسحاب، الإقبال والتَّمنُّع. بهذا المعنى، يبدو الإنسان كائنًا لا يطمئن بسهولة إلى ما يملكه؛ يحتاج دائمًا إلى تهديدٍ خَفِيّ بالخسارة؛ وهذا ليس نُضجًا عاطفيًا، إنه شكل مهذب من أشكال الفوضى الداخلية. نرغب فيمن لا يلتفت إلينا، ونزهد أحيانًا فيمن يفرط في الالتفات، لا لأنَّنا أشرار بالضرورة، وإنما لأن كيْنونتنا تريد أيضًا أن تشعر أن هذا الحبّ ليس مضمونًا بالكامل، لأن الضمان الكامل يطفئ التّوتر الذي تتغذَّى منه الرغبة.

من هنا، يصبح قولُنا ” جْري عْليّ نجْري عْليكْ” أكثر من مجرد تعليق على العلاقات بين شخصين؛ إنه توصيف دقيق لمنطق اجتماعي ضاغط. الشركات تفعل ذلك مع الزبائن، الوظائف مع طالبيها، والمدن مع سُكانها، حتى الأفكار نفسها أحيانًا لا تغرينا إلا حين تبدو بعيدة، نادرة، عَصيّة على الامْتلاك.

إنه منطق العصر كلّه: القيمة لا تُنتجها الحقيقة، يُنتجها الانْسحاب المدروس. الشيء لا يصبح مرغوبًا لأنه جيّد، وإنما لأنه لا يقدّم نفسه بسهولة. من هنا تتحول العلاقات الإنسانية إلى سُوق رمزية، حيث النّدرة تساوي الهيْبة، والتَّمنع يرفع السّعر، والجَريُ وراءكَ قد لا يدلُّ على الحب بقدر ما يدل على اختلال ميزان القوى. يمكن الذهاب أبعد من ذلك: “جْري عليّ نجْري عليك” ليس وصفًا للتّقلب العاطفي، إنه نقدٌ مُبطَّن لغياب الصّدق، لأن العلاقة السّليمة لا تقوم على من يجري أوّلًا ومن ينسحبُ أولًا، ولا على توزيع الأدوار بين صائد وفريسة، وإنّما على حُضور مُتوازن لا يحتاج إلى هذه المسرحية القَديمة.

الجَرْيُ الأبَدي نحوَ الاعْتراف

غير أن الإنسان، في كثير من تجلّياته، يفضّل الدراما على الوضوح، لأن الوضوح يضعه أمام مسؤولية الاعتراف، والاعتراف أشقّ من المراوغة. من هنا تتجلّى عبقرية المثل المغربي: يقول عبارة قصيرة، لكنه يفتح كُوّة عميقة على السلوك الإنساني. يثير الابتسام أولًا، ثم يحرج، ثم يدفع إلى الاعتراف بأننا رأينا هذا المشهد مرارًا: في الحب، وفي الصداقة، وفي العمل، وفي كل مساحة يختلط فيها التعلّق بالرغبة في السَّيطرة. وعند وَصْلِ هذا المعنى بفكرة الجري في بعدها الحضاري، يمكن القول إن الإنسان لم يكن يجري فقط وراء القُوت أو النّجاة أو المجْد، وإنما كان يجري أيضًا وراء اعتراف الآخر به. وهذا أخطر أنواع الجَرْي، لأنه لا يبلغ نهاية واضحة. فالجوع يهدأ، والمسافة تنتهي، لكن حاجة الإنسان إلى أن يلتفت إليه الآخر قد تتحوَّلُ إلى مِضْمار لا ينتهي. هكذا تكْشِفُ حِكْمَتنا المغربية، في عُمقها، عن تصوُّر يخصّ الكائن البشري كُلّه: ذاكَ الذي يزعمُ أنه يبحث عن الحُب، بينما لا يبحث أحيانًا إلا عن دليل يؤكد أنه ما يزال قادرًا على أن يدفع الآخر إلى الجَري نحوه. ويا لها من مأسَاة صغيرة وأنيقَة: أن يصير القُرب فُتُورًا، ويصير الابتعادُ إغراءً، وأن يظلَّ الإنسانُ، من قلب الحضاراتِ إلى شَاشات هواتفه الحديثة، يجري لا نحوَ الآخر، وإنما نحْوَ صُورته في عَيْن الآخر.

لنتأملْ؛ وإلى حديث آخر.

جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل جْرِي عْليَّ نَجْرِي عْلِيكْ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم