اليكم الان حين تنتقل ثقافة تاهركاويت من الشارع إلى المؤسسات والان إلى التفاصيل من المصدر آش نيوز
مع اقتراب انتخابات 2026، بدأنا نرى مشهدا يستحق أكثر من مجرد السخرية أو التعليق على مواقع التواصل: أسماء ووجوه جديدة تدفع إلى الواجهة، وبعضها لا يبدو أن ما يؤهله للترشح هو الكفاءة أو التجربة أو القدرة على التشريع، بقدر ما هو الحضور، والعلاقات، والقدرة على استقطاب الأصوات بأي طريقة.
وهنا يفرض نفسه السؤال الذي قد يبدو صادما: “واش غادي ننتاخبو نواب برلمانيين للمغاربة، ولا غادي ننتاخبو هركاوة باش يسيرو البلاد؟ لا يتعلق الأمر هنا بالأصل الاجتماعي، ولا بالمدينة أو القرية، ولا بمستوى الدخل. “الهركاوي” يمكن أن يكون ابن البادية كما يمكن أن يكون ابن المدينة، ويمكن أن يكون بسيطا كما يمكن أن يكون ثريا ومتعلما. لأن “الهركاوة” في معناها الذي أصبح متداولا اليوم ليست جغرافيا. الهركاوة عقلية. هي أن تعتبر القانون مجرد اقتراح، والفضاء العام ملكا خاصا، والانتخابات وسيلة للاغتناء والنفوذ، والمنصب امتيازا شخصيا، والنجاح مرادفا للضجيج، والحظوة هي الأكثر قدرة على فرض نفسها، وليس الأكثر قدرة على خدمة الناس. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية.
من “الهركاوة” الفردية إلى “تاهركاويت” المؤسسات
المشكلة ليست في أن نجد “هركاويين” في المجتمع. كل المجتمعات تعرف أشكالا من السلوك الفوضوي والانتهازي. المشكلة تبدأ عندما تنتقل “التاهركاويت” من الشارع إلى المؤسسة، ومن الفرد إلى القرار، ومن السلوك إلى القانون. لأن “الهركاوي” في الشارع قد يرمي الأزبال أو يحتل الرصيف أو لا يحترم الصف. أما حين يدخل إلى المؤسسة، فقد يبدأ في التفكير بمنطق آخر: “القانون خاصو يتفصل على القياس ديالنا”… “المصلحة العامة؟ خليها من بعد”… “الحزب؟ غير وسيلة”.. “المنصب؟ فرصة”.. “الانتخابات؟ موسم”.
وهنا لا تعود المسألة مجرد “تاهركاويت”. تصبح سياسية ومؤسساتية. وإذا أصبح عدد كبير من الفاعلين السياسيين يتحركون بهذه العقلية، فقد نجد أنفسنا أمام برلمان لا يكتفي بتمثيل المجتمع، بل يعكس أسوأ ما يمكن أن ينتجه المجتمع من انتهازية وفوضى. وهنا يمكن أن يصبح السؤال أكثر قسوة: هل نحن مقبلون على “مجلس هركاوة”؟ ليس لأن النواب ينحدرون من هذه الفئة أو تلك، ولكن لأن معيار الوصول إلى المؤسسة قد يصبح هو نفسه معيار “التاهركاويت”: القدرة على استغلال الفراغ، شراء الولاءات، استثمار الشعبوية، واستعمال الخطاب الذي يرضي الناس لحظة بدل صناعة القرار الذي يخدمهم لسنوات.
حين تصبح “التاهركاويت” نوعا من الذكاء الاجتماعي
الخطر لا يتوقف عند البرلمان. ثقافة “التاهركاويت” لا تعيش في السياسة وحدها. إنها عندما تنتشر، تصبح ثقافة عامة. في الرياضة، تتحول المنافسة إلى سبّ وشتم وتخريب وتصفية حسابات، ويصبح الانتماء للفريق مبررا لتجاوز كل الحدود. في الفن، يصبح الأكثر ضجيجا هو الأكثر حضورا، وتتحول الجودة إلى آخر ما يسأل عنه. في الإعلام، تصبح الإثارة أهم من الحقيقة. في مواقع التواصل، يصبح “الترند” أهم من القيمة. في الإدارة، يصبح القرب أهم من الكفاءة. في الاقتصاد، تصبح العلاقة أهم من الاستحقاق. وفي المجتمع، يصبح من يحترم القانون ضعيفا ومن يعرف كيف يتجاوزه فاهما للعبة..
وهنا نصل إلى أخطر مرحلة: حين تبدأ الأجيال الجديدة في اعتبار “التاهركوايت” نوعا من الذكاء الاجتماعي. عندما يرى الشاب أن من يخرق القواعد ينجح، وأن من يصرخ أكثر يسمع أكثر، وأن من يملك العلاقات يتقدم على من يملك الكفاءة، فإننا لا نكون أمام مشكلة سلوك فردي. نكون أمام أزمة في منظومة القيم.
الحداثة ليست إسمنتا وحديدا بل سلوك وثقافة
المغرب الذي يستعد لـ2030 لا يحتمل “تاهركاويت” مؤسساتية. نحن لا نستعد فقط لانتخابات 2026. نحن أيضا أمام مغرب يستعد لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وهذا يعني أننا سنكون تحت المجهر: ملاعب، مدن، طرق، مطارات، فنادق، خدمات، إدارة، أمن، سياحة، إعلام، ثقافة، وفضاء رقمي. العالم لن يسألنا فقط عن عدد الملاعب التي بنيناها. سيسألنا، بشكل غير مباشر: هل أصبح المغرب دولة حديثة في سلوكها كما هو في بنيتها التحتية؟ يمكن أن نبني أجمل الملاعب، لكن ماذا يحدث خارج الملعب؟ يمكن أن ننجز أرقى الطرق، لكن هل نحترم قانون السير؟ يمكن أن نستقبل ملايين الزوار، لكن هل نحسن التعامل مع الفضاء العام؟ يمكن أن نضع أفضل القوانين، لكن هل نطبقها على الجميع؟
الحداثة ليست إسمنتا وحديدا. الحداثة قبل ذلك سلوك ومؤسسات وثقافة. ولهذا فإن أكبر خطر على مشروع المغرب الحديث ليس “الهركاوي” كفرد. الخطر هو أن تتحول “التاهركاويت” إلى منظومة. والأخطر: أن تصبح قانونا. تخيلوا أن تتحول موازين القوى داخل المؤسسات إلى درجة يصبح معها القانون نفسه نتيجة للضغط والابتزاز والحسابات الانتخابية الضيقة. عندها لن نكون أمام “هركاوي” يخالف القانون. بل أمام احتمال أخطر بكثير: “هركاوة” تشرع. وهنا يجب أن نكون واضحين: البرلمان ليس فضاء لتصفية الحسابات، ولا سوقا للمصالح، ولا منصة للشهرة. البرلمان هو المكان الذي تصاغ فيه القواعد التي سيعيش في ظلها ملايين المغاربة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي في انتخابات 2026 لا ينبغي أن يكون فقط: شكون غادي يربح؟ بل: شكون غادي يشرّع؟ وبأي عقلية؟ ولأي مغرب؟
لا نريد “مجلس هركاوة”
المغرب لا يحتاج إلى برلمان يشبه أكثر لحظاته فوضوية. يحتاج إلى برلمان يشبه طموحه. مغرب 2030 لا يمكن أن يبنى بعقلية 1930. ومغرب يطمح إلى أن يكون قوة إقليمية وبلدا جاذبا للاستثمار والسياحة والكفاءات، لا يمكن أن يسمح بأن تصبح “التاهركاويت” معيارا للنجاح السياسي والاجتماعي. والرسالة هنا ليست ضد أبناء القرى، ولا ضد الأحياء الشعبية، ولا ضد أي فئة من المغاربة. بالعكس. المغرب القروي أنجب علماء ومثقفين وسياسيين ووطنيين ورجال دولة. والمغرب الحضري بدوره ليس محصنا ضد “التاهركاويت”. المعيار الوحيد الذي يجب أن يحكمنا هو: الكفاءة، والنزاهة، احترام القانون، الإحساس بالمصلحة العامة، والقدرة على تحمل المسؤولية. ف”الهركاوة” ليست في الجلباب ولا في السيارة ولا في اللهجة ولا في عنوان السكن. “الهركاوة” في العقلية. و”التاهركويت” ليست مشكلة عندما تبقى تصرفا فرديا يمكن للمجتمع أن يصححه. لكن عندما تدخل إلى السياسة، والرياضة، والفن، والإعلام، والإدارة، والاقتصاد، ثم تصل إلى التشريع… فهنا تصبح مشروعا مجتمعيا خطيرا.
والبلدان لا تهتز فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو السياسية. أحيانا تبدأ الهزات الكبرى عندما تفقد المجتمعات الثقة في قواعدها، وعندما يصبح تجاوز القانون أمرا عاديا، وعندما يصبح الابتذال قدوة، والانتهازية شطارة، والفوضى حرية. لذلك، ونحن على أبواب 2026، ربما علينا أن نطرح السؤال قبل أن نضع ورقة التصويت في الصندوق: واش بغينا نختارو اللي غادي يمثل المغرب… ولا اللي غادي يمثل “التاهركاويت”؟ لأن المغرب الذي يستعد لـ2030 يحتاج إلى رجال ونساء دولة. ولا يحتاج إلى أن تتحول مؤسساته إلى “مجلس هركاوة”.
المقالة حين تنتقل ثقافة تاهركاويت من الشارع إلى المؤسسات نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
حين تنتقل ثقافة تاهركاويت من الشارع إلى المؤسسات
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
آش نيوز حين تنتقل ثقافة تاهركاويت من الشارع إلى المؤسسات
كانت هذه تفاصيل حين تنتقل ثقافة تاهركاويت من الشارع إلى المؤسسات نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على آش نيوز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

